ازمة الحضارة ام ازمة السياسة ، ازمة الكنيسة ام ازمة المجتمع ؟ ... تساؤلات في مستوى الفكر اجاب عنها كتاب وساسة وفلاسفة عديدون ومهما لكن صنف الازمة فقد اتفق العالم على انه انتصار للخيال البشرى وانفجار لقدرة الحلم عند الانسان المعاصر ، بعد ان خبا لظى الضمير واوصد باب التخيل وخمدت نار التطور البشرى . لقد انتصر الخيال ولكن على حساب ماذا؟ هل انحدر الشعر في هذا العصر التكنولوجيا ام شرع يستيقظ لان الإنسان المعاصر يبحث عن قيم جديدة هي بمثابة الواحة الظليلة الامنة فى صحراء الارقام والسرعة والاستهلاك ، بعد ان فند بنفسه احلام الاديان وخلع القيم السماوية عن عرشها القديم وبعد ان قال عن الشعراء انهم يعادلون حواة القرون الوسطى . نفس هذا الانسان المعاصر عاد الان وفي ظرف جيلين او ثلاثة بطرق الابواب الموصدة آملا ان تفتح له على مصراعيها ليتأمل نقاء العواطف ويمارس بدائيته الصافية ويحول عينيه عن الاشياء الميتة والآلات الباردة بحثا عن الانتماء كما قال جون فيلار : ان الإنسان المعاصر يسعى لتحقيق ذاته على صعيد الكنسة ، والاحزاب السياسية ، والمدارس الادبية ، ليجد الايمان ومن خلاله يعبر عن حاجته وحنينه للانسانية(1) ورغم ان الفكر الغربي لم يمر بفترة عقم او غفوة في تاريخه الحديث فانه لا شك يعاني مرضا ادعوه بالغموض والتشعب ( 2 ) وهما عنصران من عناصر حياة الإنسان الغربى اذن فهما ليستا تماما ظاهرتين مرضتين بقدر ما هما مظهران للصدق الفنى ، اذن نرى ان الفكر في الغرب كان معاصرا بما في هذا النعت من انتساب للحضارة الصناعية واعتراف بقيم معينة او انكارها والتزام بخدمة اهداف اجتماعية وفنية معينة لسنا الآن بصدد عرضها او نقدها بل سنحلل التيارات الاساسية التى طغت على الادب والفلسفة خلال السنوات الاخيرة لتتخلص الى نتيجة واضحة :
هي تحديد المنعرج الذي يتخطاه الفكر الغربى وتسليط الاضواء على تأثير هذا المنعرج فى حياتنا الجديدة ، مع محاولة تصور المستقبل . وربما دفعني الى هذا العمل المتواضع ما اعتقده فى الفكر الغربى من قدرة على تجاوز المفاهيم البالية وطاقة لبناء الحياة الروحية وزيادة لكل الحركات الفنية في العالم مهما تجوهلت ومهما انعزلت . ومن خلال اعتقادى اعبر عن ايماني بأن الحرية هي النسغ الحقيقي للتعبير والخلق والانشاء ، لا تستقيم بدونها البشرية ولا تيننع بمعزل عنها ثمار الفكر . والحرية موجودة في الغرب ، لا بمعناها السياسي الضيق كما اتفق كل النقاد ، بل بمفهومها السوسيولوجي والفلسفي ، مما يدعم الخلق الفكرى ويرسخ اقدام الفنانين والمفكرين على درب الابداع الحر ويزيد في تأثيرهم وسلطتهم ويعمق نظرة المجتمع لإعلامهم فيتكامل بذلك بناء الامم وتزدهر الحضارات ونخشى نحن من وطأة الغلبة التى ذكرها العلامة ابن خلدون كعنصر من عناصر اليتتم الحضارى وضياع الشخصية والسعى وراء السراب. مما لا يقبل الريب اذن . ان هناك ازمة فى الفكر الغربي ، لعلها سبب من اسباب تشعبه وغموضه مثلما ذكرنا ولكنها على كل مصدر من مصادر الاشعاع وينبوع من ينابيع البحث عن الذات وطريقة من طرق فرض انسانية العال ولا ادل على حدة هذه الازمة من اعادة طبع تأملات الفيلسوف " آلان" ALAIN وعرض مسرحية " شعر " HAIR فى نفس السنة اذ يحس المتأمل من خلال الحدثين الادبين ان القطيعة ثابتة بين آلاجيال ، وان مفاهيم الخلق الفنى موضوعة موضع التساؤل الدائم والشك المستمر ، ولعل نفس المثقف الفرنسى او الانقليزى او الالمانى هو الذي يطالع حكمة " آلان " ويسهر مع مسرحية AIRH دون ان يرى فى الأمر غرابة او يشعر بحدة القطيعة واستحكام الانفصال مما يؤكد لنا ان الثقافة الغربية تعطى للحرية قيمتها الكاملة وتمنحها المنصب الاول في سلم الاخلاق وسنحاول اذن عرض اهم مقومات الآزمة الخلافة ومقومات هذه الحيرة البناءة اللتين تسودان الفكر الغربى وتضعهما فى مناخهما العالمي .
