الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

تجربة الشعر المنجمى بتونس

Share

مع انبعاث الحركة الوطنية منذ بداية العقد الثالث من هذا القرن لم يكن الشعراء التونسيون الذين سخروا اقلامهم لمناصرة القضية مهيئين فكريا لذلك على غرار أبى القاسم الشابى الذى كانت اشعاره الوطنية تعبر عن موقف نضالى أملاه عليه واقع شعبه المكبل الذى لم يكن قد فهم بعد ماهية الدور المطلوب منه القيام به لدفع الاذى عن نفسه ولتحطيم السلاسل المقيدة لبدنه وفكره ، اذ ان هؤلاء الشعراء لم يدركوا حقيقة المواجهة الشعبية للاستعمار عن وعي بقدر ما استوعبوها عاطفيا فظلت قصائدهم يابسة الاشكال والمضامين لا تعبر عن غير تسجيلات لاحداث كفاحية هى فى حاجة أكثر الى من يحلل أسبابها ومسبباتها . وظلت الاقلام تدور فى حلقة سياسية لا مخرج منها ،

متعاملة احيانا مع بعض المواضيع الاجتماعية التى تهم الاخلاق والاصلاح والتوجيه (*) وكل ما توحى به المناسبات الخاصة والعامة ، الا ان هناك تحركات نضالية كانت شديدة الوطء على كاهل الحماية الاجنبية وهي الانتفاضات العمالية التى عرفتها البلاد فى أواخر الربع الاول من هذا القرن فانجر عنها انبعاث نقابات عملية وتأسيس جامعة عموم العملة التونسيين على يد محمد على الحامى ورفقائه لم تكن تسترعى اهتمام الشعراء الذين طغت عليهم الفكرة السياسية للنضال اذ ان لكل جهاد استراتيجية سياسية يعتمد

عليها . وحتى القصيد الذي كتبه سعيد أبو بكر عن واقعة بنزرت لسنة 1924 فانه لم يتعرض الى وصف حالة العمال بأكثر من أربعة أبيات من قصيد يحتوي على أربعين بيتا عرض فيه صاحبه شتى أنواع المظالم والمعاملات الاستعمارية القاسية التى عانى منها التونسيون ، وهذه الابيات هى :

9- الى ان تعاصي القوت عن كل عامل        باطفاله كم انشب الجوع من ظفر

10 - تراهم اذا حلوا المآزر هيكلا              تداعت به الاركان للوقع والخر

11 - يمدون كفا ايببس الفأس رطبها         الى الاجر؛لكن لا سبيل الى الاجر(1)

35 - ومن كدنا نبنى القصور لسادة              أوامرهم : لا تقربوا ساحة القصر

وقد عرفت الحركة العمالية فى السنوات اللاحقة شيئا من الفتور نتيجة لضغوط النازلة عليها من التسلط الاجنبى الذى أوجد بالبلاد حركات نقابية تتلاءم واغراضه الاستعمارية ولكن الشعر الكفاحى التونسى لم يسجل نتائج تلك الضغوط والمؤامرات التى استهدفت القضاء عليه التحركات الوطنية الصادرة عن العمال التونسيين . وعرفت هذه المرحلة التاريخية حركة وطنية سياسية مركزة الاهداف التحمت بها - فى فترة الاستعمار الثورى .

