الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

تاريخ الصحافة

Share

طلب منى استاذ الصحافة بمدارس المراسلات المصرية التى اسسها الدكتور فائق الجوهرى ، ان تكون اجابتى على اسئلة درس ( تاريخ الصحافة ) على هيئة مقال صحفى . . وانا حينما انشر هذا المقال على صفحات المنهل الغراء ، بعد ان نلت الرقم الكامل فى تصحيحه ، لا أريد من نشره سوى الاشادة بمدارس المراسلات المصرية ، وما تقوم به من مجهود ضخم ، فى تنوير الافكار وارسال اشعة الثقافة فى الاصقاع النائية عن الحضارة من ناحية ، ومن اخرى لفت نظر امثالى من الشباب السعوديين ، الذين حالت الظروف القاسية بينهم وبين قاعات الدراسة والتحصيل فى المعاهد والكليات الى ما يمكن أن ينالو ، اذا هم وهبوا من اوقات فراغهم فرصة للانكباب على اشباع ميولهم من هذه الدراسة . .

اذا بحثنا فى تاريخ شىء ما ، فانما نبحث عن عراقته فى القدم ، وكيف نما وتطور الى الحد الذى نعرفه الآن ؟ فللبحث مثلا : عن التعبير بكلمة الصحيفة نجد الذين قبلنا كانوا يسمونها ( جازيت وجورنال ) وهذان الاسمان ، هما أثر من آثار حملة نابليون على مصر فى سنة ١٧٩٨ م ، اما البحث عن معنى كلمة ( جازيت وجورنال ) وعلاقتها بالصحافة ، فكلمة ( جورنال ) هى فى الاصل اللاتينى يراد بها اليومية أو السجل اليومى عن الحوادث ، وكلمة ( جازيت ) تتضمن معنى الرواية السريعة ، ويرجع اشتقاقها الى كلمة ايطالية ، تستعمل فى الاصل اسما للعملة الصغيرة التى كانت تباع بها الصحيفة

الاولى فى مدينة البندقية سنة ١٥٠٦ م فسميت صحيفة الوقائع - التى كان يصدرها محمد على باشا - ( جرنال الوقائع ) واحيانا الغازته أو الكازته ومثل هذه الصحف كل الصحف الصادرة فى ذلك العهد . .

الصحيفة

ولدى البحث عن معنى كلمة الصحيفة من حيث اللغة ، نجد أن فى بعض معانيها ، قطعة من الجلد أو قرطاسا يكتب ، واستعمال الصحافة بالمعنى الذى نعرفه الان ، هو استعمال مبتكر يرجع تاريخه الى منتصف القرن الماضى ، وكانت أول قصيدة اشادت بكلمة ( الصحيفة )

ورحبت بها قصيدة السيد قيادة التونسى وقد جاء فيها :

وتروى لك الدنيا بعرض صحيفة وتشهد من ابنائها كل غائب

وقد ازجاها لاول من استعمل كلمة ( الصحيفة ) - رشيد الدحداح - عندما اصدر برجيس باريس فى سنة ١٧٥٨ م ، وعنونها بكلمة الصحيفة ، ونشرت هذه القصيدة بها ومضى التعبير بالصحيفة ، من ذلك العهد

الجريدة

مال فريق الى ابتكار اسم جديد هو ( الجريدة ) بدلا من الصحيفة ، وتزعم هذا الابتكار الاستاذ احمد فارس صاحب ( الجوائب العربية ) التى صدرت فى سنة ١٨٦٠ م وقد اسماها ( جريدة ) ، وهى تعنى فى اللغة ، الصحيفة المكتوبة ، شق هذا اللفظ الجديد طريقه سائرا جنبا الى جنب مع لفظ الصحيفة . .