الحلم على العرش أم ازمة الخلق :
اتفق علماء الاجتماع والفلاسفة على ان الوجود المعاصر يلقى اسئلة عديدة على الإنسان وخاصة على المثقف ، ولا
تجعله هذه الاسئلة برتاح للأجوبة الماورائية او يقبع فى ظل الواحات الدينية ولا حتى الواحات الالححادية . مما يضرب حول الإنسان المعاصر حصارا منيعا ويشد بينه وبين الظل جدارا سميكا فيضيع المرء فى ما يضارع الدوران لا تكاد تثبت قدماه على ارض يابسة من يقين ، مما دفع بالمفكر الفرنسى موريس دريون Maurice Druon الى القول بأن " ازمة الجيل الجديد هي قبل كل شئ ازمة ميتافيزيقية ( 3 )" ويعود دريون الى شرح المذهب الوجودى كينبوع من ينابيع الفكر الحائر ، المتسائل ، قائلا ان الحرية التى حملتها الوجودية للانسان هي اكبر واقسي من ان يتحملها ويشبه الكاتب هذه الحرية الوجودية بالمعركة الحادة التى عجز الانسان عن خوضها جبنا او اضطرارا ، فبقى كشاهد غريب منعزل عن المعركة . ونرى ان نورد نقطة الخلاف بين دريون وسارتر في شأن حدود القدرة البشرية اذ يعتقد سارتر ان الإنسان هو المركز الحقيقي والمصب الاصلي للحياة ويرى دريون ان " الإنسان ليس خالقا للحياة انما هو مسيرها ومنظمها " وينبغي ان نذكر ان هذا العنصر الماورائى لإزمة الخلق الفكرى ليس هو الوحيد بل هو اهم العناصر انما يجدر بنا ان نلاحظ العناصر الاخرى والوجوه المتعددة للقضية واولها الوجه الإجتماعى ، إذ يشعر الانسان في المدن الكبيرة بتميع ملامح شخصيته ، وذوبان ذاته ، وانفراد مصيره ، وغربته المريرة ، ثم هو يشعر من جهة اخرى بأنه محمى من طرف المجتمع تكفى ان يقوم بعمل روتيني احمق لينال بذلك ضروريات حياته اليومية ، وهو ايضا تحتاج إلى ممارسة وجوده بعمق ولا يستطيع فيبقى على السطح ويكره حياته ضمن الاشاء والوجود التى مات فيها التعبير ، ويثور على هذا الجانب المزيف من حياته ويعاوده حنين الشعر وسط عالم الارقام والآلات الباردة البليدة . ويتحرك لبصنع ثورته هو ايضا وتكون التحركات الإجتماعية وانطلاق قوة التعبير وممارسة البدائية في الفن والجنس من أوضح ملامح الثورة الفكرية الحديثة وهدفها الاول هو البحث عن الهوية الفلسفية للانسان الضائع .
ونعتقد انه وسط خضم المتشائمين اليائسين وخضم المتفائلين الآملين نتمكن من تحديد معالم هذه الثورة التى لا محالة ستفجر طاقات الفكر وتعطيه وجهة القرن الواحد والعشرين ، لاننا مهما شككنا فى الأشياء من حول لنا فلا بد ان نتأكد اننا نعيش اليوم موت القيم القديمة السلبية وبعث القيم
الخالدة فى اشكال مختلفة تتلائم مع وضع العصر . من بين المتشائمين نذكر كلمة الناقد الفرنسي اتيان لالو lalou Etienne الذي يقول :
(( ان عصرنا لن ينتج عمالقة مثل بالزاك وستاندال وفلوبير لان مشعل الفكر سقط في ايدى اناس مثالين اذكياء ولكنهم عاجزون تماما لانهم لا يقدرون الا على نفي الماضى والتهكم على القارىء)) ... " ونذكر في نفس السياق كلمة قالها لنا احد المثقفين وهو يشير الى لوحة تجريدية متأسفا بمرارة : (( حدق فى هذه الاشكال الغريبة البدائية ، انا اشك في قيمتها واخلاص رسامها عندما اتذكر ان مود يغليانى مات جوعا فى الشارع .))
هكذا نرى ان ظلال عظماء التاريخ مازالت حية حاضرة في اذهان المثقفين الذين لا يرون في الفن الحديث سوى نقوش هيروغليفية غير مهذبة ... فالعظماء الذين عانوا تجربتهم ومنحوا الإنسانية اجدر واصدق تراثها لا يزالون المقياس الحقيقي الخالد لكل عمل فنى معاصر . وهذه النظرة صحيحة وايجابية الى حد كبير مع وجوب دراسة تيارات الفكر المعاصر بثبات وتفهم وتفتح لاستكشاف جماله وفهم ابعاده والتعمق في اسراره وبواعثه واهدافه.. وربما اشعرنى قارئى اننى استعرض حضارة كاملة عوضا عن التخصص للفكر ولكنني اعتقد ان الفكر هو خلاصة الحضارة ولذا عندما اتحدث عن الخلاصة اتجاوز حدود الادب للتحديق في شأن الامة الغربية والتأمل فى امر مواقف هذه الامة مما تستهلكه يوميا من غذاء روحي متنوع ومتجدد .
هذا وقد تجلت دولة الخيال والحلم والشعر في كل شوارع باريس خلال شهر ماى 68 حينما انفجرت الحياة الطالبية والعمالية ووضع هذا الجيل كل شئ موضع الشك والرفض . تجلت دولة الشعر والحلم على كل الجدران منادية بشعارات اهمها " الخيال فى الحكم " و يحكم العالم " ونرى من خلال الشعار بن ان واحة الإنسان المعاصر وسط يباب القرن العشرين وارقامه وتقدمه التكنولوجيا لم تبق متمثلة في الدين وحده بل تم تتويج الشعر ملكا آخر على عرش الفكر والحضارة لينافس بذلك السياسة والفلسفة والدين . قالت
فتاة لندنية تعيش هذه الازمة لاحد الصحافيين : " اننا سنظل نحلم الى النهاية " " لن ننقطع بعد اليوم عن الحلم ..."
