يسألني الاستاذ الفاضل صاحب المنهل ، عن مظاهر " التجديد في شعر ابى تمام " ولست أدري ما الباعث الذي حفزه الى اختيار ابى تمام ، وفي شعراء العربية من يفوقه تجديدا ، وتأثيرا ، وعظمة ، واتساع شاعرية ، وايحاءا بالفن العميق ، وامتلاكا لجوانب الاعجاب العربي والعالمى .
وكان يودى- بعد ذلك - ان لا يحدد الاستاذ لهذا الجواب أربع صفحات من المنهل فحسب ، لان فى هذا التحديد خنقا للفكرة ، وارهاقا للاسلوب ، ومع ذلك كله فلا مانع لدى من تزويد القارئ بجلاء النواحي المطلوبة عن هذا الشاعر الممتاز .
لنشوء ابي تمام ) ١ ( في عصر المأمون ) أوائل القرن الثالث الهجرى ( وهو العصر الذي نقلت فيه آثار الفكر اليونانى وغيره الى اللغة العربية ؛ نتيجة محتومة هي ان يتثقف بهذه الثقافة الجديدة ، وان يتشرب عناصرها وينقل خير ذخائرها مصورة شعرا الى اللغة العربية على طريقته الفنية ، فما هى العناصر التى هضمها أبو تمام ونسبت اليه ، كما هو موضوع السؤال ؟ !
خلاصة ما لمسه نقاده الاقدمون هو :
١ - أنه اهتم بالمعاني دون الالفاظ ، فهو يطلب المعنى ولا يبالي باللفظ ، ولو كان مولدا
٢ - استعمل أنواعا من البديع بكثرة وتوسع .
٣ - آرسل الامثال والحكم في شعره حتى كاد يخرج بذلك من صف الشعراء الى صف الحكماء والمفكرين
٤ - استدل بالأدلة العقلية
وتنصب هذه النفاط كلها في كلمة واحدة هي ما نسميه اليوم بمذهب العقليين فى الشعر ، وهو يتلخص في ان يكون الشعر أفكارا وتجارب نفسية تظهر حقيقة العقل الانساني ، فالقيمة الأولى فيه هي للافكار والمعاني للالالفاظ والتعابير والأشعة الخالية من محصول العقل ، وهذه هي خطوة أبي تمام الكبرى في تجديد الشعر في عصره ، وفي ذلك يقول في وصف الشعرأو في تعريفه .
ولكنه صوب العقول اذا انثنت سحائب منه أعقبت بسحائب
فهو عنده صوب العقول ، لافيض القلوب وهي نظرية عامة لا يتساوى فيها الشعراء ، فمنهم من يتفوق فيها بما يزيده على ذلك من الايقاع الموسيقى فى اللفظ ، والايحاء وقوة الأثر الناشئة من قوة الموهبة ، كما هي الحال عند المتنبى وابن الرومى والمعري ، ومنهم من يقف عند المذهب العقلي البحث ، فان زاد فيه فهى زيادة اللعب اللفظى والترف التى لا يستطيع الشاعر ان يحلق بها فى أفق يعلو على افقها ، ولا يستطيع ان يخرج بها من أفقه المحدود الى حيث يؤثر بعبقريته على النفوس فينقلها الى عالم اسمى كما هى الحال عند ابي تمام
فابو تمام مجدد فى الشعر بهذا وبما اشاعه فى شعره من الاكثار من استعمال الجناس والمطابقة والتدبيج بحيث جعل من اللهج بهافنا يلفت النظر زاد فيه على صروجها الأول مسلم بن الوليد ، ثم بما احدثه فى هذه الفنون حيث اخرج منها صورا جديدة لم يوفق اليها مسلم ولا غيره ، وذلك بطريقة تسليط احد طرفي الجناس مثلا على الطرف الاخر بحيث يعمل فيه فتخرج من المعنى صورة حية متحركة ، فان اباتمام لم يترك هذا البديع دمية جامدة الى جانب اختها كما كان يفعل القدماء . ونرى هذا ممثلا جائما واضحا فى مثل قوله :
ألبست فوق بياض مجدك نعمة بيضاء تسرع في سواد الحاسد
فهنا بياض يقابل سوادا ، وهذا هو الطباق أو المطابقة عند القدماء ، ولكن هذه المقابلة هنا لا يكتفى فيها ابو تمام بوضع لفظة ازاء ضدها فى المعنى وحسب ، وانما هنا بياض يتسلط على سواد ، بل يفعل فيه ما يفعل الماء بالنار
أو ما تفعل النار بالهشيم ، وهذا هو فن أبي تمام الخاص في تجديد الطباق والجناس ، وكان حسب القدماء ان يذكر المتطابقان والمتجانسان في بيت واحد بدون التفات فكرى الى ايجاد مثل هذا التسليط الرائع وهذه الحياة التى تنبض بها هذه المقابلة .