حركة نقابية جديدة اجتمعت قواها  في الاتجاه العام التوتسي للشغل الذي اسسه فرحات حشاد في 20 جانفى 1946 فكان خير مدافع عن حقوق العمال بالبلاد ولكن هذا المنهاج النضال الذى يستمد قوته من ايمان العمال التونسيين بضرورة التغيير والتصدى للضغوط العدوانية المتمثلة فى الشركات الاحتكارية الدخيلة لم تتململ عقول الشعراء ولم يحرك مشاعرهم حتى في المناسبات التى كان الجهاد يتخذ فيها حجما مقايسا لحجم الشعب والوطن . وقد استشهد حشاد فى ديسمبر 1952 اثر عملية عدوانية غادرة فارتجت البلاد لمقتله ولم ترتج حروف الشعراء الذين لم يستفيقوا من غفوتهم لرثائه الا بقصائد لا تتوفر فيها شروط الايمان بالدور الحقيقى المطلوب منها تقمصه . ولم تكن هذه القصائد الرثائية تتحدث عن المحيط العمالي الذي سخر الرجل حياته لخدمته بقدر ما تندد بما لحقه من ظلم وعدوان موضوعين فى اطار ظرفى عابر لا تاريخي مستمر وشاهد على المعاملة الوحشية التى

استهدفت بها السلطة الحمائية تصفية الحركة النقابية التونسية من محتواها النضالى .

ومن بين القصائد التى استرعت انتباهى لما تحتوى عليه من أبيات تلميحية للعلاقة العضوية الرابطة بين حشاد والعمال أسوق هذه الابيات التى رئى بها محمد الهاشمي زين العابدين زعيم الكفاح النقابى فى الذكرى التاسعة لاغتياله :

سياسة قمع العاملين وهضمهم                 حقوقا ، اذ باتت تداس وتجهل

وما شاد الا العاملون وما بني                    سواهم حضارات الشعوب واثلوا

تزلزل اركان الطغاة بعزمة                        هي النور يجتاح الظلام ويرسل

وتحشد احرار الرجال لنصرها                   كانك فى الدنيا الحريص الموكل (2)

وانتهت هذه الحقبة التاريخية الطويلة المشحونة بالمظالم المتواصلة الصراع بين ابناء الارض ومستغليهم الاجانب الى استقلال البلاد دون ان تسجل ملحمة شعرية او قصصية للجهاد العمالى تكون شاهدا على الثورة الشعبية التونسية فى كفاحها التحريرى خلافا لثلاثية الثورة الجزائرية التى سجل فيها الروائى محمد ذيب المجتمع الجزائرى خلال الاستيطان الفرنسى والمتمثلة فى اجزائها الثلاثة ( الدار الكبرى - الحريق - والنول ) وتحدث فيها عن الاستيعاب العمالى  لبلاده لمفهوم الثورة ودور الشغالين فى الكفاح

وبعد الاستقلال انغمست الاقلام فى سكرة المواضيع الرومانطيقية والوجدانية وكان لا بد من استفاقتها ودعوتها الى مسايرة العمل الانمائي للمجتمع فكتب محمد الصالح الجابرى روايته العمالية المنجمية " يوم من ايام زمرة " ليصور فيها حياة الكادحين بمنجم الفسفاط بالرديف فى فترة ما قبل تحرير البلاد ويكشف عن مدى مساهمتهم في الكفاح بما لهم من فطرة نضالية تحولت عند بعضهم الى وعى ثورى متواصل . واقترب الشعر قليلا من المحيطات المهنية خلال الفترة التى تواجدت فيها تجربة التعاضد الفلاحى

التجاري بالبلاد غير انه لم يكن مرآة عاكسة لهموم الكادحين الذين كانت لهم اراء متباينة وأحاسيس متضاربة متولدة عن استسلامهم للتحاليل المخبريه وكان من الممكن تقدير ايضاحات ونشرات بيانية غير مغلوطة لنتائج هذه التحاليل من طرف شعرائنا الذين اكتفوا بوصف العمليات المخبرية ومع ذلك فان كتابات الميداني بن صالح فى مجموعته الشعرية " قرط أمي " قد جاءت لتعبر ووضوح عن خروجه من الاطار المهيئ واعتنائه بمشاكل العمال الفلاحيين للتمثلين في الحماسة والقيالة بواحات الجريد ، الا انه لم يوسع هذا الاطار غير تحوله الفكرى وعدم استقراريته المكانية ، ويمكن التحقق من ذلك بالرجوع الى مجموعتيه الشعريتين اللاحقتين الليل والطريق " و مذكرات خماس " . ومع ظهور غير العمودى والحر وما جاءت بعده من كتابات مارقه عن قوالب الشعر الموزون حصلت ازمة شعرية على المستويين التعبيرى والكتابى وان كانت أفكار الشعراء قد تطورت من حيث الوعى والاحساس بمشاكل المجتمع التونسي النامى الذى كثرت فيه اعداد المتعلمين والعاملين وكان لهذا القصور التليبغي مردودا شعريا ضحلا بعيدا عن تصوير الواقع المعاش مدعيا قربة من ذلك خطأ

