" رب ، غفرانك . رحمتك وغفرانك !
ارتفع رأس الحاج الهادي وقد رسم الحصير على جبينه أخاديد ، وحاول أن ينتصب كما كان ينتصب من قبل ، فلم يستطع خيل إليه أن حملا ثقيلا ينيخ على كتفيه ، أو أن شيئا في عنقه قد التوى وانكسر حتى رأسه لم يعد قادرا على ارتفاع . لكأن السن تقدمت بها - هذا اليوم - عشرين عاما
فعاد إلى الركوع وعاد إلى السجود :
" رب ، غفرانك . رحمتك وغفرانك ! "
وأحس الحاج الهادى بوجع فى ظهره فتربع وأسند رأسه المتعب إلى جدار المسجد وأسلم ذاكرته إلى هذا اليوم الطويل تستعيد أحداثه فتلم شعثها وتسعى أن تجد لها تفسيرا
لقد مر النصف الاول من هذا اليوم كغيره من الايام . زاول التعليم بالمدرسة التى يديرها من الثامنة إلى العاشرة صباحا . ثم ذهب إلى سوق القرية صحبة الخادم لاشتراء ما يلزم المطعم المدرسي من خضر . فقضى بالسوق ساعة حارب طوالها جشع الباعة وتشبثهم بأثمان ما أنزل الله بها من سلطان . ولولا مركزه الإجتماعى ، ولولا طلاقة لسانه وفصاحة بيانه ما كان قادرا على أن ينتصر عليهم فيقتصد ما ينوف على الدينار يدخره لليوم الاسود
ثم انشغل باشتراء شيء من اللحم الطري لعائلته بعدما انصرف
الخادم عائدا إلى المدرسة محملا بما شاء الله من اللفت والبطاطة والفول الاخضر .
نعم . لقد مر النصف الاول من هذا اليوم كغيره من الايام .
عاد الحاج الهادي إلى المدرسة حوالى الساعة الواحدة بعد الزوال كي يشرف على توزيع الطعام على التلامذة المعوزين
كان لا بد أن يشرف عليه بنفسه . فلأطفال هذا العصر من الوقاحة وسلاطة اللسان ما يحار فيه غيره يعرب عن ملله من الفول والبطاطة . وهذا يجرؤ على الفول بأنها مطبوخة فى الماء الزلال . وذاك يجاهر بعدم شبعه والآخر يسعى لاختلاس برتقالة جاره ، نعم ، كان لابد من الاشراف على التوزيع بنفسه كي يعدد للتلاميذ مزايا الخضر ويردد على أسماعهم تلك الحكمة الغالية " نحن قوم لا ناكل حتى نجوع وإذا أكلنا فلا نشبع " فتهدأ الخواطر ويثوب الرشد إلى النفوس
ثم نال التلاميذ نصيبا من الراحة . فتربعوا جماعات جماعات أمام الاقسام تطبيقا للقاعدة الذهبية " تغدا وتهدا "
وانشغل بمعاقبة كل من تقمصته شياطينه فراودته بالصياح والتهريج اتقاء لما يمكن أن ينجم عن الصياح من بذىء الكلام وتجنبا لما يمكن أن يحدثه التهريج - لاقدر الله - من كسر فى الايدي أو الارجل أو سلخ في الوجوه - فتسلح بالعصا وطفق يعطي من بركتها كل ذى حق حقه
وما أن عاد التلاميذ إلى أقسامهم وتمكنوا من مقاعدهم وما ان انهمك فى صفع أحد التلاميذ الكسالى حينما تثاءب فاغرا شدقيه محدثا لذلك أصواتا شديدة الشبه بالنهيق حتى انفتح باب القسم وأطل من بين مصراعيه وجه سماعك عنه خير من أن تراه
- فحدج الحاج الهادى تلميذه الكسول بنظرة أخرسته وكفكفت دموعه
وانفض هاشا باشا على يد السيد المتفقد يصافحها بحرارة كلها شوق وترحاب .
وشرع - توا - يلقي على التلاميذ دروسا ثمينة حصر فيها جهوده وسخر لها علمه وفصاحته - علمهم من القرآن الكريم ما لم يعلموا . فتلا منه بصوته الرخيم آيات شنفت آذانهم . وقرأها قراءات سبعا وشرحها حسب أدق الشروح واعمقها وروى لهذه الغاية أحاديث نبوية شريفة عن أصدق الرواة . واستظهر أبياتا من البردة وسطورا من متن ابن عاشر وكان خلال كل ذلك يسترق النظر إلى السيد المتفقد فيرى على وجهه تجهما وانقباضا فيزيد شروحه شروحا ويزيد رواياته تفصيلا . حتى جرى العرق على جبينه فسالت قطراته على ذقنه المزدوج .
