الحديث عن " الطباعة " حديث يفرض نفسه فى أيامنا هذه المتميزة بالانحناء على الثقافة والتشوق إلى آفاقها ، ومختلف مشاكلها الجهورية وتياراتها فالثقافة ( بشتى تعريفاتها واتجاهاتها ) ما كانت لتكسب هذا الانتشار العالمي فى المجتمعات الحديثة التى هى بالضرورة مجتمعات " جماعية " ، لولا الطباعة ثم لولا الطباعة لما كان هذا الاستمرارللانتاج والاستهلاك بالشكل الذى هو عليه الآن ، والذي يجمع الناس على تسميته " بالتقدم " ولا ينبغي أن ننسى انه بفضل " المطبعة " قد خرجت الثقافة لدى الشعوب من دائرة " الارستقراطية " المحدودة لدى رجال الدين فى القديم ونخبة نبلاء عصور الاغريق والرومان ؛ والثقافة فى عالم اليوم ، عالم تطور الديمقراطية الصناعية ، قد أصبحت بواسطة عدة أشياء من بينها الطباعة والنشر ، سوة عالمية مشتركة حرة للفكر
من أجل هذه العلاقة بين " الطباعة " و " الثقافة " ، لا بد من الاهتمام والنقد للموضوع المدرج " بالفكر " تحت عنوان ( في سبيل تيسير الطباعة العربية ) باعتباره وسيلة للعمل الثقافي المثمر والتطور المنشود من كتاب هذه المجلة الجادة وبقية زملائهم فى كل مكان ، ثم باعتبار هذا الموضوع المشار اليه اقتراحا عمليا رائدا من نوعه فى تونس تقدم به الاستاذ البشير بن سلامة وتفضل بادراجه فى إطار الجهود الثقافية العامة التى نحياها ، والحرية بالاهتمام ، المحتاجه إلى التكامل والاستمرار ، والى التحاضن الفكرى البناء من أجل " الفعالية . . . "
وبديهى ، انه ليس من حق الباحثين إطلاقا فصل الناقلة ( أى الطباعة ) عن البضاعة التى تنقلها ( أى الثقافة ) . . وإدراكنا لهذه البداهة لا يعني شيئا ان نحن لم نقو على ادراك بداهة أخرى وهى أن الثقافة العربية لا يتوقف نموها على شىء مثلما يتوقف على " ضرورة التحاضن الفكرى " بيننا وبين أصحاب الافكار الجديدة المتميزة بالاخلاص والفعالية ، والدينامية . والمقال الأخير " لرئيس تحرير " هذه المجلة ، ( ص 2 الى ص 9 ) هو من جنس هذه الافكار
الجديدة التى ينبغى ان تحظى بالدرس . وان تشبع بالنقد من طرف الصحف التونسية والمغربية والعربية ( الجادة طبعا ) ولا سيما مراكز النشر الواعية التى تهمها مشكلة تيسير الطباعة العربية . .
الجدة فى طريقة ( تيسير الطباعة العربية ) للأستاذ البشير بن سلامة تتمثل فى ثورية الجدول المدرج بصفحة ( 8 ) من " فكر " مارس 1968 ، والممثل تطورا ملحوظا فى تقنية الطباعة بالقياس للتجربتين الاكثر أهمية فى تاريخ الطباعة العربية إلى حد الآن وهما تجربة احمد الأخضر فى المغرب الأقصى ومروة فى لبنان . وتتمثل الأولى فى اختصار الأشكال إلى تسعين شكلا بما فى ذلك حروف الضبط والشكل وعلاماته والأرقام والوقف ، وهذه الطريقة المسماة " بالمعيارية " للطباعة العربية ، قد تبنتها حكومة المملكة المغربية سنة 1956 ثم قد رحب بها المؤتمر الأول للجان الوطنية العربية لليونسكو سنة 1958 وأخيرا أوصى المؤتمر الأول للدول العربية في موضوع التعريب سنة 1961 بالانتفاع بها ٠٠
وبعد اثبات نموذج لهذه الطريقة ، يعلق ( البشير بن سلامة ) قائلا " وليس من شك في أن هذا المجهود قد أعان على تيسير الطباعة العربية إلا انه لا يخفى على القارىء الكريم أن هذه الحروف لا تحافظ على جمال الحرف العربى وأن الأستاذ أحمد الأخضر وإن توصل إلى ضمان سرعة العمل واختصار الوقت بالنسبة للطباعة - فانه لم ينتبه إلى أن كثرة الروابط بين الحروف وخاصة منها النص المشكول يعد خسارة من الناحية المادية تتمثل فى مضاعفة كمية الورق " .