هكذا يمكننا ان نضع مسرحية HAIR ضمن هذا الإطار . فبعد ان عرضت المسرحية فى نيويورك ولندن تعرض الان في باريس وتلاقي اقبالا هاما من طرف الشبان والمثقفين ، تحسدها عليه مسرحيات الواجب والعقل والحكمة والحب لدى شكسبير وموليار وكورناى . ولا اخفى اننى ابالغ في الحديث عن هذا الاثر الادبى رغم انى لم اشاهده ولكننى قرأت عنه كثيرا وحدثني عنه بعض من شاهد على مسرح لندن كما اعتبر هذه المسرحية ايضا تعبيرا ناطقا واضحا عن ازمة العصر . يقول الناقد المسرحياء Guy Monreal عن هذه المسرحية : " ان هذا العراء ليس نتيجة ارادة الاستعراض الركيك ، لكنه يعني ويعبر عن الجمال والصفاء وعن انعدام الاحكام الاخلاقية المسبقة ، عن رفض النظام القديم ، عن عودة للينابيع ؛ إن هذا العراء رمز . "
نرى اذن ان جملة التعريفات التى سجلها الناقد تؤكد احترامه العميق للتعبير الحديث عن احاسيس النفس واختلاجاتها ، كما ان الناقد يلح على العودة للينابيع فى هذه المسرحية الطلائعية وهذه العودة نجدها فى عنصرين هامين هما :
1) حرية الحوار البدائى اذ يتحدث الاشخاص عن الحب والمرأة والسياسة ويشتمون المجتمع وما تحيط به من مركبات مجحفة تسحق قلب الإنسان التائق للمحبة والآلفة . هؤلاء الاشخاص يتألمون بمعزل عن التيارات الفلسفية القديمة ويريدون ان يصنعوا قدرا افضل للبشرية . ويتجاوز حوارهم حدود المنطق المتعارف المألوف الى ما يشبه الصيحات الجنونية التى تربط بين الافراد بمالها من قوة وحدة ومنطق وفوضى .
2) حرية ممارسة العراء والجنس إذ يتعرى الرجال والنساء تحت ضوء خفيف ويحبون بدون عقد دينية او اخلاقية او اجتماعية او عنصرية مما يدعو المتفرج حتما الى الشك والريبة فى القيود التى فرضها العالم والوهم
على الحياة الجنسية فتضاءلت كرامة وحرمة العملية الجنسية واستحالت الى ذنب يقترفه المرء داخل اسوار سميكة من التقاليد والمعاني والتعريفات والتضييقات مما اضاع جوهر الجنس وغشى معناه السامى بغبار كثيف . فل يبق الجنس كما كان فى العصر البدائى وسيلة مثلى لفرض الذات ورفض الموت وبحليد الجنس البشرى واقرار العالم كما نشاؤه نقيا رائعا طبيعيا ويسيرا ولا يخفى على احد ان البدائية في الجنس والقول تقضى على الوجه المقنع للحياة اليومية وتضع وجود الانسان مباشرة داخل الوجود المتكامل فتخصبه وتفجر فيه مكامن نبوغه وانجازه
ويستمر الناقد فى عرضه للمسرحية ونحس انه لا يستطيع الافلات في تاثير الثقافة الفرنسية الحكيمة التى وضعت هنا موضع النقد ، فيقول في حسرة ونساؤل : " هل تجد باريس فى هذا العرض المتفجر ماتبحث عنه من المنطق والنظام والتوازن التى تستجيب لتقاليدها وذوقها ؟ . " نرى هنا ايضا ان القضية موجز فى ملاءمة الفكر الحديث للماضى المقدس . وهذا من جهة اخرى مثقف تونسي وهو احمد الهرقام يكتب عن مسرحية HAIR قائلا : "هي تعبر عن اختلال التوازن فى هذا الغرب الذي اصبح يعيش فى دوامة مستمرة واصبح الإنسان يعيش فيه ضعيفا مريضا كئيبا في نفسه وعلاقاته ، تمحوه الآلة وتسحقه مداخن المصانع في كل مكان . "
ويلذ لنا ان نساير الهرقام فى تأمله الإفريقي عبرة HAIR وتعبيرها ، لنجد ما يختلج بأعماق الحضارة الغربية من احاسيس الجيل الحاضر ونستشف رأى مثقف من العالم الثالث ، يضيف الهرقام قائلا : " لا شك ان هذه المسرحية اتت بالجديد الى المسرح . كان الكلام فيها قليلا جدا امام الحركات والغناء والموسيقى مع العلم ان هذه الموسيقى كانت رائعة وعميقة الاثر عند المتفرجين والغناء صافيا ملحيا نقى التعابير رقيق المعنى . لكن هذا الفن لم يبعد الحيرة عن نفسي : لماذا كل هذه الجرأة ، لماذا كل هذا العرى والجنس فى المسرح بعد السينما ؟ قالوا : انه تعبير عن الثورة والتمرد والخروج عن كل التقاليد . انه تعبير عن مجتمع " الهيبي " والافيون والرفض بأنواعه " تعبير عن
مدى سقوط الحضارة ( 4 ) " ولعل اكثر الآراء جرأة هو ما ذكره برتراند كاستلي مقدم المسرحية ومخرجها لاحد الصحافيين قائلا : " ان مسرحيتى تعرض الموقف الطبيعي للشباب الذين يحسون بهضم جانبهم من طرف الكهول ، هؤلاء الكهول الذين يعتقدون انهم يفهمون حقيقة العالم . " (5)
