قام حسن علي خان بيكي حاكم بوشهر بابلاغ الامير طهماسب ميرزا مؤيد الدولة حاكم فارس وقائد عام الموانئ الايرانية على الخليج الفارسي بحقيقة الوضع في الميناء فسارع مؤيد الدولة بارسال وحدات عسكرية من فارس الى مدينة برازخان ودشتي ، وكتب الى الحاكم في بوشهر طالبا منه ان يبلغ السلطات البريطانية هذه الرسالة : الى قائد الاسطول البريطانى في ميناء بوشهر انه ليس من اخلاق الدول الكبرى التى تعتبر نفسها حامية للقوانين ان تطأ القوانين بقدمها دون مبرر ، وان تغمض عيونها وعقولها عن المعاهدات المبرمة بينهما وبين الاخرين . ان هذه الطريقة التى سلكتها بريطانيا ليست من اخلاق الدول الكبرى ولكنها طريقة قبائل التركمان التى يستولى عليها الغضب فجأة فتنقض على العدو والصديق دون تمييز .
ولم تعر السلطات البريطانية في بوشهر اى التفات الى رسالة والى فارس مؤيد الدولة ، بل عمد امير البحر البريطاني السير هنرى والمندوب البريطانى استاكر الى توجيه انذار جديد الى حاكم الميناء وكان على النحو التالى :
" ان بريطانيا دولة عظمي وقوية وتستطيع في حملة واحدة ان تدك الميناء والمدينة دكا ، اننا نعطي الحاكم الايرانى مهلة يومين ليقوم خلالهما باخراج النساء
والاطفال والشيوخ من المدينة حتى لا يصابوا بسوء ، واذا ما تضرع اهل المدينة الينا واطاعوا اوامرنا فلن يمس احد بسوء ، وعلامة ولائهم هي ان يسارعوا بانزال العلم الايرانى من القلعة عندما يشاهدون قواتنا تتجه اليها . واذا ما استسلم سكان المدينة فسوف نتصرف معهم على النحو الآنى :
١- ليس لقواتنا مطامع فى أموال المدنيين ، ولكن يجب على الجهات الرسمية فى المدينة ان تسلم لنا كل المعدات والوسائل الحربية . وكل المؤسسات الحكومية الرسمية .
٢ - على جميع الجنود الايرانيين ايلقوا أسلحتهم ثم يذهبوا حيث شاءوا ، أما الضباط فعليهم أن يأتوا الينا ويسلموا سيوفهم في وضع المستسلمين ،
ومن ثم يذهبوا هم ايضا حيث يريدون ، ويجب على جميع المواطنين من سكان المدينة ان يعلموا اننا فى حالة حرب مع ايران ، وعلى كل من اراد أن يكون فى امان من الرعايا الإيرانيين ان يخضع للحماية البريطانية " .
وحتى ذلك الوقت لم يكن حاكم المدينة حسن على خان بيكي قد تلقي اية اوامر من طهران للقيام بإجراء مضاد للقوات البريطانية ، لذلك حاول ان يخطط للحرب بنفسه ، فالوقت ضيق وحرج ولا يحتمل الارجاء ، وكان من جملة الاخطاء الفاحشة التى ارتكبها الحاكم عن قصد او عن غير تعمد انه ترك باقر خان التنكستاني ورحل عشيرته التى استدعاها من مدينة ( داكلي ) الى بوشهر دون ان يسند اليه اية عملية ، فما كاد القائد التنكستاني يصل إلى بوشهر حتى طلب منه الحاكم العودة برجاله الى مدينة بهمن بعد أن جرده من المدافع الحربية التي قدم بها رجاله الى المدينة ، فقام القائد التنكستاني بارسال ابن اخيه الى حسن على خان الحاكم وقال له محتجا : إذا كنت لست في حاجة الينا فلماذا دعوتنا إلى بوشهر ، لقد عطلت رجالى عن اعمالهم ، ولو كنت اذنت لي بالعمل الفورى لامكنني انصب عشرة متاريس قوية لصد الغزو البريطاني ، ولكن اجابه الحاكم ان المصلحة كانت تقتضى ذلك .
ولنر الآن ما قامت به العشائر التنكستانية بقيادة زعيمها باقر خان وابنه أحمد خان من صمود أمام القوات البريطانية الغازية . يقول لسان الملك سبهر في كتابه ( ناسخ التواريخ ) " في يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الثاني سنة ١٢٧٣ ه بدأت القوات البريطانية تنزل على ساحل الحليلة على بعد فرسخين عن مدينة بوشهر ، واخذت تنزل المدافع الثقيلة ذات الاحجام المختلفة الى اليابسة ، وكانت القوات التى انزلت في الحليلة عبارة عن ثمانية فرق من الجنود الهنود والسنود والبلوج والعرب وبعض البريطانيين ، وفي أول حملة على مدينة الحليلة هزمت الحامية
الايرانية التى فاجأها رصاص العدو من كل جهة ، وفى اليوم الثالث واصلت الحملة تقدمها الى مدينة ( اوتران ) فاكتسحتها ووصلت يوم الاربعاء الى قلعة بهمن ، التى تبعد قليلا عن مدينة بوشهر ، وصادف ان حمل البريطانيون على مدينة بهمن في نفس الليلة التى وصلها القائد التنكستانى باقر خان وابنه احمد خان والشيخ حسين جاه كوتاهي فاشتبكوا مع القوات الغازية . رغم التفاوت الملحوظ بين القوتين فلم يكن لدى باقر خان سوى اربعمائة مقاتل ، ومع ذلك لم يتردد في الانقضاض على القوات البريطانية ونشبت بين الجانبين معركة ضارية ، ثبت خلالها باقر خان وابنه والشيخ حسين جاه كوتاهي على رأس القبائل التنكستانية منذ الفجر الى منتصف النهار ، اعمل خلالها التنكستانيون السيوف والمدى في نحور الجيش الغازى . واسفرت المعركة عن سقوط سبعمائة واربعين قتيلا من القوات البريطانية إلى جانب خمسين آخرين من الاطباء ومهندسى الجيش البريطاني صرعهم التنكستانيون ، ولم يخسر الجانب التنكستاني سوى سبعين قتيلا .