أما التجربة التى اخترعها ( مروة ) وتبنتها شركة لينوتيب فقد راعت " التوازن بين مقتضيات السرعة والاقتصاد من جهة والمحافظة على الأشكال الاعتيادية للحروف المطبعية من جهة اخرى "
وبعد إثبات ( جدول مفاتيح طريقة مروة - لينوتيب ) ( ص 6 ) يرى الاستاذ البشير بن سلامة أن هذه الطريقة تمتاز " باختصار عدد الحروف التى تستلزم أربعة أشكال إلى شكلين فقط والتى تستلزم شكلين إلى شكل فقط . لهذا انخفض مجموع الحروف من ( 104 ) إلى ( 58 ) وأصبح من الممكن أن يكون فى آلة السبك محزن ذى 90 قناة اذا اعتبرنا الأرقام ورموز الوقف وبعض الحروف المتكررة والوصلات زيادة على الحروف الأبجدية . . وبتطبيق هذه الحروف ضمنت شركة لينوتيب لأصحاب المطابع انخفاضا فى تكاليف المعدات الأولية واختصارا فى مدة تدريب العمال وزيادة فى الانتاج قدرها 30 بالمائة . غير أن عيب هذه الطريقة الوحيد هو أنها لا تعتمد الشكل ولا تحل المشكل بالنسب لرغبتنا فى جعل العربية مقروءة من الجميع بسهولة وبدون اجهاد كبير "
وهذه الرغبة الثقافية التى يشير إليها الاستاذ البشير بن سلامة فى قوله المشار إليه لدى نقده للطريقتين ، هى فى الواقع الفرق الأساسى بين تجربته الجديدة والتجربتين السابقتين لها . أما الفارق الثاني وهو لا يقل أهمية عن الأول ، فهو " تقني " بحت ، ومن السهل ملاحظته بدراسة النموذج المدرج ( ص 8 فكر مارس 1968 ) وبمقارنته بالنموذجين السابقين . وحسبك انه يمكن المجلات والصحف والكتب من ان تكون جاهزة ( لكن مشكولة فى ذات الوقت ) فى نفس المدة التى تستلزمها الصحف والكتب والمجلات لتكون جاهزة بطريقة لينوتيب ( لكن غير مشكوولة )
فالأستاذ ( ابن سلامة ) فى طريقته الجديدة قد تلافى إذن النقص المشار إليه فى الطريقتين ، مع مراعاة السرعة ، والاقتصاد فى الورق وتكاليف الطباعة ثم مع تحقيق الغرض الثقافي المرجو من الصحف والمجلات وحتى الاعلانات والدعايات التجارية ، وهذا التوفيق يعتبر بلا شك " ثورة " فى تاريخ الطباعة العربية . ويعدد الأستاذ البشير بن سلامة مزايا الاصلاح المقترح فيقول
" أولا : هو يختصر الوقت الذي يقبع فيه الكتاب العربى فى المطبعة بين الطبع والاصلاح .
