الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

تاريخ بناء القرويين . . .، ( 245؟263؟306 ؟ )

Share

ان كل اولئك الذين كتب لهم أن يزاولوا الدراسات التاريخية بصفة عامة وتاريخ المغرب بصفة خاصة يذكرون جيدا أن ابن ابي زرع في كتابه القرطاس نقلا عن أبي القاسم ابن جنون في تاريخه لمدينة فاس ، وكذا سائر الذين حذوا حذوه من أمثال الجزنائى في زهرة الآس ، وابن خلدون في تاريخه العبر ، وابن القاضي في جذوة الاقتباس وغير هؤلاء يجمعون على أن مسجد القرويين بمدينة فاس شرع فى حفر اساسه والاخذ فى أمر بنائه أول رمضان من سنة 245 (30 نوننبر 859) بمطالعة العاهل الادريسى يحيى الاول ، وأن أم البنين فاطمة الفهرية هي التى تطوعت ببنائه وظلت صائمة محتسبة الى ان انتهت أعمال البناء وصلت في المسجد شكرا لله ، وهذه حقيقة تاريخية لا يسمح الباحث لنفسه بالاستسلام للشك فيها والتردد أمامها سيما وهي ترجع لوقت مبكر من تاريخ المغرب أعني وقت بنى مرين أوائل القرن الثامن الهجرى ، بيد أننا نجد انفسنا اليوم أمام وثيقة معاصرة للادارسة ، انها لوحة منقوشة عثر عليها - عند أعمال الترميم - فى البلاط الاوسط فوق قوس المحراب القديم الذي كان للقرويين قيام المرابطين بتوسعة المسجد ، لقد اكتشفت مدفونة تحت الجبس وقد كتب عليها - فى جملة ما كتب - بخط كوفي افريقي عتيق : " . . بني هذا المسجد فى شهر ذى القعدة من سنة ثلاثة وستين ومائتى سنة مما امر به الامام اعزه الله داود بن ادريس ابقاه الله . . ونصره نصرا عزيزا "

وما دمنا فى استعراض الآراء حول تاريخ بناء القرويين لا بد ان نعرض لرأى ثالث نقله الدكتور اوسكار لانز (1) ، فلقد ساق ترجمة لنقش قيل انه عثر عليه فوق " صفيحة فضية " مغروزة في احد جدران المسجد وتوجد ضمن هذا النص العبارة التالية : " . . بنى يوم الخميس من سنة 306 أول شهر ربيع النبوى . . " اى فى أيام ولاية يحيى الرابع . .

وحتى نرجع الى حديث فاطمة وداود نشير الى ان رواية الدكتور لانز لا نعيرها أى وزن من الناحية التاريخية لانها خالية من كل سند ملموس سيما مع ما حكاه عن الطالب ادريس الذى زوده بهذه الوثيقة والذى لم يكتمه أنه

وجد صعوبة فى الوصول الى بقية النقش ، الامر الذى يقرب الى " أساطير " السياح اكثر مما يخدم الحقيقة التاريخية ، هذا مع العلم بأن أول ربيع الاول يوافق - حسابيا - يوم الثلاثاء وليس يوم الخميس . . وبعد فلنرجع الى ابن أبى زرع ، واللوحة المنبعثة ولكن قبل ان نفتح الموضوع يجب ان نتعرف في كلمة وجيزة الى الامام داود ابن ادريس تاركا التفصيل للبحث الذى كنت كتبته خصيصا عن هذه الشخصية : (2)

وبالرغم من ان جميع المؤرخين بخلوا على داود هذا بأكثر من كلمة واحدة تتلخص فى أنه " لما توفى ادريس الثانى قام بالامر بعده ابنه محمد ، وان هذا الاخير قسم بلاد المغرب بين كبار اخوته ترضية لهم وكان من بينهم داود الذي استأثر باقليم تازة " . وقد رددت سائر المصادر صدى " الفتنة " التى نشبت بين بنى ادريس على اثر هذه " الترضية " لكنها لم تعد بحال لذكر اسم داود ، وقد كاد هذا الاسم يعد فى عداد الضائعين لولا عناصر ثلاثة :

أولها اليعقوبى (3) الذي يذكر ان داود ابن ادريس كان واليا على عدوة الاندلس وانه كان " يدافع " يحيى صاحب عدوة القرويين المعروفة بالمدينة العظمى

ثانيا الدرهم الموجود بالمكتبة الوطنية بباريز الذى يحمل اسم الامام داود ابن ادريس (4)

ثالثا هذه اللوحة الاثرية التى يحتفظ بها الآن فى المركز الرئيسى لمصلحة الآثار بالمملكة المغربية

وبعد هذا نرجع الى الحديث . . هل القرويين من تأسيس فاطمة ؟ او من عمل داود ؟ لقد كنت كتبت بمجرد وقوفى على اللوحة كلمة فى الموضوع نشرت فى مختلف المجلات العلمية سواء بآلمغرب (5) او القاهرة (6) او تونس (7)

