الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

تاريخيات أبو الحسن الغراب، ومقامته العبائية

Share

حياته :

يعد أبو الحسن الغراب من أدباء تونس الخضراء الممتازين الذين ولعوا بفن البديع ، وقد تمهر فى شئ خاص منه هو التورية ولا يقل عن ذلك فى الاقتباس ، وله توريات قثرية وشعرية . ومن أبرز ما له فى النثر المقامة العبائية .

وهو أبو الحسن على بن محمد بن محمد الشهير بالغراب نشأ بصفاقس ( ١ ) ثم انتقل الى تونس وأخذ عن شيخ شيوخها فى عصره أبى عبد الله محمد بن على الغريانى الطرابلسى التونسى ( ١١٩٥ ) ومدحه بكثير من شعره .

واشتغل بالتوثيق ومن المصادف السيئة انه يوم جلوسه بمكتب عدلين للشهادة ، معهما ، عزلا فى يوم جلوسه

معهما فاسد بعض الظرفاء ، فى ذلك ذاكرا أنه غراب بين فقال

حوانيت الشهود عفت وأمست

عيون معمريها مثل عين

وقد سأل الأنام بأى ذنب ؟

فقلت مؤرخا : ( بغراب بين )

وهذا التاريخ لجلوسه للاشهاد على طريقة المغاربة ، وهي أن الغين بتسعمائة ، والبقية كما عند المشارقة والمتحصل من ذلك ١١٦٧ لأن الباء ٢ ، والغين ٩٠٠ ، والراء ٢٠٠ ، والالف أو الباء ٢ ، والباء من بين ٢ ، والياء ١٠ ، والنون ٥٠ .

وقد انتقم الغراب لنفسه فى أبيات يقول فيها :

وان لسعت عرضى عقارب ألسن

فان لسانى فى اللواسع عقرب

وقد قضى الغراب حياته فى صفاقس ولكنه كان فى نزاع مع أخوته ، كما سيأتى فى المقامة العبائية بسبب الميراث اذ يقول فيها : ( ونزع الشيطان بينى وبين اخوتى )

ولم يبت فى قضيته مجلس صفاقس ، وطال النزاع بينه وبين أخوته للتجاور فى منزل واحد ، مما لقى منه عنتا حتى ان بعض أصدقائه من تونس اقترح عليه أن يبارح موطنه الاصلى الى تونس وهو الكاتب محمد الدرناوى ( ١٢١١ ) :

سمعا أبا الحسن الغراب لناصح

لك يبتغى نيل العلا وسيادة

أيام دهرك قد مضت ( بصفاقس )

وكذا لياليه بغير افادة

فارحل الى ( الخضراء ) ( ٢ ) كي تعطي المنى

وتنال ما أملته ( بسعادة )

ورى الدرناوى فى البيت الاخير عن الشيخ علامة تونس محمد سعادة ( ١٠٨٨ - ١١٧١ ) قاضى الجماعة بتونس الذى سينيل المترجم مأموله بواسطة جاهه العريض .

وفاته :

فى كناشة على ملك العلامة الجليل الشيخ محمد البشير النيفر ابن عم الوالد أطال الله بقاءه أن الغراب توفى سنة ١١٨٥ كما أخبر بذلك مفتى صفاقس الفقيه أبو العباس أحمد الفراتى ، وفى تاريخ مقديش المطبوع بتونس أنه توفى سنة ١١٨٣ أنظر نزهة الانظار ج ٢ ص ٢٠٤ .

من نثر الغراب :

هذه المقامة من عيون نثر الغراب ، جاءت فى أسلوب طريف ذات ابداع واختراع فى التورية والاقتباس كاتب بها أحد زملاء الدراسة بتونس حسبما جاء فى طالعة المقامة ضمن أحد المجاميع : ( هذه المقامة العبائية التى أرسلها الاديب الشهير ، عديم النظير ، من رفع عن محيا الادب النقاب ، وتلاطمت فى لجج بحره الآداب ، أبو الحسن على الغراب ، الصفاقسى رحمه الله الملك التواب ، الى الشيخ الفاضل العلامة أبى محمد حمودة ابن عطاء الله سامحه الله على شأن عباءة حملها معه من صففاقس الى مدينة القيروان ( ٣ ) ليقصرها بالصابون فى زمن الصيف , وتأخرت عنده الى زمن الشتاء فأرسل يستحثه عليها وذلك سنة ١١٦١ ) .