ثم وقف السيد المتفقد وقصد المقعد الآخير من القسم فأيقظ أحد التلاميذ وقد استسلم إلى سبات عميق فارتفع غطيطه وسال اللعاب من فمه وتكاثر الذباب على وجهه .
وهنا
أغمض الحاج الهادى عينيه وتمتم : " لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم "
لقد طعن المتفقد - سامحه الله - فى علمه وثقافته وأساليبه . طعن حتى فى إخلاصه لحمله
لقد طلب منه أن يطالع المزيد من الكتب . أيطالع الكتب وهو الذى حفظ كتاب الله وأحاديث النبى وصحبه
لقد طلب منه أن يبدل أساليبه . أيبدل أساليبه وهو الذى يصغي إليه الناس كل يوم جمعة وكأن على رؤوسهم الطير ؟ ثم هل الذنب ذنبه إن ترعرعت البلادة فى الاطفال وانتشرت فيهم انتشار الوباء فضاقت بها صدورهم وعميت لها بصائرهم ؟
ولقد دعاه إلى المزيد من الاخلاص فى عمله التربوي . أعلى إخلاصه
من مزيد ؟ أليس يسهر على تربية التلاميذ حسبما قال الله ورسوله ردعا باليد وزجرا باللسان ؟ هل الذنب ذنبه إن فسدت الاخلاق وقلت التقوى ؟ أليس مقدرا أن يرتفع كل هذا عن القلوب يوما ؟
عاب عليه المتفقد فيما عاب عري جدران القسم من كل صورة وخلو مكتبه من كل زينة . إنه لمن نكد الدهر وقلة البخت أن يطلب منه هو - الحاج الهادي أن يزخرف ويزين ، ثم هل القسم محل علم أم محل زينة وزخرف ؟ إن كان هذا فلم لا نزين بيوت الله وهى أجدر البيوت بالترتيب والعناية ؟ هل الاطفال جاؤوا من ديارهم كى يتعلموا أو يتفرجوا ؟ ثم هل هو ناشر رسالة العلم أم عارض صور ورسوم ؟ إن هذا الخلط - والله - لامر عجيب
ولقد طلب منه أن يعد المذكرات لما يلقى من دروس ، عجبا ! أيطالب منه هو - الحاج الهادي - أن يعد دروسا يلقيها على صبية صغار فيكتب لها المذكرات ويضبط لها المراحل ؟ لقد حفظ الاحزاب الستين وحفظ لها شروحا وحواشي وحفظ الاحاديث النبوية الصحيحة عن رواتها الثقاة وغيرهم ، حفظ كل ذلك عن شيوخ لم يصطنعوا لهم مذكرات ولم يسودوا أوراقا . فكيف يطلب منه هو أن يفعل ما لم يفعله معه مدرسون أقل منه علما وفصاحة ؟
ارتفعت من صدر الحاج الهادي زفرة حملها كل أنات كرامته الجريحة وأعقبها بسلسلة طويلة من الادعية أمطر بها السيد المتفقد طالبا له عفوا من الله وغفرانا
وجرت ذاكرته مع أحداث ذلك اليوم جريا وقفزت بصاحبها قفزة بهرت أنفاسه ونكأت جراحه وملأته سخطا على اليوم والاحداث
لقد غادر المدرسة على الساعة الثامنة والنصف ليلا بعد أن رمم شيئا مما أفسده المتفقد علق على جدران القسم آيات قرآنية رسمها بخطه الواضح المشكول على أوراق انتزعها من كراسات السنة الفائتة .
وغطى مكتبه بقطعة نظيفة من الورق المقوى اصطنعها من كيس كان يحتوى على أقراص من الجبن . ولقد زادت الغطاء جمالا تلك
الجملة المكتوبة بالخط الاحمر العريض : هدية من الشعب الامريكي
غادر المدرسة وقد تملكه الجوع وأنهكه التعب فسار متثاقل الخطى وكل عزائه مغمور فى قصعة الكسكسي متمدد بين الجراية والبطانية
وتسارعت خطاه حيثما توقع أن يذهب البرد بنكهة طعامه وتزايدت السرعة حينما خشي أن تنام هنية ، زوجته قبل أن يصل إلى الدار فيحرم من طلعتها البهية ويخسر وقع قبقابها وسط الدار ويضطر إلى النوم قبل أن يتمتع باحتساء كأس من الشاي المنعنع تعد ٥ هنية ، فتبدع فى إعداده
خيل إليه أن الطريق قد طالت وامتدت فتدافعت خطواته وارتفع لهاته وانزلقت أعطاف برنسه فرمى بها حول عنقه في ضيق وتبرم
وما أن وصل الحاج الهادي إلى قيد خطوات من باب داره حتى خرج منه رجل ارتطم به حتى كاد يطرحه أرضا . وسمع صوتا نسائيا يودع الرجل ثم سمع انطباق الباب ووقع القبقاب .