وبعد أن تم للبريطانيين الاستيلاء على مدينة بوشهر القوا القبض على حاكمها حسن على خان بيكى ومهدى خان السرهنك والميرزا رضا المنشى وعدد كبير من قواد المقاومة الايرانية وارسلوا إلى بمباى كاسرى حرب ، وأعلنت الاحكام العرفية في المدينة ، وأصدرت السلطات البريطانية الاعلامية التالية :
١ - ان مدينة بوشهر تعتبر منذ اليوم تحت تصرف البريطانيين ، وستدار المدينة ادارة عسكرية . وكل من يخالف التعليمات المفروضة فسوف يعرض نفسه لاقصى انواع العقوبة .
٢ - على كل شخص في حوزته سلاح ان يسارع بتسليمه الى القوات البريطانية ، ولا يحق لاى انسان بعد الان حيازة اى نوع من السلاح ، وكذلك فان بيع وشراء المشروبات الروحية ممنوع منعا باتا .
٣ - تمنع تجارة الرقيق منعا باتا . ولا يجوز لاى شخص ان يورد الى ميناء بوشهر عبيدا أو يخرجهم منها بغرض البيع ، ويعتبر جميع العبيد احرارا منذ الآن .
٤ - كل من يرغب فى الاقامة فى مدينة بوشهر فيجب ان يعتبر نفسه تحت الحماية البريطانية كما يجب على اصحاب المحلات التجارية ان يسارعوا الى فتح محلاتهم .
٥ - على الاسخاص الايرانيين العاملين في قطع الاسطول الحربى أن يسلموا اسلحتهم الى الحراس البريطانيين قبل مغادرتهم لقطع الاسطول على ان يستردوها عند عودتهم الى عملهم في اليوم التالى .
٦ - حرية العقيدة الدينية مكفولة لجميع السكان ، ولا دخل للسلطات البريطانية بعقائد الناس .
٧ - نتولى المحاكم العسكرية البريطانية الفصل في الجنح .. أما الجنايات فمن حق الحاكم العسكرى البريطانى العام فقط البت فيها .
حرب المحمرة والآهواز :
فوجئت الحامية الايرانية فن المحمرة ( خرمشهر الحالية ) التى كانت تحت قيادة الامير خانلر ميرزا احتشام الدولة بالقوات البريطانية تهاجمها فى الثامن من شهر مارس سنة ١٨٥٧ م . الموافق لشهر جمادي الآخرة سنة ١٢٧٣ ه ثم شرعت القطعات البحرية
البريطانية سميراميس وفيرووز وأس وفيكتوريا وفالكند ترسل نيران مدافعها على ميناء خرمشير ، ثم بدأت فى انزال الجنود الى اليايسة . ونشبت بين الحامية الايرانية والقوات البريطانية حول ميناء خرمشهر معركة ضارية ، ظلت اربعا وعشرين ساعة ولما لم تستطع الحامية الايرانية الثبات أمام البريطانيين الدين كانت تساندهم المدفعية من عرض البحر ترك القائد الايرانى خانلز موززا كل معداته العسكرية للعدو وانسحب الى الأهواز . وسقطت المحمرة فى يد البريطانيين فى السابع والعشرين من مارس سنة ١٨٥٧ م .
بعد سقوط ميناء المحمرة ارسل الجنرال اوترام قائد القوات البريطانية ثلاثمائة جندي بريطانى وعددا من الضباط على ظهر ثلاث من قطع الاسطول البريطانى لاحتلال مدينة الاهواز عبر نهر كارون .
ومع انه كان مع القائد الايرانى الامير خانلر ميرزا اكثر من تسعة آلاف جندى وذخيرة وافرة الا انه فر من الاهواز واتجه الى مدينة شوشتر واستطاعت القوة البريطانية الصغيرة أن تسخر مدينة الاهواز.
واستقبلهم رؤساء العشائر العربية في المدينة بكل ترحاب ، وهكذا لم يمض شهر البربل من سنة ١٨٥٧ م - شعبان سنة ١٢٧٣ ه حتى كانت بريطانية قد سخرت كل امهات الموانئ الايرانية على الخليج الفارسى مثل خارك وبوشهر والحمرة والاهواز وبرازجان .