أفادتنا هذه المقدمة بأن هذه المقامة تعرف بالمقامة العبائية نسبة الى العباءة وأصل معناها فى العربيه كساء من صوف مفتوح من قدام يلبس فوق الثياب ، وهى هنا بمعنى آخر وهو الغطاء وهذا استعمال تونسى ، ولقبت هذه المقامة بالعبائية للسبب المذكور .

وعطاء الله الذى كاتبه ترجم له فى تكميل الصلحاء والأعيان بأنه الشيخ أبو محمد حمودة عطاء الله السلمي ، ارتحل الى تونس مع ابن عمه المذكور - أي علي بن عطاء الله - للقراءة فقرأ على المشايخ المذكورين - أي فى ترجمة ابن عمه السالف الذكر - وهو فقيه جليل وله فى الادب حظ وافر .

وذكر أن له كتابا فى الادب النافع نسي اسمه وانما ذكر طريقته فيه وهى أنه يأتى بحديث نبوى شريف ، ويعقبه بحكمة من أحد العارفين فى معناه ، ثم يأتى ببيت أو بيتين من الشعر فى المعنى ، ويختم بنثر من قلمه يحلل فيه الحكمه التى ابتدئت بالحديث وختمت بالشعر ، وهى طريقة سلكها بعض الفاسيين وهو الشيخ أبو مدين بن أحمد الفاسى ( ١١٨١ ) فى كتابه تحفة اللبيب ونزهة الأريب . . وطريقته انه يأتى بسجع حكمى ثم يعقبه بنظم فى المعنى ، وكان ذلك على حروف المعجم ويختم كل فصل من حروف المعجم بحكاية رائقة .

وذكر الكناني أن عطاء الله هو الذى كاتبه الغراب بالمقامة العبائية المعلومة وتوفي حمودة عطاء الله عام ( ١١٧٨ م ) . والغراب فى هذه المقامة ينوه بحمودة عطاء الله تنويها كبيرا ، حتى انه يعبر عنه بضياء الملة وسراج الدين ، ومثل هذا لا يلقى

جزافا ، خصوصا ممن يحترم نفسه ، ويعتز بأدبه ، فلا بد أن المكتوب اليه من ذوى القيم العلمية ، ويرشد لهذا أن الكنانى فى تكميله ترجم له بأنه فقيه جليل ، وله فى الأدب حظ وافر .

وهذه المقامة سائرة سير المثل بين التونسيين ، لأن الغراب كتبها باعتناء وأودعها الكثير من فنه الادبى ، وسنذكر بعض ذلك بعد ذكر هذه المقامة التى أطال فيها النفس وضمنها أشياء طريفة :

١ - المقامة العبائية :

الى من ضربت أوتاد أشواقه فى عروض الفؤاد ، فلا تحذف بسبب والحذف انما يكون فى الاسباب دون الاوتاد ، وأضرم فى الحشا نيران فراقه ، وأطلق دمعى بعد تقييده وقيد صبرى بعد اطلاقه ، قطب دائرة المتفق على كمال فضلهم وعلمهم , وصدر رؤوس الأدب المجمع على اعجاز نثرهم ونظمهم ، علماء عصره فى المغرب يقتفون أثره بكل قطر وناحية ، وتتوقف فى الاملاء على اجازته حتى يأذن بالانصراف أو الاجازة لتلك القافية ، عنيت به الحبر الزكى الفاضل ، والبحر المديد الكامل ، من أصبحت علوم المنقول برده ورداه ، وفنون المعقول وشي حلاه ، الجليل بما يحوى من الجميل ، والخليل الملتفت الى نحو الخليل ، ضياء الملة وسراج الدين ، أبا محمد بن عطاء الله السلمى ، لا زال فضله بين الأئمة متعارفا ، وذكره بين الامة متواترا مترادفا ، لا برح ميزان كماله راجحا لا يدخله نقص ، وأجزاء شرفه سالمة لا يعتريها عقص ولا وقص .

