الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

تاريخ السقاية بصفاقس

Share

أبى الله الا أن يكون وضع مدينة صفاقس الجغرافي وضعا يحدد من نسبة نزول الغيث عليها ذلك انها لم تكن بموضع قريب من الخبال والهضاب وانما جاءت على ساحل البحر بعيدة عن المواطن التى تساعد على تكثيف السحب وجلب الامطار . فكان حظها من تلقي غيث السماء قليلا . واستمرت المدينة بحاجة الى المياه ولذلك رأينا أهلها منذ القدم يعمدون الى الاستعانة بالمواجل لخزن المياه والآبار التى كثيرا ما تكون غير سائغة فيستعملونها للتنظيف والرش وغير ذلك . وكثيرا ما تغنى الآباء وكتب المؤرخون عن صدى أهل الجهة وتعطشهم الى المياه للشراب وسقاية الغرس والحيوانات . حتى ان الدعاء كان يوجه الى المدينة موحيا بهذه الحالة وداعيا الى طلب الرحمة من الله

يقول الشاعر علي بن حبيب التنوخى المتوفى سنة 449 ه

سقيا لارض صفاقس ذات المصانع والمصلي

فحمى القصير الى الخليج بقصرها السامى المحلى

بلد يكاد يقول حين تزوره : أهلا وسهلا

فتراه استهل وصفه للمدينة بالدعاء لها بالسقى . وهو أهم ما تحتاج اليه فى حياتها . وقد قال الشريف الادريسي في السقاية عن مدينة صفاقيس " وشرب أهلها من المواجل " . وقال ابن حوقل : " وشربهم من مواجل بها ومواجلها صالحة الطعوم حافظة لما استودعته ويقول التجانى : وانما يعتمدون فى شربهم على ما يدخرونه من مياه الامطار ، ويلاحظ المتأمل استعداد الاهالى نتيجة لازمات الجفاف لبناء المواجل والآبار والفستقيات

لاختزان المياه وكانوا يحبسون الارزاق على بناء المواجل وترميمها وجلب المياه بالطرقات والمساجد " .

وقد عاب بعضهم على صففاقس هذه العلة وهجاها كالمعز بن سليمان الذى تولى المدينة سنة 665 ه وقال

صفاقس لا صفا عيش لساكنها   ولا سقى ارضهل غيث اذا انسكبا

هذا ويذكر لنا الاستاذ محمد المهيرى بمجلة العزائم فى سنتها الثانية عدد 3 وعدد 4 : " إنه كان لاهل صفاقس اهتمام شديد بجعل معاطن ماء لما ينتابها من العطش خصوصا عند قلة الامطار رغم وجود مواجل فى غالب الديار وفى هذا الصدد يقول كتاب تاريخ صفاقس : وفي صفاقس عدة مجموعات من صهاريج الماء كمواجل السبعة بطريق العين وكان شراب أهل المدينة من المواجل الخاصة أو العامة المحدثة ببعض الازقة أو من الآبار العذبة كبئر الحصار الذي كان بجوار القصبة وبئر سوق الفكاهين أو فستقية الاغالبة التى كانت تحت السور الشمالى من الجهة الغربية وكانت بجوارها بئر لسقى الدواب تسمى عين الزريبى أو عين التريكى بطريق تنيور وغيرها . كما ان اسم طريق العين سابقا يشير الى ما كان يوجد بالطريق من عيون .

الناصرية : ولما ورد الملك الناصر على صففاقس سنة 601 ه . اشتكى اليه الاهالى مما كانوا يقاسونه من وطأة العطش فأذن بجعل بناية مواجل على عدد ايام السنة 365 ماجلا قائلا : " يكفيكم في كل يوم ماجل " ثم زاد عليها اصحاب الخير وأحاطوها بسور وهي التى كانت تسمى بالناصرية نسبة الى أبي عبد الله محمد بن يعقوب الملقب بالناصر الذي قدم الى صفاقس فى أوائل القرن السابع الهجرى وأمر بهذا البناء الذى أتمه وأصلحه وجعل له بابا المرحوم محمد بن مراد باى فى القرن الحادى عشر