وبعيدا عن العاصمة وخارج حدود النزاعات القائمة بين شعرائنا حول الاشكال الفنية للشعر كانت هناك مجموعة من الشعراء الشباب بالجنود الغربي من البلاد تتحرك فى صمت متواضع متعاطفة فى كتاباتها مع عمال بمناجم الفسفاط الذين ينتمون الى اكبر مؤسسة مهنية وطنية معبرة بصدق عن احاسيسهم مسخرة طاقاتها الفنية والابداعية لوصف احوال المكدين وتسجيل معاناتهم داخل الدوامييس وخارجها فى صراع شاق مع الحياة دون كلل أو هوادة رغم قساوة الطبيعة وصعوبة العمل

وقد كانت بداية التجربة مع الشاعر أحمد المختار الهادى فى قصيدتيه " قريتى والتراب الاخضر " و " خمس مقاطع للتراب الاخضر سنة 1963 وتعانق معه فى ما بعد عامر بوترعة وسويلمي بوجمة ومحمد الطاهر سودة ومحمد عمار شعاببنية وسالم الشعبانى وأخيرا برهومى بلقاسم باعتبار انهم أبناء او أقارب أو اخوان لعمال يعيشون معهم فوق أرض واحدة ويقاسمونهم طعم الخبز ولون التراب ورائحة العرق

ولم يتأخر هؤلاء الشعراء فى قصائدهم المنجمية بأية مدرسة شعرية باعتبار ان ما كتبوه الى حد الآن نابع من ممارسة فعلية ومعاناة حقيقة للمشاكل عمق جذورها واقع عمالى منفرد الخصائص والمناخات فاستمدوا منه اللغه

وأدوات التعبير وطرق الابلاغ ، رغم قصر المدة وضئالة الانتاج فقد التف حول الشعر المنجمي جمهور من القراء متفاعلا معه بالقراءة والنقد والمناقشة الشئ الذى اجبر اصحابه منذ صدور مجموعاتهم الشعرية الاولى على مراجعة انفسهم وتجاوز سلبياتهم ليتمكنوا من تعديل مسارهم فى الخط الذى انتهجوه سعيا الى تطوير كتاباتهم وترسيخ سييقانها فى ساحة الشعر النضالى الهادف الى التحويل والاصلاح

شعراء منجميون لا شعراء مناجم ؛

من الخطاء اعتبارنا شعراء مناجم لان محتوى هذه التسمية يوحى بمفهوم ضائقى نرفضه ويرفضه معنا كل من سيمارس كتابة الشعر العمالى فى الجهات الاخرى من البلاد لان سلوكنا وممارستنا الفكرية والاجتماعية للاحداث داخل حدود تجربتنا الحياتية مع عمال الانفاق تجعلنا نشعر بنخوة الانتساب الى اناس يشكلون خلية متسابكة المشاعر والهموم تنتمى الى العائلة العمالية الكبرى ببلادنا . فنحن اذن شعراء منجميون نعيش الاحداث ولا نشاهدها فحسب

نقد ذاتى :