أما بعد ، فان كتابنا هذا يصل اليك ، سلام منا وبركات عليك ، سلام طويت من

نشره نفحات الازهار ، وغارت من عذوبته جاريات الانهار ، واعتلت من نظمه نسيمات الأسحار ، ينم على جنابكم كل وقت أرجه ، وتشرق على أرجائكم كل حين سرجه ، ما راقب الله مؤمن بحسن المراقبة ، خشية من عذاب النار وسوء العاقبة ، هذا وان قلبى من بعدكم لم يحظ بالمسرة يوما ولم يفز ، وان ذلك البيت المديد الوافر لم يسعنى منه صدر ولا عجز ، لاسيما وقد ضربتنى من عجزه ريح فى الصدر ، أبعدتنى عن قربه فلم يطب لى جلوسى فى الصدر ، وخبث عندى ريح ذلك العجز بضربه ، وطالما وقع لى فى هذا البيت تغير وقبض بسبب بعدكم ولا انكف لى دمع ولا انطوى لى نشر حزن وأنى لى فى الكف والطي من بعدكم حتى كأن مدامعي سيول تهمر ، أو بحر يزخر ، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ، وكم لزمتنى من علل ، الى اضمار بالجسم وتبديل فى الشكل ، وأثرت نقصا فى الفعل ، وخبلا فى العقل ، وشعث أجزاء صبرى فواصل بينكم ، وقطعت بأسباب الايحاش أسباب الانس بيني وبينكم ، فيا لها من فرقة اسود منها الاهاب ، وشب منها جمر الحشا وشاب منها الغراب ، وكيف لا وقد انكفأتم عن الديار ، وأقوى ذلك البيت من أنسكم على الرغم بغير اختيار ، فظلت من الاكفاء والاقواء بذلك البيت فى كرب متوال ، متأسفا على تلك الليالى ، التى هى فى جيد الزمان كعقود اللآلى ، أو زهرات فى غصن رطيب ، أو خيلان لها حلاوة بصحن خد الحبيب ، أو أنجم تزهر فى غياهب ، أو سيف يلمع فى مثار نقع السلاهب ، فيا لها من صفاء ليال لو لم تشب ببعاد ، أو كان وصلها ما له من نفاد ، فدام ذلك الوصل على حاله ،

ولم يجدع أنف كماله بزواله ، لكنه أسرع ما لج فى النفار ، وولت أجناده الأدبار ، وارتحلت الأحبة عن الديار ، كأن لم يلبثوا الا ساعة من نهار ، فراحت الروح على آثارهم ، وناح الغراب على أوكارهم ، سقيم الحشا يصلى بنيران فراقه ويتألم ، وما صام عن ذلك التألم ، منذ صلى وسلم ، بل يتركه يتقلى ، وعبس وتولى ، فلما لمته بسبب التقصير على جدع أنف مدته بمدية المسير ، قال : وكيف أجدع أنفى وأنا قصير ، كأنه فى سرعة الزوال ، طارق خيال ، أو برق خاطف ، أو اجابة عرش بلقيس بدعوة آصف ، أو دموع محب يوم البين ، أو فرس بدر بن عمار موصوفة ابن الحسين ، ولقد كنا قيدنا على الذم بالمدح مطلقات الألسنة ، ومحونا جميع سيئاته فى جانب تلك الحسنة ، فيا لك من ليالى وصل لو لم تكن كسنة ، وساعة فراق فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة .

وقد زاد من فراقكم تكدر صفوتى ، ونزع الشيطان بينى وبين أخوتى ، وقرعنا باب الاشتغال بالتنازع ، ولم يجزم المنتصبون بيننا الحكم عند الترافع ، وما أظن أنه يخفى عنكم ما نحن فيه معهم من عدم الاجلال والمبرة ، أو يغرب عن ذهنكم منه مثقال ذرة ، وانى معهم فى تلك الديار على سعتها فى أضيق من سم الخياط ، وألاقي منهم ما لقي يوسف من الاسباط ، وقلوبهم على ، أشد كفرا ونفاقا وأجدر ، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر ، فنسأل من بيده العقد والحل ، أن يمن علي بنشر هذا البين والغم ونظم ذلك السرور والشمل .

ويليه : أعز الله مولانا أن العباءة التى

كلفناكم بحملها ، وألزمناكم بغسلها ، لم ندر هل سبب تأخرها هذه المدة ، الى أن تنقضي أيام العدة ، أو أنها لم تبلغ الى المكان الذى حملت اليه ، فقلت أن غير البالغ لا يجب الغسل عليه ، أو ارتحل صابونكم بحلولها فورا ، أو أصبح ماؤكم غورا ، فاذا كان الأمر كما ذكرناه ، والحال على ما وصفناه ، فاذا هاد اليكم من بلدنا الجمالون ، جاء الماء مع الذين هادوا والصابون ، أو ضلت سبلها ، ولم تضع الى الآن حملها ، أو وضعت الى الزمن الذى حملت فيه أوان الزرع ، والحال أن الخطاب عليها خطاب تكليف لا خطاب وضع ، أو طرحت فى متروك مكان ، ونسجت عليها عناكب النسيان ، أو الحق بالقارضين ، وصارت أثرا بعد عين ، ورجع الأمل عنها بخفي حنين ، متزرا بثوب الاحتساب راضيا من الغنيمة بالاياب ، أو ألحقت بأهل المقابر ، وذهبت كأمس الدابر ، أو خرقتها يد الأسفار الشواسع ، فاتسع الخرق فيها على الراقع ، أو وقعت بعد رقعها فى يد الضياع ، فأبيت أن تخبر عن وقعة ذات الرقاع ، أو حسنت لكم منها مواقع ، أو لكم فيها دفء ومنافع ، أو نهبت بالسيف والأسل ، فسبق فيها السيف العذل ، أو بقيت فى منعرجات زوايا الاهمال ، أو نزلت للأنس من ربها منزلة البعض من الكل ، فصارت الآن بدل اشتمال ، أو أنت ممن يخلف الميعاد فلا تدرك المطايا بحثها ، وممن ينكر المعاد فلا يقول ببعثها ، فأمسكت لذلك الغرض ، وقد يسد مسد الجوهر العرض ، فالحاصل انه لم يترنح عندى احتمال ، والدليل متى طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال .

فالمسؤول من علو همتكم ، وشريف حرمتكم ، انها أن كانت فى دائرة الوجود على الوجود مشتملة ، فالاسراع بانقاذها على الحالة اللازمة لها أو المنتقلة ، والا فاخبرنا لنعرض عنها ، ونقول عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها ، فان الشتاء أرسل يخبرنا بموافاته ، ويطالبنا بسبع كافاته ، فأعددت له من ذلك ما وسعه جهدى وحينى ، ولم يبق الا لبس عباءة وتقر عينى ، وذلك أن هذه العباءة غاشية لجميع أهل بيتنا فى البرد ، كافية للجميع منهم وللفرد ، ومنذ فقدت زمن ذلك الحر الكثير ، لم يسألنى عنها منهم كبير ولا صغير ، بل كلما أمال النوم رقابهم ، غلقوا أبوابهم ، واستغشوا ثيابهم ، الى أن قطب وجه الشتاء وعبس ، وبدأ أفق صبحه يتنفس ، صاروا كلما أقبلت ليلة شاتية ، تجافت جنوبهم عن المضاجع فى كل ناحية ، وقالوا قبل الفجر يسألوننى : هل أتاك من ذلك البلد حديث الغاشية ؟ وجعلوا يتأسفون على فقد تدفيتها ، وقالوا : يا حسرتا على ما فرطنا فيها . والحاصل أنك ترى لأجنحتهم فى البرد شدة اضطراب ، فالمطلوب ارسالها على جناح غراب ، خشية من هجوم الشتاء وكل منهم مجرد ، فيجعل يصيح ويستغيث أين كسائي فانى المبرد ، لاسيما وأن الشتاء بذلك البيت أشد علينا من نهش الحية , وأبرد علينا من بيوت سمية ( ٤ ) .