ويقول الاستاذ محمود خروف في مقاله ( السقاية بصفاقس ) المندرج بحريدة النهضة الادبية العدد 32 الصادر فى 14 أوت 1944 تعقيبا على ما ذكرناه ولما كثر أهل البلد وامتد عمرانها شرع أهل الخير فى زيادة الصهاريج فمن مقل ومن مكثر ومن واحد الى أربع وكل حسب طاقته وصار الناس يوصون بثلث تركاتهم لبناء المواجل فى الناصرية فكثرت وبلغ عددها ستمائة صهريج يسع جميعها من الماء اثني عشر ألف متر مكعب وقد كفت الناس في ذلك العهد فى سني الخير والغيث واما إذا توالت سنوات العطش

الشداد فانهم يرجعون الى شرب مياه الآبار وفي ذلك تعب كبير . والناصرية الآن هو مكان معهدى مجيدة بوليلة ، والهادى السوسى

يقول الشيخ محمد المهيرى فى مجلة العزائم س 2 عدد 4 : ما واقعة مواجل البقر ببعيد وهي واقعة لها مغزاها وكيفية مبناها انه لما استولى على صفاقس النرمانديون ضايقوا الامة فابتكر الاهالى فكرة للتخلص منهم وعمدوا الى حفر دهليز تحت المكان المعروف بالرمانة و سوق الزيت ويتصل بماجل متصل بالجامع الاعظم هناك ونصبوا فيه حدادين يخدمون سلاحا بصفة حراب مستور بعصى ذات لولب ثم طافت الطائفة المكلفة على الدور لاستعلام عدد ما فيها من الرجال بقدر ما يخرجون من حبات الفول وبعد ذلك سلموا الى كل دار نصيبها من العصى المخدمه . وعينوا موعدا ليوم الخروج للعب " الزفاره " وهو نوع من العاب الرياضة يتعلمونه لمقاتلة الاسود عند وجودها فى الاشجار . ثم جمعوا من أهل الفضل زينة وأموالا واشتروا بقرات وزينت بالحلي والزينة وطافوا بها البلاد واشعروا السامعين بوقوع مهرجان ألعاب شيقة وكان ذلك جوفى صفاقس من الناحية الغربية حيث محطة العربات العمومية الآن وخرج الشبان ولم يتخلف منهم ما يؤبه له وساعدوهم على التمكن والتفرج وأحاطوا بهم وباللاعبين احاطة السوار بالمعصم وازفت ساعة العمل فهجموا على الاعداء هجوم الاسود الضوارى بالطعن لما فى باطن تلك العصى التى أصبحت سلاحا محكما فاردوهم عبرة للناظرين .

ولما تمت العملية تفقدوا تلك البقرات فلم يجدوها وهي محملة بالمصوغ والحرير فاتبعوا اثرها فوجودها رابضة بمكان على طريق تونس فنزعوا ما عليها وأرادوا ارجاعه لاصحابها فامتننعوا من قبوله قائلين : إنا جعلناه لوجه الله صدقة فلا نرجع فيه وضعوه حيث شئتم من المصالح فاتفقت كلمتهم على جعل مواجل فى نفس المكان الذي وجدت به تسمى بمواجل البقر على ان الكثير من الباحثين لا يرتاحون الى هذه القصة ويرونها من وضع الخيال

صهريج الصاغة

لقد كتب الاستاذ أبو بكر عبد الكافى فصلا بجريدة الصباح بتاريخ 1968/10/31 تحت عنوان ( صهريج الصاغة ) تحدث فيه عن الماجل الكبير الذى صنعت فيه الاسلحة فى القصة المذكورة اعلاه والذي كانت له عدة

فوهات تحدث عن امكنتها باطناب ويرى الاستاذ عبد الكافى ان هذا الصهريج أشار بحفره وبنائه الوالى عمر الغريانى الذى انزل اليه جماعة من الحدادين والنجارين ومدهم بما يلزم من آلات ومواد وصنعوا به شر ما يكفى من الاسلحة لابادة العدو . وكانت المهرجانات التى انتهت بمصرع الاعداء يوم 13 جانفى 1158 أو 1159 وهي الليلة الموافقة لليلة رأس السنة الاعجمية ومعروفة لدى سكان صفاقس بلية الحاجوجة وفيها يطبخون المريسة وهى طعام فيه الفول تذكيرا بما وقع عند جمع عدد الحاملين للسلاح

فستقية الحديقة العمومية :

