الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

تاريخيات، إيران في عهد الدولة القاجارية

Share

انعقاد المؤتمر الايرانى العثمانى :

فى سنة ١٢٥٩ هـ وصل الجانب الايرانى برئاسة الميرزا محمد تقى خان الفراهانى الى مدينة أرض الروم ، كما وصلها المندوب العثمانى أنور افندى ، والكولونيل ويليافر والميجر فرانت ، وروبرت ، كمراقبين عن بريطانيا والكولونيل دينيس المراقب الروسى وعقد الجانبان ثمانية عشرة جلسة استغرقت ثلاثة أعوام وبعض الاشهر  ، ناقش الجانبان خلالها ما ورد في معاهدة أرض الروم سنة ١٢٣٩ هـ ، قبل ابرام معاهدة جديدة ، ولما لم يتوصلا الى حل مرض تقرر ابرام معاهدة جديدة بينهما  .

وقد حاولت السلطات العثمانية ، وقد رأت قوة حجة وحنكة ولباقة الامير الكبير خلال المحادثات حاولت أن تضع امامه العراقيل ليعجل بالعودة الى ايران ، وليأتى مندوب آخر محله ، فأخذ المسؤولون العثمانيون يثيرون امام الوفد الايرانى المشاكل ، ويحرضون الشعب العثمانى ضده . وقد كادت تلك الاستفزازات من جانب السلطات العثمانية ان تؤدى الى اوخم العواقب . فقد قام بعض الغوغائية بالتظاهر

امام مقر الوفد الايرانى فى المدينة ، وأخذوا يرددون هتافات عدائية ضد ايران، ثم هجموا على مقر الوفد الايرانى وقتلوا اثنين من اعضائه ، وأصابوا عددا من الحرس الايرانى بجراحات خطيرة ، واصيب رئيس الوفد نفسه بجراحات طفيفة ، واخذت الجموع تتكاثر امام مقر الوفد وبدأ الموقف ينذر بالانفجار لولا تدخل المندوب الروسى لدى السلطات العثمانية التى حالت دون وقوع ما لا تحمد عقباه .

وبينما كان رئيس الوفد الايرانى يفكر في اتخاذ اجراء جدى ضد مثيرى الشغب بعد أن جرب كل الوسائل السلمية لتهدئة تلك الفتنة ، تدخل بحرى باشا قائد القوات العثمانية فى أرض الروم ، واسرع بتفريق الجماهير المحتشدة امام مقر الوفد الايرانى، وقد جرح بحرى باشا في محاولته تلك ، ولكنه استطاع ان يفرق الجماهير الغاضبة ، ويعيد الامور الى نصابها فى المدينة ، وقد عاونه فى ذلك قاضى المدينة الذى طلب من الناس أن يلزموا الهدوء .

ثم طلب بحرى باشا من رئيس الوفد الايرانى ان يأتى الوفد للاقامة فى الثكنات

العسكرية خارج المدينة ، حيث صارت تعقد الجلسات بين الجانبين ، وقد وافق الوفد الايرانى على الاقامة فى المعسكرات ثم طلب الايرانى ان يتخذوا الزى العثمانى تفاديا لوقوع اصطدامات اخرى بينهم وبين الشعب التركى ، ولكن رئيس الوفد الميرزا محمد تقى خان الفراهانى رفض طلب الحاكم العثمانى بشدة قائلا : (( انى والوفد المرافق لى لسنا على استعداد للذهاب الى الجنة فى زى العثمانيين ، انه لمن العار أن نتخلى عن زينا الوطنى ارضاء لرغبة الحاكم العثماني . )) واذا أردت معرفة مدى بسالة الامة الايرانية وقبولها الموت دون التخلى عن زيها الوطني ، فانى على استعداد لدخول المدينة على رأس هؤلاء النفر الجرحى من الايرانيين المرافقين لى ، ودع كل سكان المدينة يخرجون اسعد باشا حاكم المدينة من اعضاء الوفد لمواجهتنا ليروا مدى بسالتنا وشجاعتنا واستعدادنا للموت وترجيحه على العار . ))

واستغل محمد تقى خان الفراهانى رئيس الوفد الايرانى موقف حاكم المدينة ذلك الذى وصفه بحرى باشا قائد حامية المدينة بأنه موقف مشين ، استغله ببراعة لمصلحة ايران ، واخذ يندد بموقف الحاكم العثمانى والسلطات العثمانية من وفد ايران الرسمى فى بلادها .