ثم اعلم أنه قد كان وقع بيننا الاتفاق ، قبل الافتراق ، على الاجتماع من الخل الموافق العوافى ، وثالثة الأثافى ، بجمال ( ٥ ) ثم يكون من هناك الارتحال ، ( نقوم )

بزيارة المشايخ السوسية (٦) ، ثم نتوجه الى الحضرة التونسية ، فان كنت باقيا على ما نطقت به وأبنت ، وبانيا على الاجتماع بالبلد الذى عينت ، ولم تنفك فى دائرة المتفق الذى تضمنت ، فأجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت .

ثم أننا لم ندر كم كانت اقامتك بسوسة ؟ وهل حصلت لكم بها ليالى مأنوسة ؟ غير أن بعضكم قالوا : أقاموا بها كثيرا ، وقال آخرون ما تلبثوا بها الا يسيرا .

استدراك :

اعلم أن الكتاب والعباءة وصلا الي ، عقب فراغى من هذه الرسالة ، وذلك آخر يوم من رمضان لا محالة ، وقد كاد القوم يتخذون يوم وصالها عيدا يستحلون فيه الافطار ، ويتعجبون كيف تعمدوا الصوم فى ذلك النهار ، فكانت أشهى من زيارة المحبوب ، وأنفع من قميص يوسف على عيني يعقوب ، وأقبلت وهى ضاحكة مستبشرة ، وكانت حين تولت يومئذ عليها غبرة ، ترهقها قترة .

ثم المطلوب من كرمكم ودماثة شيمكم أن تعرفونا بحقيقة الشيخ الامام ، والعلم الهمام ، والعادل فى أقضيته بين الأنام ، سعادة من انتهى اليه ، وركن من عول عليه ، بأي اضافة اليه استحق الصرف ، وبأي عامل خفض وكان منتصبا على التمييز والظرف ؟ وكيف يصرف وقد عرف بالعلم والفضل ، واجتمع فيه العلمية والعدل ؟ بأي سعاية يستوجب سعادة صرفا ، وعلة المنع فيه لا تخفى ، وكيف تقبل فيه أقوال

مرورة . وقضايا أحكامه بالعدل مسورة . وهل يصدق من وقع فيه بما لا يليق ؟ ، أو يتصور انه بذلك حقيق ؟ . وموحبات علمه وفضله تنفي عنه ذلك التصور والتصديق .

وكذلك أنبئنا : هل رجع بعد فقد النظير الى حماه ، وعاد الماء الى مجراه ، والغريب الى مأواه ؟ وقد أرخنا وفاة قاضى القضاة بالحضرة العلية ، بتاريخ له مزية ، وهو :

على قاض القضاة قضى الهي وبنينا عليه أبياتا ليس هذا محل ذكرها ولم تكمل .

والسلام على ذراريكم السبع ، بعين الجميع لا بعين الجمع ، وهاك أبياتا أنشأتها يوم التاريخ تتضمن تاريخ قدومكم وقصيدة .

تتضمن هذه المقامة أو الرسالة الموجهة الى حمودة عطاء الله السلمي أمورا منها :

تحية الموجه اليه بهذه الرسالة ، وابلاغه سلامات الكاتب وأشواقه وعدم الصبر على الفراق بين الكاتب والمكتوب اليه وتشكي الكاتب مما يلاقيه من أخوته الذين أساءوا معاشرته ، وتضايقه من سكناهم معه فى الدار المعنية ، ثم جاء حديث العباءة التى كلف بتقصيرها المكتوب اليه وأشرف الشتاء ولم يتم تقصيرها وارسالها ، وهنا تفنن الغراب فى أسباب هذا التباطؤ فى التقصير والارسال ، ومن أجل هذا الغرض سميت هذه المقامة بالعبائية ، اذ انها كانت السبب الحامل للغراب على ارساله هذه المقامة .