قد يوافقني الزملاء وقد لا يوافقوننى على القيام بعملية نقد ذاتى لكتاباتنا معلنا عن ان ما تتضمنه مجموعاتنا الشعرية الاولى من قصائد لا ينحصر فى اطار الشعر المنجمي فحسب اذ توجد الى جانب ذلك مواضيع وجدانية واجتماعية ووطنية وانسانية . ف " احزان " سالم الشعبانى تحتوى زيادة على القصائد العمالية على مواضيع اخرى مختلفة كتبها صاحبها فى مناسبات وأماكن لا يربط بينها وبين المحيط المنجمي اى حدث موضوعى وهى حصيلة تجربة وجودية عاشها صاحبها بتونس العاصمة وضواحيها مع اصدقاء له بنتمون الى تركيبات اجتماعية واتجاهات فكرية متضاربة :

روزو الدو

مضى عام ولم أر وجهك الاشقر

بباب البحر

وطال الحزن فى الاحشاء

ولم أصبر

وكيف الصبر

وانت صديقى الاوحد

وانت صديقى الاوحد (3)

فسالم الشعبانى لم يتفطن الى ذلك وهو يهدى مجموعته الشعرية هذه الى اصدقائه ( الكثيرين ) من عمال المناجم الذين استوحى منهم اشعاره - حسب تصريحة - في كلمته الافتتاحية للكتاب ، كما ان محمد عمار شعابنية واحمد المختار الهادى قد وقعا فى التجاهل غير المحمود عندما تغافلا عن ادماج أكثر عدد ممكن من قصائدهما المنجمية الجاهزة ضمن محتويات مجموعتيهما الشعريتين " الغام في مدينة بريئة " و " عيناك والتراب الاخضر " . اما عامر بوترعة فان مجموعته الصادرة تحت عنوان " أعود اليكم " تفتقر تماما الى القصائد المنجمية رغم انه كتب العديد منها قبل تحوله الى باريس لمواصلة دراسته وربما يعود ذلك الى تبدل الاحوال وانشغاله بأمور أخرى منعته عن مواصلة اخلاصه لاخوانه العمال بالدواميس وتذكرهم فقط بأبيات شعرية عابرة من قصائده الباريسية لا تغفر له ذنب النسيان

وبباريس قد تناسي احباء ل             ه ثم ضاع ذاك الولاء

ذاك اني انقطعت عهدا طويلا           وتلاشت ما بيننا الاشياء ( 4 )

ولو انه يحن الى الذكرى دائما ويتقمص الحنين والوفاء :

المنجمي الذي الهمته صورا

ظلت لمجدك في ايامه عبرا

وفاؤه لم يزل يجرى باوردة

هواك فيها مدى الايام كان جرى ( ٥ )

قاموس الشعر المنجمي

لا تكن الاعترافي راية حركة أدبية جديدة ما لم تخلق لنفسها وعاء فكريا تتواجد فيه أساليب عملية وتراكيب تعبيرية ومدلولات لفظية لما يجب

كتابته تماما كما يفعل المخترع الميكانيكى عندما يريد تركيب آلة اذ يتحول من التخطيط الهندسي الى الوصل بين القطع الميكانيكية والكهربائية المبتكرة لتوظيف جهازه فى ما بعد ، وقد أوجد الشعر المنجمي لنفسه فى ظرف عشر سنوات من وجوده قاموسا خاصا به لم يقتصر اصحابه على استعمال مرادفاته فى جميع قصائدهم بقدر ما سعوا الى اثراء محتواه وتوليد ألفاظه الى ان اصبح لكل واحد منهم منجد صغير يحمله فى ذاكرته ويغنيه فى بعض الاحيان عن استعمال القاموس الاول . وقد أكون أكثر تبسيطا عندما انتقل من هذا التوضيح النظرى الى تطبيقه على قصائد الزملاء

فأحمد المختار الهادى ، وهو كما نعرف أول من كتب الشعر المنجمي لا سبقيته فى الميدان يخلص في كتاباته التبليغ المادى للأشياء راصدا كل حركة خارجية عن النفس وما ينتابها من تحول ملموس للطبيعة والكائنات . وطبيعيا ان يكون هذا هو منهجه الثابت المتحول ما دامت ذاكرته مشحونة بالاحداث والوقائع التى عاشها عملية المناجم فى ماضيهم والتى يسجلونها فى حاضرهم وقد انطلق فى قصيد له سنة 1963 من هذه الزاوية :