ان الحاحنا على HAIR يعود الى تجسيمها لسائر مظاهر التجديد والابداع في طرق التعبير كما انها تؤكد احتضانها لاكثر قضايا الساعة تشعبا وسطرة على الرأي العام ، مما يدفعنا الى أخذها نموذجا حيا وحديثا للثورة الفكرية التى وصفها البعض بأنها ازمة الخلق الفنى ورأى البعض الاخر انها ارتفاع الحلم والشعر الى مصاف القيادة الحضارية ولا حاجة لنا إلى توضح تأثير هذه الثورة الفكرية فى الحياة السياسية ، فالصحافة تطالعنا له ميا بانعكاسات هذه الثقافة الجديدة على الحياة الطالبية والعمالية والحزبية اهمها حقن الاحزاب الشيوعية فى العالم بدماء جديدة ومحاولة صنع الربيع فى براغ ونقد الديموقراطية البرلمانية كمظهر تقليدى من مظاهر قتل الحريات الشعبية الى آخر ذلك من انعكاسات . كما لا يخفى ايضا امتداد الثورة الفكرية الى التربية حيث تمت خلال سنة 1968 اصلاحات جذرية فى الحياة التربوية في اغلب بلدان العالم ترمي كلها الى فتح المؤسسات التربوية على التيارات الاجتماعية من اقتصادية وثقافية وتشريك الطلبة والتلامدة في تسيير هذه المؤسسات واعداد البرامج . ومن ذلك نفهم ان طاقة الحلم والقدرة على تخيل المستقبل وهندسة المدينة الفاضلة لم تنغلق كلها فى دائرة الوهم او الثرثرة بل تجاوزتها الى التأثير الجذرى الكامل فى كل دواليب الاقتصاد و المجتمع والثقافة والتربية ، وفي ذلك تحد واضح تقطعه القيم الجديدة ضد مومياء الاخلاق المعلبة منذ قرون اذا ما التزمت هذه القيم الجديدة رصانة العقل الواعي واعتنقت جمال الحلم والتخيل وملأت وطابها بالامل والثقة فى الإنسان .
هل نعيش مؤامرة ضد المنطق ام ضد الإيمان : من خلال نظرة تشريح للحضارة الغريبة المعاصرة نلمس بسهولة عالما كاملا من اللامنطق بدأ يستشرى فى الفن والحياة اليومية واصبح ينمو في الخلق الفني ويلقى رواجا فى الاسواق . فاذا ما علمنا ان مذهب ZEN البوذي شرع يتربع على سلوك رجال الفن ،
واذا ما علمنا ان " بالى القرن العشرين " لموريس بيجار يستوحى اغلب رقصاته من ضمير البوذية وان فرقة البيتز البريطانية اعتنقت راهبا بوذيا ، ادركنا ان الحكمة الشرقية القديمة وجدت سوقا رابحة في حضارة التكنولوجيا والآلة والصناعة ، وعرفنا ان هذه الحكمة تمنح للمجتمع الضائع واحة باردة آمنة وسط الصحراء التى لا يصبح فيها الإنسان سوى رقم من بين ملايين الارقام الضالة . يقول لنا عالم الفلك الامريكي ZOLLan Mason معلقا على احصائية الناس الذين يقصدون محلات العرافين : حرفاء التنجيم يبحثون عن الله ويهربون من فوضى العالم ..." رأينا اذن ان حلم الجنة الضائعة بدأ يفزع الانسان ذا الروح الشفافة وبدأ يرهقه ويضيه ، ونذكر ما كان يخشاه تيلار دى شاردان Teillard de Chardin حينما وصف العالم بأنه اصبح مجمدا كالصقيع بسبب الآلة ولاجل ذلك يتفجر اللامنطق كرد فعل ضد التحجر وموت القيم الروحية . وهكذا راح المثقفون يحاولون تعبيد طريق جديدة تقع بين العلم والسحر تنعم فيها الروح بأمن اللامنطق الى جانب تشبث العقل بوحدانية المنطق ويقين المعرفة الحسية المجردة ... ونجد كتابا امثال لويس بوالس Louis Pauwels وجاك برجى J.Berger يهتمان بهذه الظاهرة ، ويحاولان نفي القطيعة بين المنطق واللامنطق ، ولعل هذا العالم الذي اقر الحدود السلمية بين العقل والروح قد تبلور فى مدرسة مجلة Planete" " التى تجمع بين النزعة العلمية المجردة والنزعة الروحية الخلاقة لاعتقادها فى انسانية اروع لا تفقد الى جانب اكتشافها لكل اسرار الوجود قداسة هذا الوجود وتدرجه نحو الاجمل والاروع . ولعلنا نجد في فلسفة شهر ماى 68 ما يدعم هذا الرأى ، يقول مثلا الكاتب الفرنسي روجى كايوا R.caillois : " يعبر شهر ماي انفجارا لقوى سحرية غيبية ليس لها صلات ملموسة بالواقع . وكأن كايوا يشير الى الطابع الحضاري الذي يفجر رد ود الفعل وينبع من ذات الانسان ومن توقه الدائم للراحة وفرض الذات . ويتخذ الاستاذ باستيد Bastide من شهر ماى الفرنسي ايضا موقفا مماثلا ويتلاءم مع ما ذكرنا في مطلع حديثنا، فيقول : " ان شهر ماي 68 ليس ثورة ، وليس كاريكاتورا للثورة ، وانما يعد شعور الشباب باستحالة الثورات ، راحوا بلا وعيهم يمثلون دور الثوريين ، بفضل استحضار روح الثورة وقد شرعوا فى خلق الحوار الثورى قائلين ان