وتمكن الحاج الهادي من معرفة الرجل قبل أن يطلق هذا الاخير ساقيه للريح مهر ولا يلوي على شيء . نعم لقد عرفه فعادت خطواته إلى التثاقل حتى توقفت . كأن شيئا يشد رجليه إلى الارض ويعقد ركبتيه . وعراه الدوار فاستند إلى الجدار وراح فى غيبوبة داكنة استعاد خلالها ما يعرفه عن هذا الرجل الذي ودعته " هنية " منذ حين
رجل بلغ من فساد الخلق درجة جعلته مضرب الامثال فى ضروب المحرمات ، رجل لا يغادر السجن إلا ليعود إليه ، سكير بين السكيرين . لص بين اللصوص . عبقري فذ فى كل ميادين الحيلة والخبث . ألم يطلق عليه أهل القرية لقب ابليس " ؟
تذكر أنه دعاه يوما إلى دخول حضيرة الكرام البررة . وتذكر قهقهته العريضة العالية التى نفخت في وجهه من رائحة الخمر
أمواجا كادت تصيبه بالغثيان وتذكر جوابه بين شهقة وأخرى أنا وأنت نقتسم الدين . أنت تقوم بالفرض . وأنا أنقب الارض " قال له إن نقب الارض يعنى استثمارها . فأجابه ساخرا : أتريد أن أستثمر فتأكل ؟ ألا يكفيك أن تكون بفضل سلوكى إماما ؟ ألا تدري أن فى إبدال سلوكى بوارا لبضاعتك ؟ ما أحمقك ؟ "
وتذكر الحاج الهادي ثورته وصبره يوم استمع إلى إحدى مذيعات محطة باريس وهي تقول بصوتها المتقطع الركيك : " ابليس يهدي إلى الحاج الهادي أغنية ياما القمر عا الباب ، "
تذكر كل هذا فأيقن أن تلك الاغنية لم تكن موجهة إلا إلى هنية ، قصد إيقاعها فى شباك الرذيلة
مسكينة هي . لقد غلبها إبليس ، على أمرها فأوقع بها كما أوقع بغيرها . لقد كانت ملاكا ضعيفا . كانت عزلاء من كل حيلة . لم تكن تستطيع أن تقف وحدها في وجه ابليس وهو الذي كان من نفسه فى جيش . ثم أنها تجد فى زوجها سندا او نصيرا . نعم . كان عليه أن يكون لها السند والنصير ، كان عليه أن يشد أزرها ، أن يطلب لها من الله عونا وتوفيقا .
كلا . ليس له أن يلومها فى شيء وقد خذلها فى صراعها مع الشيطان حتى صرعها . وليس له أن يلوم الشيطان فى شيء وقد أدى رسالة الغواية التي هى رسالتة
اتخذ ابليس ، فى خياله الجريح صورة جهنمية ضارية
نعم ، مسكينة هى كان عليه أن يطلب لها من الله سندا فيعينها على تمزيق حبائل الشيطان
وتذكر الحاج الهادي تغيبه اليوم عن صلاة المغرب والعشاء . فأطرق
طلب من الله السند والعون وهو الذى أهمل صلاته ، تلك الناهية عن الفحشاء والمنكر ؟ أيغفل واجباته ثم يرجو من الله أن يجنب
أهله العثرات ويذب عن داره الفحشاء والمنكر ؟ ياله من غبي ! فقد فضل النفع العاجل على النفع الدائم ، قام بواجب الناس على حساب واجب الدين . لقد غطى رجليه فعرض رأسه للسع الصقيع ولفح الهجير . ألم يهمل دعوة الله في سبيل دعوة المتفقد ، لا شك أنه عقاب الله حل به فى أهله
سرح الحاج الهادي نظره في ظلام المسجد
وارتفع صوته بالدعاء متهدجا أجش . طالبا من الله أن يغفر له زلات اليوم . معلنا توبته وعزمه على تحمل كل محن الناس في سبيل مرضاة الله
ناسيا أن " إبليس كان يدخل داره كلمتح حانت صلاة العشاء وأن تغيبه اليوم عنها مكنه من أن يرى .
فعاد إلى الركوع ، وعاد إلى السجود
" رب ، غفرانك ، رحمتك وغفرانك "