ثانيا : يسمح بتكوين اليد العاملة بسرعة إذ اختصار عدد الحروف يمكن من اقتناء اليد العاملة بسهولة
ثالثا : ينقص من تكاليف الطبع بحيث يصير الكتاب العربي والجريدة العربية والمجلة العربية فى متناول كثير من الناس
رابعا : يحافظ على جمال الحروف وبالتالى جمال الكتاب العربي خامسا : لا يقطع الصلة بالكتب العربية القديمة
سادسا : يمكن القارىء العربى منذ الحداثة من قراءة النصوص مشكولة وهو ما يعوده على تجنب الأخطاء العديدة ويعينه على القراءة الصحيحة قبل الفهم وهو عامل نفسانى له قيمته فى تحبيب العربية للاحداث والكهول المقبلين على دروس رفع الأمية
سابعا : يسهل على الكثير الاقبال على الكتاب العربي ويبسر لهم فهمه وبالتالى يضاعف عدد القراء فتروج وتنمو سوق الفكر العربي
ثامنا : يسمح بالرفع من مستوى إطار المطابع وتوسيع نطاقه بادخال عناصر تحسن العربية . "
بالاضافة إلى هذه المزايا التى يذكرها الأستاذ البشير بن سلامة ، ويقرها كل مثقف نزيه تهمه قضايا العربية ، ألاحظ شخصيا أن هذا " الجانب الثقافي " الذي يميز على الخصوص هذه الطريقة سيثير فيما أعتقد رجال الفكر وأعضاء
المجامع العربية الراغبين منذ أعوام فى تبسيط النحو وسيجدون فى ( طريقة البشير بن سلامة ) المقترحة جانبا هاما من الحل الذي يرتجونه . وأوضح كلامي بفتح القوس التالي :
ليس بخاف أن من مشاكل القراءة العربية هذا المبدأ القائل : " ينبغى أن نفهم لكى نقرأ " وعملية الفهم فى لغتنا - خلافا لما هى عليه فى الفرنسي والانكليزية والالمانية والايطالية مثلا - هى عملية متوقفة على التوغل فى كافة قواعد النحو والصرف ، وما أكثر تشعبها وتعاريجها بالنسبة للناشئة وحتى غير الناشئة من العرب والمسلمين ، ومعلوم أن بعض الحروف قد تشعبت مشاكلها حتى أصبحت بمفردها عنوانا لأطروحة شهادات عليا ( 1 ) واختصاصا جامعيا . فحرف ( حتى ) مثلا قد بلغت تخريجاته وانواعه ما يربو على العشرين مما حمل الشيخ " الفراء " على القول : " أموت وفى قلبى شىء من حتى " ونفس الانحراف المهنى ( deformation professionnelle ) قد جعلت المغفورين لهما سيبويه والكسائى ينتقلان إلى ربهما وفى صدر الأول أشياء من فتح الهمزة وكسرها ، وفي قلب الثاني من ( الفاء ) العاطفة والسببية جراح وأتراح وهموم . .
اذن ، فهذه المتاهات الكبيرة التى تفضل أجدادنا باقحام العربية فيها ، قد جعلت تلاميذ المدارس ، والطلبة وحتى الطامحين إلى نيل الدكتوراه ، لا يمكنهم ان يقرأوا الا بعد القفز برشاقة بهلوانية فى أغصان النحو وحباله مرورا بأبي الأسود ، وبقية المدارس النحوية الأربع أى البصرية والكوفيه والبغدادية والاندلسية . ولذا أردنا مزيدا من المرونة فلا بد من رياضة فكرية ( غيرنا يقوم بها في العلوم الرياضية والالكترونية ) وهذه الرياضة تكون بواسطة المفصل " و " المغني " للزمخشرى وابن هشام . .
وقد يفهم " المتزمتون " أننى أقصد بكلامى هذا إلى مهاجمة النحو وتراث الأجداد ، وهذا خطأ واضح ولكنى أردت الاشارة إلى أن هذا التعقيد فى النحو العربي قد أساء ولا يزال يسئ إلى " تفكيرنا العربي " لا سيما والعربية - كما هو معروف - لا يمكن أن تقرأ بعد أن ( تفهم ) ، وهذا يعنى أن الأحداث يصرفون بإزاء النص العربي غير المشكول جهدا مزدوجا موزعا بين التفكير فى القاعدة النحوية لفتح اللغز والتفريق بين نائب الفعل ، والفاعل مثلا - ثم وفي نفس اللحظة من أجل فهم المعنى القابع فى تذلل تحت رحمة القاعدة النحوية أو الصرفية ، والساجد بعبودية تحت طلسم الحركة . . . وهذا على الصعيد
البيداغوجى والتربوى ، يحدث مشاكل فى كيفية صرف الطاقة الذهنية لدى الناشئة ويحدث عطبا فى جهازها الفكرى أحيانا . .
وقد حاول الكثيرون فى العالم العربى - ويحق لهم ان يحاولوا - تبسيط النحو الذى ثقل أمره واشتدت صرامة قواعده على أبناء المدارس الثانوية ولكن مشكلة القواعد النحوية والصرفية لا تزال وكأنما : " المستحيل يرغم على الإمكان " . . .