هذا التراب

كنا نمر عليه بالقطعان من اغنامنا

ونظل نستجدى السحاب

ونعيش جدب الارض فى ايامنا

ويخط عمك مصطفى

خطأ على هذا التراب الاخضر

ويظل يرفع راحة معروفة نحو السماء

عام جديب يا رجال

داء عظال

لا شئ غير القحط فى هذى الجبال ( 6 )

وتحدث المعجزة فلن تكون رسالة نبوية أو ألعابا سحرية ولكنها تحول مادى الحياة سكان المنطقة عندما يكتشف فيلب توماس الفسفاط يجبل الثالجة بالمتلوى

شيخ فرنسى رصين

يأتي نهارا ذلك الشيخ الفرنسى الرصين

لا شئ فى يده سوى ورق صغير

يطويه ، ينشره ويرنو للجبال

ويعود ينظر فى أديم الارض فى جد كبير

ويخط خطا فوق ذياك التراب

ويعود ينظر للوريقة فى اقتضاب

ويصيح فى من جاء معه من الرجال

هيا احفروا هذا المكان

فالتربة الخضراء : الفسفاط كنز لا يهان

فى هذه الاصقاع خلفه الزمان ( 7 )

فهذا القصيد يصف مجموعة من الحركات المتناقضة بين الشيخ مصطفى فى مسعاه غير المجدى المتشائم وفيليب توماس فى عمله الواعى المتفائل دون أن يشير فيه الشاعر الى وجود اشارات توجيهية خفية تصدر عن العقل او القلب ما دامت غايته فى الوصول السريع الى استعراض ما قد حدث

وتنفجر هذه العناصر الحركية لتحدث دويا هائلا واختناقا يصعب التنفس فيه ولكنه شر لا بد منه ما دامت حياة العامل المنجمي تتوقف على بذل الجهود ومجابهة الاخطار المهنية ومصارعة الموت والفواجع والمتاعب التى تترقبه يوميا داخل الداموس لتأكل شيئا من عنفوانه وتمنحه شيئا من رزق العيال والاطفال :

النفق العشرون

ها اننى أدمر الصخور

وازرع الالغام فى الثغور

يحجبني الغبار عن بقية الرفاق

أغوص فى الدخان فى دوامة اختناق

لترجعوا يا اخوتى الى بعيد

حتى تدوى الالغام من جديد

اما انا فسوف تخفينى العربة الستون ( 3 )

كل ذلك والسواعد المفتولة تتبارى بحماس لتحول الارض الخراب الى مزرعة خير وتشد ازر الشمس وتحميها من الاحتجاب ، وينقل أحمد المختار الهادى هذه التحركات فيستعمل ألفاظا من القاموس تصف الزنود القوية والجباه السمراء والكهف الاظلم والجبل الشامخ والفؤوس الثقيلة والمصابيح المتثائبة والعيون الساهرة وضياء الطريق الممتدة الى حيث لا ترى العين آخرها :

العزم فى احداقهم يبدو مضاء

قهروا الصخور وذلكوا الجبل الاشم

سكنوا كاسراب النسور هناك فى أعلى القمم

فالدرب فى خطواتهم لحن توقعه الحياة

والعزم عبر زنودهم أمل يولد فى ظلام الكهف نورا للمصير

العزم خلق للغد المشحون بالشوق الكبير

هذى الشوارع فى ثراها كم هنا درجوا حفاة

يا انت يا كهفا ولا كهف الرقيم

بارك هنا جيلي وهبه النصر والخير العميم

فالانسان فى المنجم يعمل ليلا نهارا لاعادة الحياة الى تراب ميت الخضرة وهو يعلم ان الاشياء ستتوقف بتوقفه ولذلك فهو يمارس حدثه الاسطورى بعيدا عن ذاكرة الزمن والتاريخ ، وهو شئ مؤلم تضيع فيه كل الملاحم فى النسيان واللامبالاة ، ولكنه عذب الطموح وشيق الانتصار :