واسبانيا (8) ، وكنت قصدت كما صرحت بذلك ان اثير انتباه الناس علهم يساعدون على اضفاء الضوء على هذه الحقائق ، ومن سوء الحظ أننى الى الآن لم أقف على " رد فعل " من طرف الذين يهمهم امر التاريخ حاشا بعض " الفروض " التى تلقيتها من بعض الاساتذة الاجلاء الذين حرصوا على ان يجعلوا نقل القرطاس فى نجوة من الشبهة والريب

ففى الناس من أوصى بنبذ أمر هذه اللوحة لانها فى نظره تناهض " تواترا " متوارثا عبر الاجيال ، وفيهم من رجح ان تكون اللوحة قد نقلت من مكان آخر وغرزت هنا . . . وأن ذلك تم على عهد الوطاسيين فى الفترة القصيرة التى رجع فيها النفوذ للشرفاء الادارسة بواسطة محمد بن على الجوطلى (9).

وفي الناس طائفة ثالثة يصممون على ان يأخذوا بما ورد فى مدلول اللوحة نظرا أولا لكونها " وثيقة معاصرة " ، وثانيا لما أثر من هفوات عن القرطاس ، وثالثا لكون بعض الرحالة والمؤرخين القدامى من أمثال اليعقوبى والبكرى وابن عذاب تحدثوا عن مدينة فاس بمسجديها العتيقين لكنهم لم يعرجوا على تأسيس القرويين على النحو الذى عرف فى القرطاس . . فماذا تكون الحقيقة ؟

اما " التوصية " بنبذ اللوحة فأمر سلبى لا يسمح به المؤرخ النزيه ، وأما عن أمر نقل اللوحة وخاصة أيام الوطاسيين فانه يبعده عندى ان التاريخ ظل صامتا صمتا مطلقا عن مؤسسات داود ابن ادريس في مناطق نفوذه فلا يمكن ان ندعي اذن أنه أسس هناك " مسجدا " وان " اللوحة " التى كانت على ذلك المسجد هي التي نقلت ! لكن الابعد هو القول بأن عملية النقل تمت على عهد الوطاسين مع انها وجدت تحت الجبس الذى ضرب - منذ نهاية دول المرابطين - على سائر جهات البلاط الاوسط ، ولم يتحدث التاريخ أبدا عن ازاحة " التبليط " (10) الذى قام به فقهاء فاس أو المسؤولون فى الدولو الموحدية ، لذا فامام قوة هذه الوثيقة الناطقة واعتبارا لما نقل عن اليعقوبي وعرف من أمر السكة الداودية واحتراما لما نقل عن أبى القاسم ابن جنون (11)

وابى محمد عبد الملك بن محمود الوراق (12) مما تردد صداه في الانيس المطرب وانعكس فى زهرة الآس والعبر والجذوة ، ونظرا لاننا لم نعثر لحد الآن على نص تاريخي آخر يعزز بناء الامام داود لجامع القرويين ، ونظرا لكون النقش المشار اليه لم ينص بصفة واضحة على لفظ القرويين ، أقول مراعاة لكل ذلك نجد انفسنا بين احتمالين

فاما ان يكون ابتداء البناء كان فى رمضان 245 فى أيام يحيى ولكنه استمر الى سنة 263 أيام داود بن ادريس وتكون فاطمة استغرقت في صومها كل هذه المدة ، ويؤيد هذا الرأى اولا ما استهدفت له البلاد من حالة الجفاف في هذه الاثناء ، وثانيا ما تعهدت به فاطمة والتزمت من استخراج كل مواد البناء من نفس البقعة تحريا ، وثالثا ان المصادر التاريخية انما تحدثت عن ابتداء البناء ولم تتحدث عن انتهائه ، أفكل هذا مما يبرر استغراق كل هذه المدة .

واما ان يكون البناء تم فى نفس السنة نظرا لكون الجامع - ومساحته لا تصل إلى الف ميتر مربع - لا يمكن التهاون في امر بنائه طيلة ثمانيه عشر عاما . . ويفسر وجود داود ابن ادريس هنا بأنه فى الفترة التى كان " يدافع " فيه يحيى . تمكن فى بعض الظروف من الاستيلاء على عدوة القرويين وتخليدا لهذا الفوز الذى حصل عليه فى عدوة القرويين ورغبة في ان تعرف الاجيال القادمة انه " كان هنا " فقد شاء أن ينقش اسمه كنصب تذكارى في هذه الجهة ، ولما كان الملوك ، والرؤساء يختارون ابرز مكان واشهره لتخليد اسمائهم ، وكان افضل مكان فى المسجد واطهره هو المحراب فقد تم ضرب هذه " الارزة " عليه حتى تظل أمام المتعبدين والقاصدين . بقى ان يتساءل عن اختفاء اسم فاطمة من اللوحة مع ان النصوص المذكورة تتظافر على انها المؤسسة ؟

لعلنا نعلم ان التقاليد القديمة لا تلح فى ذكر اسماء النساء على المبانى سيما مع ما اثر من أن الشعوب قد تقوم بالمشاريع وترجو الى الملوك تبنيها تقديرا لهم وتكريما لمقامهم وبعد . . فهل ستكون هذه كلمتنا الاخيرة حول تاريخ بناء القرويين ؟

اشترك في نشرتنا البريدية