يقول الأستاذ حبيب خورى فى مقال له تحت عنوان ( مذهب فى النحو والصرف ) : " ومن أغرب أمور هذه القواعد أنها اصطدمت منذ أن وضعت ولا تنفك تصطدم بحقيقه خطيرة هى أن كثيرين من الكتاب والأدباء والشعراء العرب وغيرهم قد لان لهم قياد العربية من غير أن يتعلموا قاعدة واحدة . بل اغرب من ذلك أن الذين درسوها فى المطلوبات بحذافيرها ، كانوا على الاغلب يعملون بها انقيادا لما تلهمهم اياه السليقة والمزاولة تحدثا وكتابة اكثر جدا مما ينقادون إليها بهدى من القواعد نفسها . وما ذلك إلا لأنهم تعلموا اللغة من اللغة بفضل الاستقراء واستخراج الحقائق من تتبع الأمور وموازنة النظائر . واننى أجتزى بثلاثة من القدامى والمحدثين من بين المئات من أمثال هؤلاء وهم - سرى الرفاء - وقد أبدع فى الشعر من زمن سيف الدولة وهو يرفؤ ويطرز فى دكانه والبارودى الذى دعى المنتبى ، وأديب اسحق الذي مهدت كتاباته ومنها كتاب الدور للثورة العربية "
ضمن هذا الاطار إذن من الاجتهاد ، والبحث عن وسائل صيانة العربية وتيسيرها ، أرى مخلصا أن أقرب محاولة الى التوفيق هى التى ستنتج - ان شاء الله - عن تطبيق طريقة البشير بن سلامة ؛ وهي طريقة ، لا خطر فيها على قواعد النحو ، لأنها لا تدعو إلى الغاء او تبسيط أية قاعدة ، وان كانت - باعتمادها على الشكل السريع للنصوص - تعود الناس على النطق الصحيح اليومى مند الحداثة ، ولدى القراءة اليومية المشكولة لكل ما تخرجه الطباع العربية ، دون أن يحتاج الناس إلى مبدأ ( ينبغى أن نفهم قبل أن نقرأ ) وغير خاف ، ما فى هذا الاصلاح العملي " الثورى " من فوائد أساسها تكوين الملكة وتهذيب السليقة . . فالقراءة الصحيحة فى كل آن وفي كل حين بواسطة ( طريقة بن سلامة لدى تطبيقها على مستوى الصحف والمجلات والكتب ) تفيد الأحداث من حيث نموهم الذهنى ، ثم تفيد المنتسبين الى مراكز رفع الاميه ، من حيث سرعة إجادتهم للنطق العربي المبين بدون مركبات ، أو تردد . . وطبعا ، تدريجيا " وبالاستقراء وتتبع الأمور ومقابلة النظائر لما يقول الاستاذ حبيب خورى ، ثم بالدربة والاطلاع عل القواعد يمكن اخضاعها بلا جهد إلى الملكة الحاصلة ، وطبعا دون الافراط في " رياضة " النحو ، أو التفريط فى حرمة التفكير . .
هذه بعض ملحوظات عجلى حول " تيسير الطباعة العربية " أبديتها لنفس الغاية الثقافية التى ختم بها صاحب المقال اقتراحه قائلا : " وأخيرا اعتقد أن هذه المحاولة نابعة عن غيرة على النهضة الثقافية بتونس التى ترتكز أحببنا أم كرهنا على اللغة العربية وانه لا يمكن أن نتصور ازدهار فى هذا الميدان إذا لم تنتشر القراءة السهلة ولا يتسنى ذلك إلا بشكل جميع الحروف . ولا يخفى أن ذلك يستلزم اصلاحا جذريا فى المطابع يتناول بصفة خاصة الاطارات وهذا ليس بصعب والجامعة التونسية تخرج كل سنة العدد العديد من الاكفاء "
وأضيف رجاء آخر وهو انتشار هذه " الطريقة " باعانة من المثقفين المؤمنين بأن التاريخ شىء نصنعه بارادتنا متى جعلنا من كل مبادرة صادقة صعودا انسانيا . .

