الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

تاريخنا بين المصادر الرسمية والشعبية

Share

نشرت جريدة " الشعب " الجزائرية بتاريخ 26-11-68 فى عددها 847 الصفحة السابعة ملخص محاضرة كان قد ألقاها الاستاذ - ايف لاكوست - بالمركز الفرنسى للوثائق تحت عنوان " الاستعمار والتخلف " وقد حلل الاستاذ المحاضر مجموعة من العوامل التى ساعدت على الاستعمار وابقت التخلف . كذلك تعمق الاستاذ فى تحليل المعطيات الاجتماعية التى كانت سائدة والتى عملت على تهيئة الارض التى استهدفت للغزو الاستعمارى واستشهد الاستاذ بوقائع التاريخ ادلة على صحة الاراء التى انتهى اليها . . ومن الوقائع التى ذكرها استعمار الجزائر والمغرب وتونس من طرف فرنسا . وقد قارن الاستاذ - لا كوست - بين الكيفية التى تم بها احتلال كل قطر من هاته الاقطار الثلاثة وانتهى الى سلم ترتيبى خلص فيه الى القول : ان الغزو العسكرى الفرنسى جابه متاعب وصعوبات عند احتلاله للجزائر ، غير انه بالنسبة للمغرب لم تكن القضية كذلك ، اذ اقترنت عملية الغزو بالسهولة واليسر غير المتوقعين . . ! اما بالنسبة لتونس فيقول الاستاذ لاكوست ان احتلالها كان " عبارة عن نزهة حربية " ٠٠ !

وهذا الحكم الذى اصدره الاستاذ المحاضر فى رأينا يحتاج الى المناقشة والتوضيح وهو ما سنفعله فى هذا البحث . . . واول ما نلاحظه ان الاستاذ فى حكمه هذا استند على احداث تاريخية لزمن معلوم ووقائع ما تزال بعض احداثها عالقة باذهان الاحفاد من جيلنا الحاضر ولهذا فالامانة التاريخية تفرض علينا وعلى كل من يدعم اراءه بالتاريخ ان يأخذ الوقائع اخذ شمول واحاطة واستقصاء واى تقصير او تفريط يجعل الدارس يقفز فوق الاحداث ولا يتمكن من اعطائها ما تستحق من نظرة واعتبار . . . وعندما يفعل ذلك يكون تجاوز المفهوم التاريخى وابتعد عن الامانة التاريخية ولعله يصل الى ظلم التاريخ والتعسف فى الحكم . . . واخشى ان يكون الاستاذ - لاكوست - فعل بعض الشئ من هذا فى حديثه عن تونس وحكمه عن طريقة وكيفية احتلالها بأنها كانت . . " نزهة حربية " .

لقد كانت قسوة الاستاذ - لاكوست - فى ابعد حدودها عندما سلب من الشعب التونسى فضائل العزة والكرامة وهو فى قسوته هاته يظلم الشعب

ويتجاوز المصادر التاريخية التى لا تجاريه فيما ذهب اليه من ان احتلال تونس كان " نزهة حربية " .