وأخيرا توصل الجانبان الايرانى والعثمانى الى عقد معاهدة جديدة غير معاهدة سنة ١٢٣٩ هـ التى لم يتوصلا الى الاتفاق على أى فصل من فصولها . لذلك عرفت تلك المعاهدة الجديدة باسم معاهدة ارض الروم الثانية . واشتملت المعاهدة على تسعة فصول .

وفي جمادى الثانية سنة سنة ١٢٦٣ هـ وقع الجانبان المعاهدة الجديدة ، كما قام بتوقيعها كذلك مندوبو بريطانيا وروسيا بصفة انهم الضامنون لاجراء ما جاء فيها من جانب ايران والعثمانيين . وتقرر أن يقوم اعضاء الوفد الايرانى بعرض المعاهدة الجديدة على محمد شاه القاجارى للمصادقة عليها ، كما تقرر ان يقوم الجانب العثمانى بعرضها على السلطان عبد المجيد الاول .

بعض ما جاء في المعاهدة الجديدة :

بالاضافة الى مناقشة مشاكل الحدود بين الدولتين وادعاءات كل من ايران والعثمانيين فيما يتعلق بمدينة السليمانية فى شمال العراق وميناء خرمشهر على الخليج الفارسى فقد شملت فصول المعاهدة مطالب ايران عن خسائرها فى خرمشهر ، كما طالبت ايران بدفع تعويض لها عن السنوات التى لم تستطع خلالها الاستفادة من المراعى التابعة لها الواقعة فى الحدود العثمانية ، لقيام الحرس العثمانى بالحيلولة بين رعاياها من البدو وبين تلك المراعى .

أما فيما يتعلق بمطالب ايران حول تعويضات خرمشهر فقد استطاعت كل من بريطانيا وروسيا اقناع رئيس الوفد الايرانى محمد تقى خان الفراهانى بصرف النظر عن تلك التعويضات حفظا لروابط الاخاء وكعربون لعودة المياه الى مجاريها بين البلدين ، على أن تقوم الدولة العثمانية بالاعتراف بسيادة ايران على خرمشهر وجزيرة الخضر والمرسى ، وكل الاراضى الواقعة فى الساحل الشرقى لشط العرب

مقابل تنازل ايران عن المطالبة بالتعويضات المالية .

وطبقا للفقرة الثانية من المادة الثانية من المعاهدة ، فان ايران قد تنازلت عن ملكية السليمانية ، وبموجب تلك المادة وزعت منطقة السليمانية بين ايران والدولة العثمانية على النحو التالى : كل النواحى الحبلية الواقعة شرق مدينة زهاب تكون جزءا من الاراضى الايرانية . وكذلك تصبح كل النواحى الواقعة فى غرب المدينة تابعة لباشا بغداد ، وهذه التقسيمات التى جاءت فى المعاهدة الثانية فى أرض الروم هى القائمة الى اليوم بين العراق التى كانت آنذاك ولاية عثمانية ، وبين ايران .

كما نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية على أن تعمل كل من ايران والعثمانية على التنازل عن الدعاوى السابقة فى اراضى بعضها . وان يسارع الطرفان الى ارسال المهندسين والخبراء لتحديد الحدود وفق ما جاء في الفقرة الثانية من المعاهدة .

ونصت المادة الثانية على حرية الملاحة فى شط العرب ، وضمنت لايران حقوقامتساوية مع الامبراطورية العثمانية فى مياه شط العرب . فكانت السفن الايرانية والاجنبية القادمة الى شط العرب تتمتع بكامل الحرية فى الذهاب والعودة فوق المياه المحدودة للبلدين .

أما فيما يتعلق بشأن المراعى الايرانية في الحدود فقد تقرر طبقا للمادة الرابعة من المعاهدة ان تشكل لجنة مشتركة من البلدين لدراسة التعويضات التى طالبت

بها ايران بسبب حرمانها من الاستفادة من تلك المراعى من قبل السلطات العثمانية . وقد جاء ذكر بريطانيا وروسيا فى تلك المادة كوسيطتين فى الاشراف على قضية المراعى كما جاء ان على الطرفين المتنازعين ايران والامبراطورية العثمانية قبول ما تراه بريطانيا وروسيا فى الامر لحفظ العلاقات الودية بين ايران والعثمانيين .