وهناك تجديد آخر عند ابى تمام هو نقل المعاني الى صور الماديات ، وتأكيد هذا النقل بايجاد خصائص مادية وافراغها على المعاني حتى كأنك امام اجسام كما فى قوله مثلا :
حتى لو ان الليالي صورت لغدت افعاله الغر في آذانها شنفا
ويرتقي بهذا المذهب الفني الى درجة اخرى يسميها اهل المذاهب الحديثة : " التشخيص وهو نقل المعانى والماديات الى صور الاشخاص الآدمية والباسها صفائها واحوالها . ويقول باحث حديث فى الفن ومذاهبه فى الشعر العربي : ان من " الممكن ان يأتي ناقد ويسمى هذا النوع اسما جديد الايتصل بالاستعارة ويبدو لي ان في هذه الكلمة حيرة لا تلبث ان تتبخر امام اي اناقد على شرط ان يكون شاعرا أو شعري التخيل فلا يعوز أى انسان من هذا النمط ان يسمى هذا المذهب بما يعين معالمه كأن نسميه مثلا بالتشكيل الحي لانه ابراز للمعاني فى " اشكال " تسرى فيها " حياة " آدمية . وقد أشرت الى هذا المذهب فى قصيدتي الطويلة المسماة : " يد الفن تعصف بالالاعيب " أو " الساحر العظيم " والتي تزيد ابياتها على السبعمائة وقد نشر منها نحو مائتين في صحيفة " صوت الحجاز " في سنة ١٣٥٧ ه فيما اظن ، وذلك حين اقول فى وصف فن الشاعر الذي تتحدث عنه هذه الملحمة :
يحضر الجسم والصفات لدى الو صف ، فما غاب حاضرا فنيا
فاذا قص فالشخوص تناجي ك عيانا كأن تحس رئيا
فترى اسطرا تفيض حياة كل لفظ نخاله آدميا
وقد لمس أبو تمام هذا المذهب قديما قبل غيره وليس كل اللمس ولا بطريقة تشبه طريقة العصر الحديث طبعا
وناحية أخرى من تجديد ابي تمام لا شأن لها باللفظ أو الاسلوب وانما هى خاصة بالفكرة وهي ارسال النظريات الفلسفية والأراء العقلية ، ولعل هذه هي المعاني العشرون التى ابتدعها ابو تمام كما قال ابن الأثير ، وذلك مثل قوله فى فلسفة الحسد - :
واذا اراد الله نشر فضيلة طويت اتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
أو فى قوله فى فلسفة الغزل :
وسمت لى وقاسمتني بسلطا ن من السحر مقلتا عبدوس
فالقسيم القسام عن لحظات منهما تختلسن حب النفوس
والذى قاسمت لحظى اذا اللي ل تمطي عن الكرى المنفوس
وقد كان الشعراء قبله وفي عصره يتجافون هذه الطريقة فى الشعر وبعدونها خروجا على عمود " الشعر كما كان يعبر البحترى ، وهو يقصد انه خروج عن الخطة البسيطة أو الجادة التى نهجها شعراء الجاهلية ومن بعدهم من الاسلاميين لنظم الشعر ، وهي التزام المواضيع المطروقة والمعاني المسبوقة والتعابير المألوفة ، فابو تمام من هذه الناحية استاذ سابق من شعراء المدرسة التى نسميها اليوم بالمدرسة العقلية
وقد خلقت له هذه الطريقة خصوصا من اولئك " العموديين " الفدامى وأعني بهم اصحاب المدرسة الاولى الذين يقدسون التزام عمود الشعر ، كما هي الحال مع كل مجدد موهوب ، فالموهبة هي التى تنفس عليه قبل كل شئ ، ثم تنتحل الأسباب وتخلق الأعذار ويتخذ من التجديد ذريعة بل ذرائع يهدف المنافسون منها الى المجدد الموهوب فينالون منه في صراحة واضحة أو في دوارن مستور
وفيما يلى مختارات مختلفة من شعر هذا الشاعر تدل على نزعته التجديدية الموضحة فى الصفحات السابقة
١- رثاء طفلين
نجمان شاء الله ان لا يطلعا الا ارتداد الطرف حتى يأفلا
ان الفجيعة بالرياض نواضرا لاجل منها بالرياض ذوا بلا
لو ينسآن لكان هذا غاربا للمكرمات وكان هذا كاهلا
لهفي على تلك الشواهد فيهما لو امهلت حتى تكون ضمائلا
لغدا سكوتهما ضحى وصباهما حلما وتلك الاريحية نائلا
واذا رأيت من الهلال نموه ايقنت ان سيكون بدرا كاملا
٢-صديق...!