المجلة

ولم يقف ابتكار الاسماء الجديدة للصحف عند حد ( الصحيفة ) و ( الجريدة ) بل شق هذا الابتكار طريقه الى كلمة ( المجلة ) وكان ذلك عند صدور مجلة ( يعسوب الطبيب ) سنة ١٨٦٥ م ، ولما كانت اللغة تطلق على كل ( سفر فيه حكمة ) مجلة ، فقد جاءت تسميتها من نبع الحقيقة أو كما يقول الدكتور محمود عزمى فى محاضراته بمعهد الصحافة : ان هذا التعبير عن صحيفة طبية بالمجلة

بمعنى - سفر الحكمة - كان تعبيرا موفقا حقا ، وقد استعارته عن مصر مجلة الطبيب التى صدرت فى بيروت سنة ١٨٧٤ م

وقد امعن الكتاب فى التنويع . . فأطلقوا المجلة على الصحف غير اليومية والصحيفة والجريدة للصحف اليومية ثم احدثوا نوعا من التخصيص بين هذين اللفظين ، فاطلقوا الصحيفة على الصحف عامة يومية واسبوعية ، والجريدة على الصحف اليومية ، والمجلة على الصحف الاسبوعية أو الشهرية أو التى تصدر بعد عدد من الشهور المعينة أو بعد كل سنة .

تعريف الصحافة

يمكن ان تعرف الصحافة بانها العامل الفذ فى التأثير على مشاعر الامم والاخذ بهم قدما الى الامام . . ولكنا نجد فى تعريف الاستاذ الكبير محمود عزمى ، لها معنى أوضح ، فهو يقول : ( بانها وظيفة اجتماعية ، وتوجيه للرأى العام عن طريق نشر المعلومات والافكار الخبرة الناضجة ، معممة ومنسابة الى مشاعر القراء ، فى خلال صحف دورية . .

عناصر الصحافة

وبهذا التعريف ، نفهم اربعة عناصر اساسية للصحافة هى :

١ - الرأى العام ، الذى هو جمهور الناس ، وهم ما بين خاصة وعامة واواسط ، فالخاصة هم العامل الوحيد ، الذى تتأثر به الصحافة . .

على حين أن العامة لا يمكن ان تؤثر فيهم الصحافة ، ولكنها توجه اسلوبها الى أواسط الناس ، وهم هم بدورهم يؤثرون فى العامة . .

٢ - النشر وهو ذيوع المنشورات ويتكون بشكل دورى ، فلا تعد الكتب ولا الخطب صحافة . .

٣ - المعلومات ، وهى بمعناها الاوسع الانباء الخارجية ، والداخلية حول ما يجرى فى الخارج والداخل ، وما يمت الى الحكومة وفروعها المختلفة والبرلمان والمحاكم بصلة . .

٤ - الافكار والآراء ، بما فيها من معنى اوسع ، يتصل بالنشاط الثقافى ، سواء كان لغة أو أدبا أو علما أو دينا أو سياسة أو اقتصادا . . الخ

والكاتب الصحفى ، هو الذى يستطيع ارهاف الحواس والهاب المشاعر ، أو كما يقول احد الصحفيين ان الصحفى الناجح هو الذى يكيف فكرته تكييفا سهلا ، بحيث تذهب مباشرة الى قلوب القراء ، وتداعب احساساتهم ، ثم تطرق بعد ذلك بوقت طويل أو قصير ، ابواب عقولهم حين تجدها مفتوحة أو نصف مفتوحة

المقارنة بين النشرات والرسائل الاخبارية

النشرات ، لها معنى جزئى خاص فهى تتعلق بالاوامر والنواهى التى

تصدرها الحكومة لجمهور الناس ، أو اجهزتها المتناثرة ، اما الرسائل الاخبارية فلها معنى كلى عام . . فهى تعنى بكل الحوادث العامة ، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك . .

تاريخ النشرات والرسائل الاخبارية

اما عن عراقة النشرات والرسائل الاخبارية ، فيرجع ذلك الى اقدم العصور فى مصر والصين وغيرها من الامم السحيقة ، فقد كانوا يعنون بالنشرات بمعناها المفهوم اليوم ، فان الاوامر الرسمية ، كانت تنقش على ألواح توضع فى اماكن مختلفة ومعينة ليطلع عليها الجمهور . . كما كانت القوانين ولوائح الضرائب وانباء الحروب تنقش ليطلع عليها الناس . . وهناك وسائل اخرى للنشر عرفها البابليون والرومان . .