الثورة انبثقت مرددين نفس الحركات والشعارات ، آملين ان تنهار جدران السربون او مقر الإذاعة والتلفزة بقدرة غيبية مجهولة ..." ولا شك ان رأى الاستاذ باستيد يؤكد ظاهرة اللامنطق التى تجتاح الفكر وتؤثر فى كل الهياكل الحضارية ، كما ان هذه الآراء تلتقي مع تصور الفيلسوف ماركيس Marcuse الذي يعتبر نبيا من انبياء المنطق الحديث حسب تعبير ناقد فرنسي يقول ماركيس " ان القوى الغيبية اصبحت في المجتمع المعاصر تتبع من المنطق . " ويقصد ماركيس بالمنطق هنا كل العلوم الحسية والتقنية والتكنولوجيا التى سمحت للانسان بأن يدرك وضعه الحقيقي في الإطار الكوني ، وان يساهم فى تقرير مصره العام بفضل امتلاكه لطاقات العلم والمعرفة وبذلك نصل الى وقوف المثقف المعاصر موقفا فوضويا تجاه قضايا عصره نظرا لاكتشافه العميق لمظاهر البؤس والشر في العالم فالحرب فيتنام والاغتيالات السياسية التى اصبحت قانونا يفصل النزاعات ويحسم الخلافات ، وعودة الشيوعية الى ينابيع الستالينية الخانقة ، وقتل الشعوب وسحقها بأكملها هنا وهناك ، في بيافرا وغيرها : مما جعل المثقف يقف في حيرة شبه ما وراثية تدفعه عن وعى الى الإلحاد من الناحية الدينية والى الفوضى من الناحية الاجتماعية والسياسية وهذا الكاتب الفرنسي جون مارى دوميناك صاحب كتابة المأساة " يقول لنا " ان منطق الشك لدى ماركس وفرويد وهيجل وتفكيرهم حول الوضع البشرى يدفعنا الى الإلحاد..." حتى اذا ما آمن هذا الإنسان فهو معتقد في اعماقه انه يلجأ الى الدين ليريح رأسه من دوران العصر ، كهذا البطل من احدى قصص هيمنغواى الذى يقول عندما يسأله احدهم هل يؤمن بالله ؟ يقول : نعم فى بعض الاحيان ليلا ، او كهذا البطل في شريط الطريق الاسطورية " للمخرج لويس بينويل L.Bunuel يقول : " ان مقتى للعالم وبغضائي للتكنولوجيا تدفعانني اخيرا الى هذا الإيمان الاحمق بالله ..." ويتساءل فى زحمة هذه الافكار جاك ديكاسن
j.Duquesne هل هذه فرصة للكنيسة حتى تسترجع مكانتها وتجمع شتاتها ويستقر ايمانها فى قلوب هؤلاء الضالين عن طريق الله " ومن شدة استفحال القضية تحرك لنقدها حتى رجال الكنسة انفسهم وقد عاد بعضهم الى اساليب الاديان ومدى نجاحها او اخفاقها فى ضم الإنسان الضائع الى برد منابرها ومحاريبها ... ويقول فى هذا الصدد الاب ميكايل رامساى قس
كانتربيري " ان الدين المسيحي لم يقرأ حسابا للتحديق في الذات ، ولذلك نرى الناس يبحثون عن هذا التحديق خارج الكنيسة وفي حركات غير مسيحية " وعبر تأملات جاك ديكاسن نجد الامل العريض ، هذا الامل الذي يتعلق باهدافه المثقف الواقعي داخل الدغل الحضارى المعقد ، لانه مهما طغت علينا نرعة الغموض الفكرى المعاصر لابد ان نصنع منها طريقا اخرى نسلكها ونجد فى منتهاها رغبتنا ، يقول ديكاسن : بحثنا المتواصل عن عالم اروع ضمن فوضى الفكر المعاصر سيولد عهد جديد للانسان ، شريطة ان لا نستسلم للدوار فالفجر عادة يتصف بالغموض ..." ان تفاؤل ديكاسن بالعالم الاروع مبنى على مانراه اليوم من مخاض مبارك تعيشه كل الحركات في الادب والفن والفلسفة ، فهذه المواد مهما حارت وتساءلت وشكت ، وطغت عليها احيانا امراض التحجر والمجانية فانها بفضل تولد مدارسها وتأثيرها على الحياة والحضارة لا بد ان تلد انسانا كاملا يعرف ابعاد نفسه وامتداد قدرته على التاريخ بالمعنى الذي قصده فلاسفة الهيكلية . كما ان تفاؤل ديكاسن وغيره مشاد على عزم الجبل الحاض وطاقته الإرادية الكامنة فيه . ويكفى ان نشير الى ان الذى انتحر احتجاجا غزو بلاده هو جان بالاش وهو طالب شاب من تشيكوسلو فاكيا ، مما يؤكد ان الجيل الجديد حريص على ان يطبق اسمى المبادئ الإنسانية ، وان يدفع حياته فداها ، هذا الجيل هو ايضا الذى يحترم التاريخ ولكنه لا يقف عند هذا الحد بل يصنع التاريخ ، ويجد أمجاده في عصره ليؤكد قوته وتأثيره ، وكم قال ديكاسن عن المسيحيين المعاصرين الذين تساءل بعضهم : ما الفرق بين المسيح وشى غيفارا وقد اعطيا حياتهما من اجل سعادة الإنسان ؟ ... ( 6)
نعتقد اذن ان الجيل المعاصر مهما قيل عنه وضده هو الذي سيوجه مركب الحضارة فيسعى بها الى شاطئ العدالة والحرية ، وما ازمة الخلق لديه سوى بحث عن الشاطئ وسط امواج الزيف التى تراكمت وتلاطمت ، وهي من صنع الصقيع السياسي فى الشرق والغرب : في الشرق حيث استحالت الشيوعية الى بيروقراطية تقتل بذور الحرية وتخنق صوت الادب والفن والابداع وتهندس مصير الإنسان بمعزل عن إرادة الانسان انطلاقا من الثورة، وفى الغرب حيث استحالت الرأسمالية الى دغل رهيب تتطاحن فيها قوى الامة الواحدة ويبقى البؤساء على بؤسهم وتنعدم العدالة .