الليل يا صغيرتى دخان

الليل فى قريتنا أسطورة ضيعها الزمان

لاننا نريد من خلالها نريد

ان نطلب المزيد

ان نقهر الاحزان

ونحطم الاوثان

ونفرغ الكؤوس والدنان

ونغمر الفضاء بالالحان ( 10 )

وتظل هذه الالحان مجرد أمنية تراود النفس ، ولا تحضنها ، ويشعر العامل بالفراغ عند خروجه من الداموس فلا يجد ملجأ يأوى أفكاره وعواطفه ويظل يبحث ويبحث وللبحث بقية :

فراغنا الرهيب يا غاليتى يشنجه الضجر

فكيف نستعير النور فى ظلامنا من القمر

وزمرة الكلاب

تحيط بالابواب

وفى نيوبها يعشش الخطر

فكيف فى قريتنا سنقهر القدر ؟ ( 11 )

أما محمد عمار شعاببنية فان اشعاره المنحمية تتحرك وفق أشارات باطنية لا تعترف بالمناظر الخارجية للوسط الذى يعيش فيه لانه يؤمن في قرارة نفسه بان مظلة العامل المنجمي متى وجدت لا يمكن ان تكون ناتجة عن غير تأزم نفسى لا تتغير الأشياء الا بزواله وهذا أمر صعب لان الناس لا يفكرون نفس التفكير ولا يعيشون نفس التجارب البسيكولوجية ، ونتيجة لهذه الفوارق تظل المشكلة الاجتماعية الشاملة معلقة بدون حل :

مات ذاك النسر وامتد الحجاب

وتناساه الكبار

عبروا عن حزنهم بالسهد فى الليل وناموا فى النهار

وبكيناه الرفاق الاربعة

واتخذنا الدمع تعبيرا عن الحزن فلم نفلح لان الحزن لا يسكن فى

عين المحب

يسكن الحزن بقلب

خافت الدقات مشلول العروق

واجه الناس مآسينا ببعض الكلمات

وادعوا السلوان عصفورا مريحا

عندي الصوت مخضر الجناح

ينقر الاحزان فى القلب ويمتص مرارات الجراح

ودعوا الصبر لان الصبر فى الحزن ثبات

ثم مدونا ببعض الامثله

ورووا بعض الحكايات لحل المشكله

هكذا اعتادوا إذا غاب عزيز

تاركا مقعده الواسع فى الارض ومات ( 12 )

ويحمل العامل جرابه ويسافر داخل نفسه فيتحسس مشاقه ومآسيه كلما شعر بتقصير فى عمل يقوم به لفائدة الآخرين ممن هم فى كفالته او فى حاجة ماسية الى مساعدته لهم دون علم له بذلك من طرفهم ، وحتى عندما يواجهوان تقصيره اللامقصود بالقناعة والرضى ، لانه يدرك ان لحمة التعاطف الرابطة بينهم فى حاجة الى ان تكون أقوى مما هى عليه فى كل شىء وهو الذى يحمل بمفرده اعباء هذا الوزر :

يقلق الاطفال فى قريتنا

كلما غاب قطار

ويظلون حيارى

يسألون الارض والفسفاط عن عودتنا

ويصيرون عصافير صغارا

كلما عدنا من الداموس مثل الانبياء

ونراهم بعيون من ضياء

فنرى أكبادنا

فهم الخير الذى ينبت فى اعماقنا

وهم الزهر الذى يطلع من اشواقنا

فاذا جاءوا ينامون لينسوا جوعهم

فيفر النوم من احداقنا

ونرى انا ظلمناهم فتمتد بنا مأساتنا (13)