لما تولى حسين باشا الاول سنة 1117 وبلغه ما يعانيه أهالى صففاقس من شدة العطش استدعي أهل البلد وأعلمهم بعزمه على انشاء فستقية كبيرة تخزن مياه الاودية . . ولما مات تولى ابنه علي باشا الحكم سنة 1147 وكان صاحب خير واحسان فأمر قائد البلد المرحوم بكار الجلولى بالنظر فى هذه القضية وكان رحمه الله حريصا على فعل الخير لا سيما فى شىء يعود نفعه على أهل البلد وبقى ثوابه لفاعله فى الآخرة . فامتثل القائد الى الامر وبادر الى الفعل واحضر كبار المهندسين فى عهده كأمين البناء الحاج سعيد القطى والاسطى الطاهر المنيف وغيرهما وقد عرفوا الباى بما انتهى اليه أمرهم فجاء الجواب بالانجاز وتم البناء وهو البناء الذى شيد فوق أرضه المسبح البلدى الجديد وحجمها ستة عشر ألف متر مكعب وقد بنى أهل الخير الى جانبها صهريجا عظيما وبلغ ذلك الباى فأمر بارجاع المال الى أهله وضمه للفستقية . وكان يوم امتلائها عند أهل البلد يوم عيد ومسرة يبتهجون فيه ويتناشدون الاشعار وكان الابتداء فى بنائها أوائل شوال سنة 1186 وانتهى البناء فى أواخر الربيع الثاني 1188 . وأمر الامير علي الباى ببناء فندق أوقفه عليها ويقال : إنه المسلخ الذي كان بقرب باب الديوان وقد هدمته الحرب العالمية الاخيرة وكان جملة ما انفق عليها 14.180 ريال وعلى الفندق 8.00 ريال

يقول الاستاذ عبد الكافي في كتابه ص 198 وشكل كل من الفستقيتين مستطيل ، فالفستقية الكبرى طولها 115 ذراعا وعرضها 99 ذراعا وعمقها سبعة أذرع فتسع 69.695. ذراع ماء مكعب والفستقية الصغرى طولها 115 ذراع وعرضها 31 ذراعا وعمقها أربعة أذرع الا ربعا ويكون مجموع سعتها بحسب اللترات 6.700.536 ل من أحسن ما قيل فى الاحتفاء باتمام بناء فستقية الحديقة العمومية قول الشاعر ابراهيم الخراط فى مدحه للامير نقتطف منه ما يتصل بالموضوع :

امير المؤمنين بقيت سترا على الخضرا بملك مستطيل

ولا زالت عباد الله تثنى عليك ثنا الرياض على السيول

أرحت صفاقسا من كر محل ومن عطش ومن كرب طويل

ومن شرب من الآبار ملحا يزيدهمو لهيبا فى الغليل

ولاحت بركة عذبت وراقت وجعدها النسيم لدى الاصيل

كان مياهها عسل مصفى فيا لله من ذاك السبيل

فانشد فى تمامه اذ تؤرخ سبيل جا كطعم السلسبيل

الآبار الارتوازية :

ولما ازداد عدد السكان وتوسع العمران أصبحت سعة هذه الاماكن غير كافية بالمرة وفى القرن الثاني عشر الهجرى بنيت كما يقول الاستاذ خروف البئر المعروفة ببئر الشعبوني وبئران ارتوازيتان احداهما تعرف ببئر مولانفيل والثانية بئربيكفيل ثم حفرت خمس آبار بسيدى صالح تعطى يوميا أربعمائة متر مكعب وجلبت في قنوات الى المدينة

ماء سبيطلة :

وازدادت الحاجة إلى الماء ووجب التفكير فى العثور على حل ناجح مفيد طويل الامد يسقى البلاد والعباد . خصوصا وصفاقس معروفة بانها حديقة البلاد التونسية ورياضها وغاباتها مشهورة بانتاجها ونضارتها فرأت الحكومة أن تجلب من عين مدينة سبيطلة البعيدة بنحو 165 كم قنوات تحمل الماء الصالح للشراب وقد تم جلب المياه فى قنوات من سنة 1909 الى سنة 1912 ثم وضعت قنوات من معدن الفونت جلبت معه المياه الى صفاقس وذلك سنة 1914 وقد بنيت لها أربع جواب تسع اثنى عشر ألف متر مكعب تخزن مياه القنوات ثم تتوزع على المدينة بقنوات اخرى وقد بلغت تكاليف هذه العملية اثنى عشر مليونا من الفرنكات وهكذا نرى المياه تغزو من ذلك الوقت الديار والجداول والبساتين وتكسب الاشجار نماء وحيوية وازدهارا .