من لى بانسان اذا اغضبته وجهلت كان الحلم رد جوابه
واذا طربت الى المدام شربت من اخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بقلبه وبسمعه ولعله أدري به
٣ - بخيل..! أو صحراء ابى تمام
هب من له شئ يريد حجابه مابال لاشئ عليه حجاب ؟
ما إن سمعت ولا ارانى سامعا ابدا بصحراء عليها باب !
من كان مفقود الحياء فوجهه من غير بواب له بواب
٤ - دعوة الى نصرة الشعر !
ألم يأن ان تروى الظماء الحوائم ؟ وان يعظم الشمل المبدد ناظم ؟
فما بال وجه الشعر اسود قائما وانف العلا من عطلة الشعر راغم
تداركه ! ان المكرمات اصابع وان حلى الاشعار فيها خواتم
اذا انت لم تحفظه لم يك بدعة ولا عجبا ان ضيعته الاعاجم
فقد هز عطفيه القريض توقعا لعدلك مذ صارت اليك المظلم
ولولا خلال سنها الشعر مادري بغاة الندى من اين تؤتى المكارم
٥-مديح
هو البحر من اي النواحي اتيته فلجته المعروف والجود ساحله
تعود بسط الكف حتى لو انه اراد انقباضا لم تطعه أمامله
ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاء بها فليتق الله سائله
لهى تستثير القلب لولا اتصالها بحسن دفاع الله وسوس آمله
٦ - اعتذار
نفس فداؤك ! اي باب ملحة لم يرم فيه اليك بالأقليد ؟
لما ظنني غمامك اصبحت تلك الشهود على وهي شهودى
نزعوا بسهم قطيعة يهفو به ريش العقوق فكان غير سديد
وإذا اراد الله نشر فضيلة طويت اتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
٧ - الاقدام
اذا المرء لم تستلخص الحزم نفسه فذروته للحادثات وغاربه
اعاذلتي ما اخشن الليل مركبا ! واخشن منه فى الملمات راكبه
ذريني وأهوال الزمان ) اسومها ( فاهواله العظمى تليها رغائبه
الم تعلمي ان الزماع على السرى اخو النجح عند الحادثات وصاحبه
دعيني على اخلاقي الصمل التى هي الوفر أو سرب ترن نوادبه
فان الحسام الهندواني انما خشونته مالم تقلل مضاربه
٨ - ليلة !
الاترى ما اصدق الانواء!!
قد اقنت الحجرة، واللأواء
فلو عصرت الصخر صار ماءا
من ليلة، يتمابها، ليلاءا
ان هي عادت ليلة عداءا
أصبحت الارض اذن سماءا
٩-قبل الوداع
غدت تستجير الدمع خوف نوى غد
وعاد قتادا عندها كل مرقد
فاجرى لهالاشفاق دمعا موردا من العام يجري فوق خدمورد
هي البدر يغنيها تودد وجهها الى كل من لاقت وان لم تودد
ولكنني لم احو وفرا مجمعا ظفرت به الابشمل مبدد
ولم تعطني الأيام نوما مسكنا الذ به الابنوم مشرد
وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدد
فانى رأيت الشمس زيدت محبة إلى الناس ان ليست عليهم بسرمد
مراجع البحث
دائرة المعارف الاسلامية - الأغاني - تاريخ ابن عساكر - وفيات الاعيان - الموازنة بين الطائيين - الفن ومذاهبه في الشعر العربى للدكتور شوقي ضيف أخبار ابي تمام للصولي إخراج لجنة التأليف والترجمة والنشر المثل السائر ديوان أبي تمام .