وأما عن قدم الرسائل الاخبارية ، فيرجع الى عهد الجاهلية ، حيث كانوا يولعون بفن الرواية للاخبار ، والتنقل بها من مكان الى آخر ، سواء كانت هذه الاخبار ادبية أم غير ادبية . . وبالاحتفاظ بهذا الفن الرفيع ، علمنا عن ايام العرب الشهيرة ، كأيام داحس والغبراء . .

وفن الرواية له مكانة مرموقة فى الاحتفاظ بقواعد الشريعة الاسلامية كالاحاديث النبوية التى هى القاعدة الكبرى بعد كتاب الله تعالى ، وقد ازدهر هذا الفن فى عصور الاسلام الاولى ايما ازدهار . . وبلغ درجة كبيرة

فى الرقى فى عهد الدولة الاموية والعباسية ، والاصمعى وحماد وغيرهما قد برزوا ببراعة فى اذاعة الطرف الادبية والاراء الدينية واللغوية

اما فى اوربا ، فقد تطور هذا الفن حتى اصبح فنا مستقلا ، وذلك فى القرنين الخامس والسادس عشر . . وساعد على تطوره وجود رواة مولعين بالبحث عما وراء الاخبار ونقلها من هنا وهناك ، وقد اطلق على هؤلاء الرواة اسم  NOUVELLISTES

بمعنى خبر ، وقد وجدت الصحف فى القرن السادس عشر طريقها الى الذيوع والانتشار . .

الصحف المخطوطة وكيف واين نشأت ؟

هى ضرورة حيوية ، اوجدتها الاعمال الضخمة فى المدن الكبرى ، حيث كان العمران والتجارة والحركة العملية ، كان مولدها فى ايطاليا ، فان موقعها الاستراتيجى المتوسط فى البحر الابيض هيأ لها الاتصال بالعالم والفوز بقصب السبق فى النهضة والرقى ، بعد العصور المظلمة ، دون غيرها من دول اوربا ، لهذا كان جديرا بالتجار اصدار الصحف المخطوطة للاخبار الداخلية والخارجية لعلاقة هذه الاخبار فى التجارة ودفعها الى الامام ، ومثل ايطاليا فعلت المانيا ،

ونهج رجال السياسة هذا النهج  واصدروا صحفا خطية ، هى أول الصحف السياسية الحزبية ، غير انها لم تلق نجاحا كافيا لتطورها لقلة الاهتمام بالسياسة ، هذا من ناحية ، ومن اخرى كانوا يتوخون الحقيقة فيما ينشرون ، وظلت الصحافة الخطية ، تشق طريقها الى عهد متأخر من ظهور الطباعة . .

الصحف الدورية

( اجنولف صامويل ) هو أول رجل ارسل على مسرح الحياة صحيفته الدورية الاخبارية ( فرنكفورت جرنال ) باوربا فى مدينة كولونيا بالمانيا سنة ١٦١٥ م ، وتانيل بيتر ، أول من أظهر صحيفة اخبارية فى انجلترا سنة ١٦٢٢ م احتوت على اخبار اسبوعية مرتبة يوما بعد يوم . . واسماها ( اخبار اسبوعية ) ، وفى استكهولم سنة ١٦٤٣ م ظهرت صحيفة ( بوست تيدندى ) وقد حالفها النجاح فهى تصدر حتى الآن وتعنى بالحوادث الجارية ، ورينيوبا الطبيب الفرنسى هو أول من انشأ جريدة ( الجازيت ) سنة ١٦٣١ فى فرنسا ، ثم ظهرت مجلة ( MRILV ) فى سنة ١٦٧٢ وقد حالفها توفيق الصدور حتى الآن ، وفى امريكا ظهرت أول صحيفة اخبارية فى سنة ١٧٠٤ م باسم ( خطاب بوستون الاخبارى ) اما الصحف السياسية ، فلم تظهر