وقد نشرت جريدة العمل عن قصة تزويد صفاقس بماء سبيطلة كلمة وجيزة بعددها الصادر فى 66/4/14 جاء فيه : " من المعلوم أن عاصمة الجنوب تزود بالماء الصالح للشراب بواسطة قنوات تمتد من سبيطلة حيث تكثر العيون وجلبها مكتشف من عهد الرومان وقد شرع المسؤولون فى

التفكير في هذا المشروع في ديسمبر 1903 عندما اتضح لهم ان صفاقس لا يكتب لها التقدم والازدهار والرقى ما دامت فاقدة المادة الاساسية لحياة البشر ولنفع الحركة الصناعية الا وهي الماء ، ومن سنة 1907 بدأ الفنيون فى اجراء الدراسات التى استغرقت مدة عامين تقريبا واتضح على اثرها انه ينبغى مد قنوات طولها 166 كم تسمح بايصال الماء إلى صفاقس بمعدل 50 لترا فى الثانية غير ان البلدية في اجتماعها المنعقد بتاريخ 20 افريل 1909 طالبت بأن يكون حجم القنوات متسعا حيث يسمح بثه فى 100 لتر في الثانية ووقعت البتة فى 25 جوان 1910 فكانت من نصيب شركة قنطرة موسون التى شرعت في الحال في العمل فاستغرقت اعمالها 5 سنوات وفي ماى 1914 قامت الشركة بتجربة القناة فوصل الماء إلى الكيلومتر 11 بطريق منزل شاكر وفى 14 جويلية 1914 تدفقت المياه العذبة الواردة من سبيطلة فى الحنفيات العمومية الاولى المقامة بحى بيكفيل ثم عم الماء كامل المدينة

وتطورت وسائل وطرق وأنواع جلب المياه فى كل مكان واخذت المنازل حظها من ماء سيطلة مما جعل المواجل المبثوثة هنا تفقد اهميتها وتزول شيئا فشيئا بين مرتاح البال وبين مستاء من زوالها لما قامت به من دور خطير في حياة الغابة بصفاقس

وممن تحدثوا عن حاجة صففاقس الى المياه وهجوها ما ذكره شاعرها الغراب بقوله :

وقلت وماء السما ينهل من سحب وراح سيله فينا دائما جار

ايا سماء على البلدان هامية الا على بلد يابس اشجار

مالك بلت على ارض صفاقس ما من السحاب كرش الطل للسارى

استغاثات :

وفى التوسل لله ان ينزل غيثه قال مستغيثا من البحر البسيط ص 34 . من ديوانه :

يا من له المشتكى يا راحم المهج عجل لنا بنزول الغيث والفرج

واسق البلاد وأرو الارض من ظما بماء مرن على الآفاق منبسج

وأكسها حلل الانوار ضافية خضرا بهيجة من نورها البهج

حتى يرى وجهها الزاهى بزهرته فى بهجة بدلا من وجهها العسج

ويصبح البر من صوب الغمام يرى كانه البحر بالامواج فى لجج

فيقتل الجدب احياء البلاد به فى بحره غرقا من كل مختلج

كل اتى باب فضل منك سائله وليس عن بابك الاسمى بمنعرج

وقلبه وجل بالذل مؤتزر لله مفتقر فيما لديه رجى

النفس فى وصب والجسم في نصب والقلب فى كرب والصدر فى حرج

اليك مدت اكف الخلق سائلة وطفاء نائلة من فضلك النهج

فلا تخيب رجاء القاصدين الى أبواب فضلك يا من بالوفاء رجى

انت الملاذ اذا ما شدة عظمت وليلها بصباح الكشف لم يهج

يا رب ان عظمت منا الذنوب فما تعظيمها فى عظيم العفو من نتج

وهو قصيد طويل نكتفى منه بما أوردناه .