وتظل حساسيته المرهفة الواعية بما حوله سريعة التأثر بابسط الاشياء فهو يعى وجوده ويرفض ان يكون مجرد مجموعة من الحركات التى تستخدم بصفة آلية لانجاز عمل ما وتأديته على الوجه المطلوب لانه كائن بشرى يتركب من مجموعة من المشاعر والاحاسيس والافكار والطموحات وله الحق فى ان يقول كلمته ويبلغ أفكاره وآراءه ويطالب بما هو فى حاجه اليه مع المجموعة لكنه كثيرا ما يخيب فى مسعاه لان الآخرين يعملون باستمرار على مصادرة أفكاره ورفض مقترحاته ولو كانت لا تمس بمصالحهم وتدعو الى ايجاد الخير والبركة للجميع

وكلاب البحر تطاردني بعيون حمراء

وتصادرنى كبضاعة جاسوس فى سوق سوداء

فتعاودنى اوجاعى المجتره

كي ترسم فوق جبيني خارطة الاحزان المره

يسمعني قلبي نبض الاعراق المحبوسة فى صدرى تتوعدنى بالاضراب

المزمن عن دورتها الدموية وانا بين الاشباح الصحراويه

يقلقني حر الصيف ويبس الارض وصمت الطرقات المنسيه

آه من يقدر ان يحيا مثلى فى مقبرة الاحياء الاموات

حتى احبابى هربوا

ضربتهم اصوات المدن المفتوحة كل شوارعها

ومقاهيها

لغة الصحف اليومية والكليات ( 14)

وعندما يلتحق بهم يصطدم بعالم آخر اختناقا وتعقيدا فيقرر العودة الى تربته الاولى وكله تعطش وحنين الى الارض والعباد وطبائعهم البريئة التى لا تعرف المراوغات :

وعدت اليك من تشرين أفكارى

لاحرق ملح احزاني

واكتب فيك يا محبوبة العمال اشعارى

وللخلان أروى كل اخبارى

واسألهم عن الفسفاط والعرق

عن التاريخ يكبر فى اراجيح من الالق

وعن طبع النساء

وبساطة الاطفال

وعن زمن يدور بحكمة العمال ( 15 )

اما سالم الشعبانى فانه لا يتنكر للخطين الذين ينتهج اولهما احمد المختار الهادى ويعبر ثانيهما محمد عمار شعاببنية لانه ينتقل من احدهما الى الآخر متى عن له ذلك . ولكنه يختلف مع زميليه فى طريقة التعبير لانه يعتقد ان الكتابة للعمال وعنهم لا بد من ان تكون واضحة المعانى ومبسطة الالفاظ وبعيدة عن الضبابية الشعرية المعقدة ليتمكن من فهمها وقراءتها عموم الكادحين الذين لم يسعفهم الحظ بصورة او بأخرى لمواصلة تعلمهم ، ويوافقانه هما عن ذلك شريطة ان لا يؤول هذا التبسيط الى نوع من السقوط الشعرى والسخافة الكتابية :

لن أكتب شعرا للعمال

عويص الفهم

فالشعر اليوم

لا يحتاج الى القاموس

ورجال الداموس

قرؤوا

فهموا

حفظوا ديوانى ( 16 )

فهذا الديوان يحتوى على مجموعتين شعريتين تتألفان من قصائد متعددة وهما " أحزان " و " أغنيات منجمية " اللتين يستعرض فيهما الشاعر مختلف مظاهر الحياة المنجمية ويتحدث بسخرية عن العلاقات القائمة بين الشغالين وناظريهم وهى علاقات تناقض وسوء تفاهم عند البعض منهم ما دام الفارق واضحا ولغة التخاطب بينهم لا تسمع احيانا بالآذان ولا تتم بغير الاشارات التى يكون فيها الامر دائما للاكبر والرفض للاصغر