وهى فى الأصح رسالة لا مقامة وان كان

كل من نقلها عنون لها بالمقامة العبائية كمثل ما جاء فى تلك المقدمة المنقولة أوله مع أن الغراب نفسه عبر عنها بالرسالة اذ يقول فى استدراكه : ( . . عقب فراغي من هذه الرسالة ) . ولم أدر لماذا عنونت بالمقامة ، مع أننا اذا نظرنا الى أسلوبها نجده يخالف أسلوب المقامات ، فما ذكره ناقلوها من أنها مقامة مجرد تسمية ، لأن الغراب بناها على أسلوب الرسائل حيث يقول فى أولها : ( الى من ضربت أوتاد أشواقه . . الخ . . ) وهذا ما دعانا الى اجمال ما تضمنته حتى يتضح موضوعها من أنه موضوع رسالة ، وهذه العبائية تخالف المقامة الهندية للغراب لأنها لم تبن على الحوار المتعارف فى المقامات والابتداء بالحديث عن شخصية خيالية تبنى عليها المقامة .

ثم انها لم يسلك الغراب فيها مسلك الرسائل من خطاب للموجه اليه بها فى كل فقرة وحفاظا على ما وجد أبقينا اسم المقامة ، وان كانت فى الحقيقة بعيدة كل البعد عن ذلك ، بل هى رسالة أدبية تضمنت جدا وهزلا ، والهزل فى شأن العباءة ، وما عداها فجد مثل تشكيه من نزغ الشيطان بينه وبين أخوته ، والاستفسار عن بعض الاحوال .

وبعد حديث العباءة ذكر اتفاقه مع المكتوب اليه على الاجتماع بجمال ، ومنها يكون الارتحال الى سوسة ثم الى الحضرة التونسية ، وتساءل هل بقى المكتوب اليه على وعده ؟

وأخيرا استدرك فى آخر الرسالة بأنه اثر فراغه منها ورد عليه مكتوب من الموجه اليه مع العباءة فكان يوم وصولها عند العائلة عيدا .

وتمتاز النسخة التى فى حيازة كاتبه بأمرين عن النسخة المحفوظة بدار الكتب الوطنية تحت عدد ٩٧٦٠ ضمن مجموع :

١ - الاستفسار عن تأخر الشيخ سعادة عن خطته ؟ وهل رجع اليها ؟

٢ - انشاء تاريخ لوفاة قاضى القضاة بالحضرة التونسية ويعنى القاضى الريكلى الذى ستأتى ترجمته مع تحقيق فى هذا التاريخ للوفاة فى التعليق على هذه المقامة .

بدائع التورية :

قد تفنن الغراب أيما تفنن فى الرسالة العبائية ، أو المقامة واستعمل فنه الذى برز فيه وهو التورية وجمع فى هذه المقامة الكثير من الاصطلاحات العروضية ، وسنبين الكثير مما جاء فيها ابرازا لمقدرة الغراب ، فى التورية مقتصرين على ذلك دون تتبع لجميع ما أتى به لما يؤدى اليه من اطناب واسهاب .

ورغم أن المحسنات البديعية قد تجنبها الكتاب والشعراء المتحررون من التكلف لان هذه المحسنات قل أن تجئ عفوا ، واذا عني بها جعلت القطعة نثرية أو شعرية تتعثر فى التكلف الذي يأباه الطبع ، وفى ذلك ما يدعو للاعراض من أجل التكلف ترى الغراب وان كان فى تورياته لم يأت بها عفوية بل قصدها وتصيدها قد كان فى تصيده حاذقا أحوذيا يعرف كيف يتصيدها وكيف يضعها فى أماكنها ، فبين أيدينا مقامته العبائية هذه وقد حشاها بالتوريات والاقتباسات ، وهى مع ذلك لا يتعثر المطالع فيها ولا يحس بثقل حين يقرأها بل يقبل عليها بنهم ويطرب لها .