ويقول المراكشى تلميذ سيدى أبى الحسن الكراى مستغيثا

يا واسع الجود والاحسان والكرم عجل بغيث بجاه البيت والحرم

واصرف الينا سحابا واسعا غدقا يا من يجيب دعا المضطر فى الظلم

والزرع من قلة الامطار يابسة اوراقه قد بدت فى حيز العدم

ان البهائم قد ضر الهزال بها وقل جهد لها لم تستطع تقم

كذا الارامل فى كرب وفى ضرر والشيخ والكهل ثم الطفل فى ألم

شد الخناق وضاق الذرع وانهملت دموع أعيننا من شدة السقم

ان العباد لفي جهد وفى ظما وفى غلاء وفى يأس وفى نقم

وهي تدل على ما كان يقاسية الصفاقسيون من عنت العطش وازمة الظلما .

ومن موشحات أبى الحسن الكراى المتوفى سنة 1105 ما يشعر بشدة لهف صفاقيس على الماء وطلبهم للرحمة والتجائهم الى الاستسقاء كلما حلت بهم مصيبة الجفاف . من ذلك قوله فى بهجة الموشحات

باسم المهيمن ابتدى هذا النظام لعل يرحمنا

بحق طه المصطفى البدر التمام يا مالكى غثنا

عطشت الامة كبارا وصغارا يا خالقى فارحم

بوابل يحيى الاراضى والثمار والوحش ثم النعم

والورد والنسرين والوان النوار في ظهور الالم

وهو الذى يقول :

ارحمنا يا رحمان بجودك اسقينا

بالهاشمى العدنان يا مالك غثنا

من شدة الازمة نفوسنا ضاقت

يا واسع الرحمة قلوبنا ذابت

فرج على الامة لغيثك اشتاقت

وآخر ما نختم به هذا البحث الاستعراضى عن تاريخ السقاية بصفاقس ما ورد في كتاب الحلل السندسية عند الحديث عن أبي خارجة الغافقى المتوفى سنة 210 ه ، والمعروف بعنبسة الخارجى ما نصه : ذكر انه أصاب الناس بصفاقس سبع سنين قحط فاتوا أبا خارجة يستسقى لهم فقال لهم : تأتون غدا بنسائكم وصبيانكم وبهائمكم وتبيتون الصباح الليلة فاذا كان غدا قفوا بين يديه وتضرعوا اليه فانه يرق لحالكم ففعلوا ذلك وخرج أبو خارجة فصلى بهم وخطب ودعا ثم جلس الى الصلاة وقد اشتد الحر وبكى الاطفال وصاحت البهائم من الحر فصلى بهم الظهر ثم بسط يديه وقال :

" انت مولانا ما لنا غيرك ولا سواك بك نالوا الدرجة الرفيعة والمواهب العالية ولو لاك ما نالوها وانت ذو رحمة واسعة وانت العالم بأحوالنا وتبيح اعمالنا ومالنا غيرك ولا سواك وقد قامت آمالنا بك وقد حبونا بين يديك ، بهائمنا جائعة وأرضنا سواد يابسة وقلوبنا خائفة وبيوتنا فارغة وسماؤك عامرة وخزائنك واسعة فاسقنا سقية نافعة تجدد الايمان فى قلوبنا ولا نبرح بين يدى كريم حتى يسقينا ووسيلتنا نبينا الذى جعلته وسيلتنا اليك صلى الله عليه وسلم " .

قال فاذا سحب بيضاء بدت لهم ثم اندفعت السماء بالغيث فمضى أبو خارجة يرفع ثيابه ويقول بهذا يعرف الكريم هذا فعلك في من قصدك بهذا تعرف وتوصف . ولقد عشنا وما زلنا نعيش فترات هذا

الانحباس رغم تطور وسائل السقاية وما زلنا نتذكر ونحن صغار تلك الاناشيد والمناجيات التى كنا نتقدم بها الى الله فى ضراعة وتودد

يا من يغيث الورى من بعد ما قنطوا ارحم عبيدا اكف الذل قد بسطوا

أو القصيد الذي طالعه :