واقرب الظن ان المصادر التي نشير اليها لم تصل الى الاستاذ المحاضر ولا هو قادر بحكم الظروف على الوصول الى هذه المصادر . . . والدراسة الواعية الملمة بالاحداث التاريخية لفترة دخول الاستعمار الى تونس لا تكون موفقة اذا اعتمدت فى تحليلها واستدلالها على المصادر العامة الرسمية من المدونات لحكومية الموجودة بدور الوثائق على اختلاف اماكن تواجدها . . لان هاته الوثائق فى الغالب تسير فى الخط الذى توجد فيه الهيئة الرسمية التى دولت جمعها وتبويبها والاحتفاظ بها . . وحتى تكون هاته المصادر فى الوضع الذي نطمئن اليه علينا ان نضيف اليها اصداء الاحداث بين فئات الشعب صاحب القضية والحكم . . ولكن اين نجد هذه الاصداء ؟ وما هى المصادر التى تصور لنا تلك الاحداث ؟ والجواب على ذلك انها موجودة غير انها ليست فى متناول الجميع وهذا سبب صعوبتها . اما اين توجد ؟ وما هى هذه المصادر ؟ فهي عبارة عن " الازجال " الشعبية و " الحكايات الملحمية و " ملزومات " يحتفظ بها ابناء - العروض - و - المداشر - و - الدواوي - و - النجوع - على شكل مملاحم ترينا خريطة الحادث التاريخي باختلاف اتجاهاته وتصاعده ولا تغفل عن ادق الاشياء . . ولكن ليس فى امكان كل الناس الاستشهاد بهذه المصادر او فهمها ، ذلك لانها باللسان الدارج لغ الشعب وهى ايضا غير مكتوبة وانما هى شفوية يتناقلها الناس عن بعضهم البعض ويحفظونها على شكل " ملزومات " واشعار ملخصة بطريقة تعبيرية تحس وأنت تستمع اليها بأحاسيس الحادث الذى تصوره واجمل ما فيها انها كالوثائق تقترن باصحابها الذين قالوها وتذكر الاسماء والاماكن التى كانت مسرحها وتفرد بالذكر الرجال الذين مثلوا ادوارها . فهي إذا مصادر هامة ومفيدة والدارس لفترة من فترات تاريخنا الذي قيلت فيه مثل هاته " الازجال " و " الملزومات " و " الحكايات " لا تكتمل له الصورة باحاسيسها وابعادها حتى يأخذ نفسه بالبحث عن هذه المصادر التى كانت موجودة خاصة إيان الاحتلال الفرنسي وكانت تسمع فى كل نجع ودشرة وعرش م العروش . ومن مميزات هاته المصادر الشعبية انها قيلت بلغة الشعب الدارجة وكذلك قيلت بعيدة عن الجهات الرسمية ، ومن ثم فهى توضح وتبين ما تلملمه الوثائق والمصادر الرسمية وحتى الفجوات التى تتركها الوثائق الرسمية فان هاته المصادر الشعبية تتكفل بسد الثغرة وتغطى الحادث من سائر وجوهها وتجيب على السؤال الذى قد يرد . . . والدارس لفترة وزمان هذه المصادر م نير الرجوع اليها يكون فى رأينا كالأولين الذين يأخذون من عبر التاريخ ما

يتصل برجال السلطة والحكم ويهملون دور الشعب واعماله . . . ولعل هذا ما فعله الاستاذ " لاكوست " فى حديثه عن احتلال فرنسا لتونس ؟ لان ما تقوله الازجال الشعبية وملزومات ابناء العروش وحكايتهم المتصلة باسانيدها هو ان احتلال تونس لم يكن " نزهة حربية . .! " كما قال الاستاذ المحاضر وانما كانت عملية استسلم لها الحكم القائم فى ذلك الوقت على حين رفضها الشعب وهب يقاوم رغم الاوضاع السيئة التى كانت عليها تونس فى ذلك الوقت وهكذا دونت ملاحمنا الشعبية ما شهدته مداشر وقرى الفراشيش وجبال خمير وماجر و الكاف وجلاص و الساحل وصفاقس وارض الجنوب التونسى على اتساعها والتى ظلت قلعة منيعة على الاعداء الامر الذى تطلب تفريد الحملات المتتالية . . هاته الحملات التى ما تكاد تتغلب على منطقة حتى تنتفض اخرى لدرجة انه بقيت ارض الجنوب كلها منطقة " عسكرية " بتعبير سلطة الاحتلال نفسها . واستمر هذا الوضع حتى استقلت تونس واستعادت كرامتها وعزتها . .

فالمصادر الشعبية اذا تخالف الاستاذ لاكوست فى تصوره ان احتلال تونس كان " نزهة حربية " وانما الامر على عكس ذلك إذ كان الاحتلال مغامرة استطاع المحتل لاسباب ليس هذا مجال تفصيلها ان يدعم وجوده واحتلاله للمدن الكبيرة والعاصمة خاصة . ولكنه فى غير العاصمة ضل المحتل ابعد ما يكون عن الراحة والشعور بها فضلا عن ان يتصور معنى النزهة . . . وهذا ما تشير اليه حتى المصادر الرسمية والفرنسية منها وعلى حسب ما يسمح به كبرياء العظمة . .

فاذا كانت الوثائق الرسمية تذكر ذلك وتشير اليه فان المصادر الشعبية تفصله وترسم صوره وابعاده وخريطة حوادثه ، وكان على الاستاذ المحاضر الا يغفل عن ذلك ما دام يتحدث عن التاريخ والا يخونه التشبيه فيتوهم ان احتلال تونس كان " نزهة حربية " .

اشترك في نشرتنا البريدية