ونصت المادة الخامسة من المعاهدة على تبادل المجرمين واللاجئين السياسيين من رعايا البلدين وفى تلك المادة تعهدت الدولة العثمانية باستعدادها لالقاء القبض على الامراء القاجاريين واللاجئين السياسيين اليها من ايران ، والاحتفاظ بهم تحت الحراسة فى مدينة بروسة حتى يجرى تسليمهم للسلطات الايرانية ، كما تعهد العثمانيون بعدم مساندة المتمردين الايرانيين ضد الدولة المركزية ، وانهم لن يسمحوا لهم بالعودة الى ايران فى شكل متسللين .

أما فيما يتعلق بالفارين من وجه العدالة من غير الامراء القاجاريين والسياسيين الايرانيين فقد تعهدت الدولتان فى تلك المعاهدة على ردهم الى الدولة التى يعتبرون من رعاياها اذا طلبت السلطات العثمانية أو الايرانية استردادهم .

أما موضوع حرية انتقال التجارة والتجار الايرانيين فى الاراضى العثمانية وموضوع التعريفة الجمركية وطريقة دفعها فقد ظلت تلك المواضيع كما كانت فى معاهدة سنة ١٢٣٩ هـ الا انها ادرجت فى المادة السادسة من المعاهدة الجديدة .

وبموجب الفقرة السابعة من المعاهدة

الجديدة فقد تعهدت السلطات العثمانية بأن واليها في بغداد لن يتعرض للزوار الايرانيين الذين يقصدون العتبات المقدسة في العراق . وسوف يكونون موضع رعاية واحترام وتقدير المسؤولين ، وستصان دماؤهم واموالهم . كما نصت المعاهدة على انه من حق ايران الاشراف على أمور رعاياها فى الاراضى التابعة للامبراطورية العثمانية ، ولها ان تقوم بفتح قنصليات سياسية وتجارية فى أى جزء ترى ان اقامة تلك الممثليات ضرورى في الاراضى التابعة للعثمانيين ما عدا مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وتتمتع تلك الممثليات الايرانية بنفس الحقوق المكفولة للدول الاخرى التى لها ممثليات مماثله . ووافق الجانب الايرانى على أن تقوم السلطات العثمانية بافتتاح ممثليات مماثلة للاشراف على شؤون رعاياها فى الاراضى الايرانية .

وكانت الفقرة الثامنة من المعاهدة الجديدة تتعلق بموضوع حفظ الامن فى الحدود المشتركة بين الدولتين وهو موضوع في غاية الاهمية . وقد اتفق الجانبان بهذا الشأن على منح الهجرات القبلية غير المنتظمة للعشائر القاطنة على بلديهما ، كما اتفقا على ضرورة عدم استغلال سذاجة تلك العشائر في اثارة الفتن للاعتداء

على الحدود ، وحتى يستطيع الجانبان تنفيذ ما جاء في تلك الفقرة فقد قرر اقامة نقط مراقبة فى الحدود لحفظ الامن والاشراف على تحركات تلك العشائر البدوية ، كما اتخذت ترتيبات اخرى بشأن تلك العشائر من اهمها :

أ - العشائر التي كانت تابعة لايران منذ القدم والتي كانت تقطن الاراضى الايرانية في الماضى والموجودة حال امضاء المعاهدة في الاراضى العثمانية تعاد الى ايران ، وكذلك العشائر التي كانت من رعايا الدولة العثمانية منذ القدم والمقيمة حاليا في الاراضى الايرانية حال امضاء المعاهدة الجديدة تقوم القوات المسلحة في البلدين بالاشراف على عودتهم الى اوطانهم الام .

ب - في حالة ما اذا لم تعرف هوية العشيرة وهل هي تابعة لايران او العثمانيين تشكل لجنة من الجانبين تقوم باجراء استفتاء بين تلك العشيرة المجهولة الهوية ، ويرى الى اى جهة ترغب الانضمام .

ونصت المادة التاسعة من المعاهدة الجديدة على ان كل الفصول والقرارات المدرجة في المعاهدة الاولى معاهدة سنة ١٢٣٩ هـ تلك التي لم يستطع الجانبان الوصول الى اتفاق تام بشأنها ، ولم تلغ أو تنسخ تعتبر سارية المفعول وذات قوة واعتبار قانونيين .

اشترك في نشرتنا البريدية