يا ربي يا واسع الدرج عجل بالغيث والفرج

وعن زيارة عيسى بن مسكين . قال مقديش

ولم يزل أهل صفاقس عند القحط يذهبون لضريحه يستسقون به فيسقيهم الله وهكذا نرى ان وسائل السقاية بصفاقس تطورت من الوادى والعين والبئر والماجل والصهريج والفستقيات الى الحنفيات بالشوارع والمنازل ومن منا بنسى وهو صغير تلك المصاصات التى كانت توجد بالرمانة وبجانب جدار مسجد أبي شويشة . يقع الاستقاء منها بواسطة امتصاص الفم ومن منا ينسى تلك الاحواض الكبرى التى كانت موجودة بضواحى شمال المدينة تسقى الدواب كل هذا يمر بنا بسرعة ومن حقنا ان نلتفت اليه لنرى كيف تطورت احوالنا وتقدمت أوضاعنا وان كنا ما زلنا فى حاجة الى رحمة الله ورعاية السماء فالغيث وحده هو الذى ينفع البلاد ويسقى العباد ويساعدهم على خدمة الارض وسقى الغابات . فالماء جعل الله منه كل شئ حى . وهو الذى انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الارض

خاتمة :

هذه هي قصة المياه بمدينة صفاقس كما كانت بالامس . وهى تشير الى مدى ما كان يعانيه أهالى الجهة من عناء الشراب وسقي الدواب والاشجار فقد كانوا على انتظار ما تجود به السحب فيدخرون ما يدخرون وقد تطول مدة الانتظار فتنتهى الكمية المدخرة رغم ما استعدوا له من تشييد المواجل والآبار والفستقيات فيبقى الجميع يرتجون رحمة الله ويتجهون اليه فى صلوات الاستسقاء ويتوسلون اليه بقراءة صحيح الامام البخارى فى المساجد حتى اذا تقدمت الحضارة واتسع عدد السكان وقع التفكير كما رأينا فى جلب الماء من بعيد بواسطة القنوات من عين مدينة سبيطلة سنة 1914 . واصبح الماء في المنازل ومن ليست له قدرة على ذلك فان الحنفيات العمومية المبثوثة فى الانهج والشوارع والساحات

كانت موردا لضعفاء الحال انشئت مراكز لتهيئة المياه وجرها بواسطة العربات وتغيرت المفاهيم وأصبح خرير المياه يسمع في كل بستان ويسقى به أغلب المنازل على ان المساكن الريفية البعيدة لم يمنعها بعدها فى عهد التنمية من أن تهيأ لها أسباب للحياة والرقي بواسطة الآبار الارتوازية بعد ان كانت تعيش على مياه الوادي الصغير مدة من الزمن على ما فى ذلك من توقع لانتشار الامراض لتعفن المياه الراكدة وان الميزانية التى رصدت للتنمية الريفية لا بد لها من ان تعوض حاجة الارياف الى السقى . وان اقامة بعض السدود مما يحفظ لها كمية من الماء تستعين به فى الزراعة والفلاحة وتربية الحيوان واصبح التكهن الجوى خير مشير لاخذ الاحتياطات اللازمة ومعرفة مدى ما تجود به الامطار سنويا على الولاية فالعلم قد اخذ طريقه الى كل ميدان وغزا كل حى وانتشرت اثاره فى كل ضاحية وان الانسان الذى كان يعتمد فى شرابه مهما كان طعمه على رحمة الاقدار وخزائن السماء فى أوقات تقرب وتبعد فانما اليوم بفضل التقدم والتفكير الصحيح فى اعداد المياه الصالحة للشراب بهذه الواسطة أو تلك اصبح الانسان يعيش فى ظل الراحة والطمأنينة بعيدا عن تلك الاجواء التى عاشها الآباء والاجداد وان كنا نسلم بأن المياه النابعة من الارض التى يقع استخراجها بطرق علمية عصرية ويقع توزيعها على الناس بواسطة الاشتراك في شركة استهلاك المياه كلها من السماء وانما هي مختزنة هناك ولم يقع الاهتداء سابقا إلى استخراجها وجعلنا من الماء كل شئ حى وفى السماء رزقكم وما توعدون

وهكذا أصبح الماء في متناول السكان وترى المنزل الواحد يضم الماجل والبئر والحنفية ومع ذلك يضيف صاحب المنزل - ان كان موسرا او مريضا قوارير مختومة من المياه المعدنية المجلوبة من هنا وهناك .

واذا كان ابن المدينة اليوم لا يفكر في حاجته الى الماء فمن المنتظر ان نرى ابن الريف هو الآخر تغمره وسائل الشراب ولم يعد فى حاجة الى معاناة نقص هذه المادة الحيوية وما ذلك على دولتنا بعزيز

اشترك في نشرتنا البريدية