وقد افتتح أولها بتوريات عروضية

وسنوضح البعض الكثير منها استجلاء لما انطوت عليه هذه المقامة المعدودة من عيون نثر الغراب ذات التوريات البديعة .

ففى الفقرة الاولى نجد جملا ذات توريات متعددة حتى انه فى الجملة الواحدة لا يكتفى فيها بتورية واحدة بل يعددها كمثل ما جاء فى صدر المقامة من توريتين فى قوله :

( الى من ضربت أوتاد أشواقه فى عروض الفؤاد فلا تحذف بسبب ) فالاوتاد عند العروضيين هى أحد الامرين اللذين تتركب منهما الاجزاء وهى التفاعيل ، وأحدها وتد وهو ثلاثة أحرف اما وتد مجموع ، واما وتد مفروق .

ومعنى الوتد فى اللغة : ما رزق فى الارض أو الحائط من خشب ، يقصد الغراب بذلك أن أشواقه ضربت أوتادها فى فؤاده ومع ذلك ورى عن الوتد عند العروضيين .

وعروض الفؤاد أصل معناها المقصود : ناحية الفؤاد ، ومع ذلك ورى عن علم العروض الذى يعرف به صحيح أوزان الشعر من فاسدها ، وفى هذا براعة استهلال وهى عند البديعيين : اتيان الشاعر أو الناثر فى ابتداء كلامه بما يشير الى مراده فى القصيدة أو الرسالة ، وها هنا مراده أن مقصوده التوريات العروضية .

وورى فى جملة أخرى عن الاوتاد والاسباب فالاوتاد كما تقدم ، والاسباب جمع سبب وهو عند العروضيين حرفان ، وهو على نوعين خفيف وثقيل ، وكذلك ورى عن الحذف وهو عندهم حذف سبب خفيف من آخر الجزء ويقع فى ثلاثة أجزاء حيث قال : (( والحذف انما يكون فى الاسباب دون الاوتاد )) يقصد الى أن أوتاد أشواقه المضروب فى الفؤاد لا تحذف وفى

ذلك تورية عن الحذف وهو من علل النقص خاص بالاسباب الخفيفة دون الاوتاد .

وأشار الى تورية أخرى عروضية بقوله : (قطب دائرة المتفق على كمال فضلهم وعلمهم) والدائرة عندهم احدى الدوائر الخمس التى للبحور وهى معلومة ، والدائرة أيضا : ما أحاط بالشئ .

ومن ألطف ما جاء له فى هذه المقامة جمعه بين الجناس والتورية فى قوله : ( الجليل ، بما يحوى من الجميل ، والخليل الملتفت نحو الخليل ) فقد جانس الجناس اللاحق بين الجليل والجميل ، والجناس ما أبدل من أحد ركنيه حرف من غير مخرجه ، كما جانس جناس التصحيف بين الجليل والخليل ، وجناس التصحيف ما تماثل ركناه خطا ، واختلفا لفظا ، ويمثل له بقول أبى فراس :

من بحر جودك أغترف

وبفضل علمك أعترف

وورى بنحو الخليل عن جهة الخليل وهو الصديق المخلص وعن علم النحو الذى من علمائه الخليل بن أحمد اللغوى المشهور وخصه بالذكر لكونه مخترع علم العروض .

وله توريات أخرى عروضية فى هذه الجملة : ( ولا برح ميزان كماله راجحا لا يدخله نقص ، وأجزاء شرفه سالمة لا يعتريها عقص ولا وقص ) فالعقص عند العروضيين من العلل غير اللازمة ، والوقص من الزحاف المفرد وفى اللغة العقص التواء الامر ، والوقص العيب .