ان هذا الصقيع هو الذي احدث رجة الفكر وحيرته وانفجاره بقوة هائلة فأصابت الحشاء من القيم الاخلاقية وتغلغلت في ضمائر الجيل الحاضر ، وكما قال الفيلسوف ماك لوهان M,C.Luhan ان الجيل الحديث يطالب بهدف ، برسالة بالتزام تام . " فالفكر الحائر المتشعب الغامض فى كثير من الاحيان هو اذن سؤال مطروح على الإنسانية وليس من مهمة الشباب ان يجد الاجوبة ، بل يكفيه فخرا ان طرح السؤال بوضوح وحدة وصراحة قائلا : " كيف نكون متساون فى هذا العصر ، كيف نجد انسانية الانسان . " ولعل الاجيال القادمة تهتدى الى الاجوبة ، وتشيد صرح حضارة يتلاءم فيها قلب الانسان مع ضجيج الآلات ، وتسمع فيها نفس الانسان خفقات الروح عبر غبار الذرة، وتتلمس فيها يد الانسان يدا اخرى لرفيق او صديق او حبيبة ، ويهتدى فيها شعور الانسان لموسيقى النظام الدائم ، نظام الكون المجهول ، وصمت البحار والجبال . هذه التى لا يزال المرء واقفا حيا لها لان الفكر يحتاج الى طفولة انقى واصفى وابعد عن النضج المعقد والفهم الكامل.
كيمياء جديدة للغة من اجل فكر متحرر : اصبح اهل الذكر من رجال اللغة الذين يعتقدون ان اللغة بمعزل تام عن تطور الفكر ونمو الحضارة ، اصبحوا يثيرون الشفقة والضحك لسطحية بحوثهم وبعدها الساحق عن الموضوعية والواقع . ونحن اذ نستعرض جملة الافكار الثورية التى تناولت " اللغة " كــ " خلاصة " للحضارة البشرية و " وسيلة " من وسائل تحديد اصولها وتثبيت اقدامها على طريق الحرية والجدوى ، ننتقد شطحات اللغويين التقليديين الذين مارسوا هو اياتهم دون ان يفيدوا الفكر ، ذلك لتناولهم اللغة كمادة خام ، مخلوطة عن عرش الانسان وروعة ابداعه وجمال انشائه ونقاوة احاسيسه ، فساهموا بذلك فى عملية " تقديس " اللغة واعطائها طابع المعبد الذي ندخله خاشعين ولا نفكر في تغيير اشيائه او الشك في عناصره ومواده . مما جعل اللغة تتحجر وتتجمد وتصبح قانعة بالتزاويق اللفظية والتعابير الماوراثية ، كأن يدا مجهولة انتشلتها للفضاء حيث لا وزن ولا تأثير فبقيت جسما من الاجسام الغريبة المجهولة فوق رؤوسنا ، نحدق فيها بدهشة بدائية ، ننعاها او ندعو لها فى تبتل او نستحضر روحها او نبكيها او ننتظر المعجزة التى ستعيد للغتنا قدرتها ومعاصرتها .
ونتساءل كيف شرع الفكر الغربى يغير نظرته الى اللغة ؟ ونجد ان الادب سبق المواد الاخرى فى اكتشاف الرابطة المتينة بين اللغة كقالب والحضارة كجوهر . فنرى ان بودلير ، ورامبو Rimbaud ومالارمى Mallarme ولورد بايرون Lord Byronقد عبروا عن ميوعة اللغة ja fluidite de la langue واستنبطوا ما تختزنه اللغة من جمال ظل حتى القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين مجهولا غير واضح فى كل ماصنف من ادب خلال التاريخ . وجاء ادباء آخرون امثال بروست Proust وجامس جويس j.Joyce وت . س . اليوت T,S.Elliot. وولف Woolf. V وبيكت ويونسكو lonesco واداموف وكافكا kafka قد عمموا اكتشاف اسلافهم ، ومنحوا النص الادبى ابعادا جديدة ومفاهيم عميقة اخرى تضارع الى حد كبير ما اضافه الرسامون التكعيبيون والتجريديون لعالم الرسم. فقد حدق هؤلاء الشعراء والقصاصون في اللغة وآمنوا بضرورة اخصابها ، فكان سر التزاوج الحق la fusion بين الكلمات وما تعبر عنه خلجات الروح وما ترمي اليه من نبل الشعور البشرى ومواقف الانسان تجاه العالم والتاريخ والمصير . ولذلك نرى ان فقهاء اللغة الغربيين اتجهوا وجهة البحث الاكاديمي الرصين ، حتى اجبروا كل فيلسوف على اخذ موقف معين من القضية اللغوية لخطورتها واتصالها بالعصر . ويكفى ان نشير الى مواقف الوجودية والهيكلية والظاهرية من اللغة وعناصر بنائها ، مما يدعم فلسفة اللغة كأساس من اسس تطوير الفكر ونذكر في هذا السياق جملة نقد لحضارة الفكر قام بها المفكر الفرنسى ميكال ديفران Dufrenee Mikel فى كتابه ) 7( قائلا :
)) اننا نعيش احتضار عالم الفكرة ...)) وهذا يعنى حتما ان العالم الحديث لم يعد يعتمد اساسا على الفكرة la pensee وانما على اللغة الفكرة او التعبير الفكرى او كما لخص الاستاذ البشير بن سلامة هذه القضية فى كلمتين هما " اللغة التجاوز " مما يبشرنا بانعكاس هذه الازمة الخلاقة على الفكر التونسي ويجعلنا نأمل انطلاقة حكيمة لادبنا عن طريق " تجاوز " القيم القديمة واكتشاف الابعاد الجديدة للغة لندرك اسمى الحقائق واعمقها وابلغ المعانى واجلها واكثرها تفتحا واصالة معا .