أرفض ان اعيش بينكم مرائيا

أرفض أن أنافق

أرفض أن أعيش قاتلا أو مجرما أو سارق

يا حضرة المثقف الكبير

يا فاقد الضمير

من منا يعمل فى حقلك أو دارك

من منا أفكاره أسذج من أفكارك

يا خائن أهلك يا خائن جارك

يا جاسوسا اسرائيليا ( 17 )

وأمثال هذا الرجل كثيرون فهم الذين يملكون وحدهم المنازل الفخمة السيارات الطويلة والجاهه المغلوط ويطلبون المزيد فى فهم وجشع وانانية

طاحونة الطلاسم

حويت ما فى العالم

انى اريد قصر افريقيا وبرج بابل

وكل ما تملكه مشائخ القبائل

من ذهب وغنم وإبل حوامل ( 18 )

وهو الذى يملك احلامه وأمانيه الجوفاء وهذا نوع من العجز الذي يرفضه منطق التغيير ومسلك النضال :

كان أبى يملك هذا القصر

و كان أبى سيد هذا العصر

ما كنت اليوم أجوع

كما كان بمنزلنا جوع

ما شوه جسمى ناب الفقر ( 19 )

ولكن هذه الاحاسيس الفردية لا تمنعه من التفكير فى غيره : ان يصطدم واقع الناس الذين يعيشون ليومهم ولا يفكرون فى غدهم : فماذا يحدث لو ضبت انفاق الفسفاط وتوقف المنجم عن العمل وخرج العمال ارجال جراد يجوبون الشوارع المقفرة بصفوف من العاطلين قهرا عن الشغل فلا بد من

الاحتياط والتخطيط لمستقبل الحياة بأرض المناجم بايجاد وسائل عمل أخرى واحياء الاراضى البور وبعث موارد رزق تضمن استمرارية العيش

أراضينا خراب عنكبوتيه

وحرجوها القاسى كأرض استوائية

وما زلنا على الاحلام نحيا ما تبقى لنا من العمر

تناشد ربنا الرزاق ان يبسط يد الخير

ولم نعلم بأن الخير يكمن فى سواعدنا النحاسيه

لنا الصحراء يا قومى

لنا الصحراء نغرسها نخيلا أو زياتينا

ونجعلها بساتينا

ونحرثها حقولا تنبت الرمان والتينا

ونبحث فى طباق الرمل عن بئر تزخ الماء بعد الجدب تسقينا

تجدد عزمنا فينا

ونستغنى عن الفسفاط ان جفت منابعه

وان شحت موارده ( 20 )

اعتقد ان ما قمت به سيبقى عملا منقوصا ما لم تكتمل الدائرة بصدور المجموعات الشعرية الاخرى لهؤلاء الشعراء أو لزملائهم ممن لم يجمعوا قصائدهم بعد فى دواوين شعرية أمثال سويلمي بوجمعة ومحمد الطاهر سودة اللذين يستعملان أدوات خاصة بهما للتعبير عن مواقفهما ازاء القضايا التى يواجهها المحيط العمالى

آفاق الشعر المنجمي :

ان تواجد الشعر المنجمى فى الساحة الادبية بتونس يبرره امتيازه بسمات واقعية ونضالية خاصة ولم تعرف قبل فى الشعر العربي الذي لم يتجه بعد الى مخاطبة الطبقات الشغيلة أو التحاور معها حول شؤون الحياة والعمل وهذا لا يعنى تسلحة بالتكامل الشعرى والانتماء النهائى الى حضيرة الخلق الادبي لانه ما زال يبحث عن هويته الحقيقية التى سوف لن يجدها الا متى تظافرت جهود اصحابه للخروج به من الدائرة الاقليمية الضيقة الى الساحة الجماهرية الواسعة ليؤدى دوره الطلايعى بوضوح تام يبرز فيه مدى قدرة الشاعر على معالجة القضايا المصيرية التى تتطلب الحلول المجدية

اشترك في نشرتنا البريدية