وكما أتى بتوريات عروضية أتى بتوريات من القافية فذكر الاكفأ والاقوى : ( فظلت من الاكفاء والاقواء بذلك البيت بكرب متوال ، متأسفا على تلك الليال ) فالاكفاء

هو اختلاف الروي بحروف متقاربة المخارج والاقواء اختلاف المجرى فى الحركة وهما بمعنى آخر فالاكفاء بمعنى الامالة ، والأقواء : من أقوت الدار خلت من ساكنيها .

وأضاف الى هذين النوعين من التورية نوعا ثالثا وهو التورية النحوية كما جاء فى الفقرة الثالثة التى تحدث فيها عن تكدر صفوته بسبب خلافه مع أخوته الذين تنازع معهم ودخل فى خصومة صارت هى الشغل الشاغل : ( ونزغ الشيطان بينى وبين اخوتى وقرعنا باب الاشتغال بالتنازع ، ولم يجزم المنتصبون بيننا الحكم عند الترافع ) فقد ورى بالاشتغال والتنازع عن البابين المعروفين فى علم النحو ، وكذلك الجزم والانتصاب ، وله توريات أخرى بالتمييز والعلمية والعدل فى فقرة أخرى .

ومن بديع تورياته قوله فى فقرة العباءة : ( فاذا هاد اليكم من بلدنا الجمالون ، جاء الماء مع الذين هادوا والصابون ) فهاد من معانيه : رجع ، ودخل فى اليهودية ، والصابون اما المركب الذى يغسل به واما جمع صابى - بحذف الهمزة - والصابئون قوم يعبدون النجوم ، وفى ذلك اقتباس من قوله تعالى فى سورة المائدة : ( ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابون والنصارى ) (( ٦٩ )) قرأ السبعة الصابون بالرفع وفى تخريج ذلك أوجه ذكرها المفسرون ، ثم أن حذف الهمزة منه قراءة نافع .

اشارتان تاريخيتان :

أشار فى الاستدراك الى أمرين تاريخيين حدثا فى سنة كتب المقامة ، وهى سنة  ١١٦١ :

الاول : عزل الباشا علي ، للشيخ محمد سعادة عام ١١٧١ ، فقد عزله الباشا فى

وسط المجلس الشرعى عند اجتماعه للحكم بين يدى الباشا فأمره بالقيام وقال له : عزلتك من الوظيفة الشرعية .

ولما خرج أعاده الباشا وقال له : انى عزلتك عن التدريس .

ولما خرج أعاده وقال له : انى عزلتك عن مشيخة المدرسة .

ولما خرج أعاده وقال له : انى عزلتك عن الأمامة .

فلما علم الباشا أنه انتزع منه جميع ما بيده من الوظائف قال له : ارجع الى بيتك فقال له الشيخ سعادة : بقي عندى وظيف آخر لم تعزلنى عنه ، فقال له الباشا : ما هو ؟ فقال له : وظيفة العلم وستجتمع على الناس لتلقيه .

ثم خلى سيبله الباشا وأعاده الى جميع خططه ، فهنأه الغراب بقصيدة مطلعها :

زارتك بعد تمنع وجفاء

بيضاء ذات ذوائب سوداء

الثانى : وفاة القاضى وهو أبو محمد حمودة الريكلى كان أحد الشيوخ الذين تولوا التدريس بالمدرسة المرادية التى بسوق القماش ، وتولى الامامة والخطابة بجامع الزيتونة وتقدم لخطة القضاء المالكى وتوفى سنة ١١٦١ فى تاريخ انشاء هذه المقامة ورثاه الغراب كما تقدم وجاء فى التاريخ : على قاضى القضاة قضى الهى . .

ومجموع كلمات هذا التاريخ تتحصل منها سنة وفاته اذ أن (( علي )) ١٠١ و (( قاضى )) ٢٠١ ، و (( والقضاة )) ٦٢٢ ، و (( قضى )) ١٩١ ، و (( الهى )) ٤٦ بدون اعتبار الالف المحذوفة فى الخط من الهى .   ( تونس )

اشترك في نشرتنا البريدية