هذا وتجدر الإشارة إلى صنفين من الدراسة اللغوية شملت كل معطيات القضية ، وهي :
- اللغة كخلاصة للحضارة : اهم من يمثل هذا الإتجاه في الدرس والتنقيب هو المفكر الفرنسى بريس باران Brice Parin الذى يلقبه بعض النقاد بسقراط جديد ، من حيث تناوله الحكيم لسائر وجوه الازمة اللغوية بطريقة واضحة تنفي التفسير المنطقي . وقد نبع تفكير باران من ابعاد اللغة ومدى قدرتها على الإبلاغ Communica مما جعل كتابه ( 8 ) اقرب الى الخواطر اليسيرة منه الى التحقيق العلمي الجاف . يقول باران : "آلتي الوحيدة هى اللغة ومنطقي الوحيد هو الحياة ، والجسر غامض بين ما نقوله وما نحياه بصدق ..." رأينا اذن ان هذه المعادلة التى تربط بين قول الإنسان وحياته معادلة يشوبها الغموض والمغالطة ، فالانسان هو عالم غامض معقد حسب اكتشافات فرويد ، ولذا يتساءل باران عن مدى صدق اللغة والقول في الافصاح عن ذات وكيان هذا الانسان بتزاويق متعارففة مستعملة ، توارثتها الاجيال دون اختيار او موقف ، فأصبحت عاجزة عن بلوغ العمق المطلوب منها . ومن خلال شعار بريس باران القائل : " لغة حقيقية لإنسان حقيقي ( 9 ) " نتبين طريقته السقراطية فى البحث عن الحقيقة من خلال الموازاة بين اللغة والإنسان . وقد شعر بعجز اللغة نقاد آخرون اتجهوا وجهة باران ، من بينهم اندري داالماس Andre Dalmas الذي يؤكد : الآن ليس ان نفسر ، بل ان نوجد اساسا لعالم الكلمة الذي نتخبط فيه . " او جورج مونان G . Mounin الذى ينشد انفصال علم اللغة عن فلسفة اللغة لاثراء العلاقة بين ما نقول وما نفعل ولارساء قواعد علم تشريح اللغة من اجل اعادة بنائها . وربما كانت النتيجة التى وصل اليها بريس بران تلخص محبته الفائقة للفكر السقراطى الذى يمثل اسمى مظهر من مظاهر البحث الدائم والوضوح الدائم . وربما كانت هذه النتيجة تأكيدا آخر على هدف الدراسة اللغوية المتمثل فى صنع الحوار القادر على الإبلاغ، وتتلخص نتيجة بحث بريس باران فيما قاله عنه ناقده دالماس : " ان منته الحكمة هو ان يصبح التخاطب عنصرا من عناصر سعادة الانسان ... " ولعله في
هذه الغايه النبيلة اسمى ما تتطلع له البشرية منذ احقاب بعيدة ، ولا نشك في ان الحوار السليم الصادق بين البشر هو مما يثرى الاخوة الإنسانية ويجعلها تتجاوز على صعيد الفن والخلق الادبى لكى تتزحزح الحدود عن عرشها المكين ويستيقظ العالم على نواقيس النصر والتفاهم والمحبة .
الدراسة التجريبية للغة : يمثل البحاثون الهيكليون صف الريادة في الدراسة التجريبية وفي مقدمتهم سوسير saussure ولكن منذ صدور كتاب الفكر الالمانى هلموت هيسنبوتل Helmut Heissenbuttel بدأت تتضح ملامح الطريقة التجريبية التى تنشد بعث اللغة حسب كيمياء جديدة ، اثر تفكك عباراتها وكلماتها واعادة وصفها بطريقة " التركيب " ولا شك ان مغامرة هيسنوتل رغم شدة ايغالها فى عالم الكلمة المنعزل ، ورغم قسوة جرائها ، قد افادت جيل الكتاب المعاصرين من حيث استعمال اللغة كمادة خام materiaux brut بطريقة تمكن من استغلال كل طاقات اللاوعى والحلم والشعر فى نفس الانسان المبدع بأسلوب طريف.