الا فى عهد الثورة الفرنسية . . والصحافة بمعناها الحديث ، فى التأثير السياسى والاضطلاع بحقائق العالم ، لم تعرف قبل اكثر من قرن ، ومصر بالذات لم تعرف نوعا ما ، سوى ذلك النوع من الرسائل الاخبارية فى العصور الوسطى بالبلاد الاسلامية ، وسوى تلك الرسائل الصادرة فى القصر السلطانى للولاة فى الاقاليم وفيها التوجيهات الرسمية والحوادث السياسية والعسكرية ، وسوى تلك الرسائل المشهورة فى الحروب الصليبية ، الصادرة فى المعسكر السلطانى ، وما عدا هذه الانواع لم تعرفها مصر ، لعدم ظهور المطبعة فى الشرق الا بعد زمن طويل .

الطباعة

أول حدث تاريخى خطير ، دفع بالامم الى زمن السرعة ، ودقة الاتقان وحسن الابتكار ، والى الوعى الفكرى والاجتماعى . . وكان ظهورها فى أوروبا هذه القارة التى بهرت العالم بالاختراع ولو ان اليابان والصين عرفتا الطباعة قبل ذلك بكثير

اختراعها

من هو اول من اخترع هذا الحدث التاريخى العظيم ؟ ! لقد احتدم الجدل

حول مخترعها ، ولكن جمهور الباحثين يؤيدون ان مخترعها ، ذلك الرجل ( يوحنا جوتنبرج ) الساكن بمدينة ( مايز ) بالمانيا

مهدها

لذا فان المانيا ، هى المهد الذى ترعرعت فيه الطباعة الحديثة ، وفيها ظهرت الى حيز الوجود . . فانتشار المطابع الحديثة فيها منذ سنة ١٧٦٠ م  واشتهار بعض مدنها ( ماينس ) ، ( كولونيا ) ( ليزج ) بالطباعة يؤيدان ما لألمانيا من فضل فى وفود الطباعة الى العصر الحديث ، ففى ( ليزج ) بالذات تطبع الكتب بجميع لغات العالم ، والى جانب المانيا شقت كل من ايطاليا وانكلترا وفرنسا وهولندا طريقها الى الحياة الجديدة . .

اثرها فى العلوم

والدور الذى لعبته الطباعة الحديثة فى التطور العلمى كان فى عصر الذرة وأنى للانسان ان يصل الى هذا الحد الباهر من العلم ، لولا ذلك الانتاج الهائل من البحوث العلمية فى الكتب الحديثة التى انتجتها المطابع ؟ ! والى جانب هذا الدور العلمى لعبت دورا خطيرا فى الانتاج الادبى ، فظهر على مسرح الادب كتاب مثل شكسبير وطه حسين . .

أثرها فى الصحافة

الصحف المخطوطة بعد ظهور المطبعة

كان لزاما ان تعيش الصحف المخطوطة جنبا الى جنب مع المطبعة ، فى القرنين الخامس والسادس عشر والسر فى ذلك يرجع الى عدم ذيوع المطابع فى العالم ، بصرف النظر عن شدة تكاليفها ، والى جانب هذا ، تلك الرقابة الشديدة من الحكومات على

المطابع ، خوفا من سطوتها والتدخل فى شؤونها . .

العوامل التى أدت الى القضاء على الصحف المخطوطة نهائيا

تتمثل فى ذلك الرقى الفكرى والاجتماعى الذى داعب افكار الامم ، وقوى ملكاتهم وكراماتهم الشخصية الشىء الذى أدى بالسلطات الى التسامح فى نشر الصحافة من المطابع

العوامل التى ادت الى ازدهار الصحافة

والعوامل التى أدت الى ازدهار الصحافة من اهمها الانطلاق من قيود الرقابة الشديدة ، الشىء الذى جعل وسائل النشر تتقدم بسرعة مدهشة وبدون مشقة ولا نفقة كبيرتين ، على ان اتخاذ الصحافة وسيلة للدعاية التجارية والكفاح السياسى من الشركات والاحزاب القوية جعلها تزدهر ازدهار رائعا كما تراه الآن      جازان

اشترك في نشرتنا البريدية