وتتجلى روعة الطريقة التجريبية ايضا فى ايمان اقطابها بتشريك القارئ فى عملية الخلق ، لا من ناحية تخيل الحوادث او استنباط المغزى او حتى اتخاذ الموقف السياسي ، بل من ناحية اضافة كلمات اخرى لم توجد فى النص الاصلي حسب تفكير ووضع القارىء حيث يعتقد هيسنوتل ورفاقه اعتقادا راسخا ان القارىء ليس مجرد مستهلك بل هو انسان واع متحرر يجب رفعه الى مستوى التجربة والانفجار اللغوى ومن ورائه " عملية التخاطب الواضح "
يقول هيسنبوتل فى استجواب قامت به مجلة La quinzaine litteraire " يجب على القارىء ان يغذى النص بالخيال كما افعل انا تماما ، انا لا يمكن ان اقوم باى تاثير فردى عليه ، فالنص لدى هو مجموعة هياكل مفتوحة " كما استعرض المفكر الالمانى في هذا الاستجواب طريقة استغلاله للأمثلة والاقوال الشعبية ، مؤكدا انها تحمل مضمونا سياسيا خالدا اذا ما رصفت بأسلوب الإلصاق collage او التوزيع Distribution او اعادة البناء Reconstruction فكل هذه الاساليب جديدة نوعا ما نبعت
كما ذكرنا في العالم الادبي نثرا وشعرا ، ولكنها الآن فى طريقها الى فتح آفاق جديدة ونجد انعكاساتها في عدد من الاعمال الادبية امثال " العام الفارط بمارينباد " و " الرجل الذي يكذب " لروب غربى Robbe Grillet . A و " اغادير " لمحمد خير الدين المغربي (بالفرنسية) و"الغياب" لجورج بيريك G . Perec و"خرافات " لعز الدين المدني ، ومجموعة اخرى هامة من القصص والروايات المعاصرة التى عبرت بحق عن ازمة اللغة وحاولت عبور جسر المنطق لتبلغ عالم الحقيقة فى نفس الانسان وشعوره واحلامه ، لانها تضع القارىء مباشرة فى دنيا اللاوعى وتقدم له الاحداث من الداخل مثلما يحسها صاحبها الذي يحباها . مما يؤكد حتما قوة هذا الادب ومتانته لانه اعتبر اللغة عنصرا حضاريا يجب تطويره بشتى الوسائل والمغامرات لتتكامل تجربة الخلق والإنشاء والإبلاغ وتستيقظ على فجر انقى واجمل .
الادب هو الدفاع عن الانسان : راينا من خلال هذه اللمحة الوجيزة ما يعيشه الفكر الغربي من مخاض مقدس ، لعله غسق فيه ضياع وبحث عن الذات ولكنه غسق يبشر بميلاد فجر الادب ، الادب الذى يرتاح له قلب الإنسان فى عصر تغيير القيم وعصر المؤامرات ضد دولة العقل . ولكن المتأمل فى هذا الغسق لا يملك الا ان يصق مرحا وابتهاجا لعودة الحلم على عرشه القديم، وعودة الادب لسابق عنفوانه وشبابه . ونذكر اخيرا كلمسة ريشة فى هذه اللوحة المتواضعة ما قاله الفيلسوف الوجودى غابريال مارس فى حفل عيد ميلاده الثمانين وهو يجيب عن كلمات المحتفلين به قائلا: " ان رسالة الفكر الخالدة هي الدفاع عن الإنسان . " كما تذكر رمزا آخر من رموز هذا العصر الذي بدأت تتضح فيه انسانية عميقة راسخة ومؤمنة بنفسها وبمصير العالم الأفضل رغم كل ما تلقاه من معاناة ، هذا الرمز يتمثل فى عرض قدمه مثقف شاب من تونس هو احمد الهرقام عن شريط " كلكوتا " الذي يصور مأساة شعب يتألم ويثور . قال الهرقام فى مرارة : " ورغم ذلك سمعت احد الشبان ينادى العاملة بالقاعة في فترة الاستراحة ويسألها دون ان ترف عين : " اليس لديكم مبردات الاسكيمو . " كان وجهه انوثيا منفر جعلني اتمنى فى لحظة ان اصفعه واطرده من القاعة . "
نلاحظ اذن ان تأثير الفكر الصادق هو تأثير خالد ، لا يزال رغم ما قبل يلهب الاحاسيس ويهذبها ويرققها ، ولا يزال مشعا كالمنارة يهدي بضوئه النفوس الافاقة المتعبة . وبذلك نعتقد ان من ينعون الادب وينذرون باحتضار الفكر ماهم الا حلقة من حلقات الدراويش في الشرق والامة العربية . ولا اظن بعد هذه القضايا التي تثار في العالم اننا نستطيع ان نعالج ادبنا التونسي بمعزل عنها ، ونكتفي في نقدنا اياه بالمفاهيم الدينية الضيقة والسلم الاخلاقي المسوس والتصانيف النقدية المعلبة . مما يضيع جوهر الفكر ويدنس قداسته ويذهب منه باللب والحرمة فلنفتح نافذة الحضارة لتهب علينا الريح من كل جانب حتى نجد اصالتنا .
مراجع :
( 1 ) Jean Vilor ( de la Tradition Theatrale ) idees ( 2 ) I' incoherence et la confusion ( 3 ) I' avenir en desorroi ( M . Druon ) (4 ) مجلة الشعب ( أفريل 69 ) ( 5 ) L' EXPRESS N 930 P 61 ( 6 ) L' EXPRESS N 927 P 32 ( 7 ) Pour I' Homme . Mikel Dufrenne ( ed . Seuil ) ( 8 ) la petite metaphysique de la parole . B . Parain ( 9 ) un langage vrai pour un homme vrai ( 10 ) la quinzoine litteraire N 72

