كنت قد تحدثت المرات العديدة عن (( رواد حركة الشعر الحر ))، و قد أصبحت الريادة - فى نظر كل متحدث عن هذا الموضوع - منحصرة في نازك الملائكة وفي بدر شاكر السياب وقد بينت اكثر من مرة خطأ هذا الرأى بايراد نماذج من الشعر الحر سبقت تجربة بازك والسياب ، فبعض تلك النماذج سابق لهما بعقد أو عقدين من الزمن . وبعضها سابق لهما ولتجربتهما بقرون عديدة . وها أني أقدم نموذجا آخر لشاعر معاصر سابق لهما - من حيث نشر نموذجه - بأكثر من سنة فالى القارئ هذا النموذج الذي سنتخذه منطلقا للحديث عن جوانب في صلب الموضوع - -
انا لولاك
4 - انا لولاك لما كنت ولا كان غنائى .............. أ
3 - يرقص الكون على لحن السناء ................. أ
5 - انا لولاك لما كنت على الارض سوى ظل فناء ...أ
3 - يتمطى تحت قبلات ذكاء ..................... أ
2 - فاذا جاء المساء(1) ........................................ ب
2 - يتوارى ويذوب ............................................ ج
1- باضطراب ................................................... د
2 - خفقه خفق السراب ........................................ د
3 - يتلاشى فوق سمراء الرمال ................................... هـ
3 - انت حولت فنائى ازلا ...................................... و
3 - وسكبت ( ! ) فوق ياسى املا .............................. و
3 - انت فتحت عيونى فرأيت ................................... ح
1 - واهتديت .................................................. ح
4 - بعد ان كنت غريرا عابثا بين الرفاق ........................... ط
3 - همى ! اللعب وعدوى فى الزقاق ............................. ط
3 - اتبع اللاشئ ، رحب الانطلاق .............................. ط
3 - فاذا الحب بعينيك ينادى ................................... ى
1 - واذا بى .................................................... د
2 - رهن اهواء الشباب ......................................... د
3 - وفؤادي إنفتاحات دنى ( ! ) ................................. ك
2 - وانا لست انا ............................................... ك
3 - وحياتي اصبحت بعض حياتك ............................ م
2 - فتلاشيت بذاتك .......................................... م
4 - كتلاشى ذلك الصوفى فى ذات الاله ............................ ن
اذا تأملنا القصيدة السابقة لاحظنا انها قصيدة من الشعر الحر ، يرجع تاريخ نشرها الى اكتوبر 1946 اى قبل نشر قصيدة " الكوليرا " لنارك الملائكة و قصيدة ( هل كان حبا ) لبدر شاكر السياب بسنة وشهرين ، وإن كنا فى حديث سابق - قد اثبتنا أن قصيدة " الكوليرا " ليست من الشعر الحر (1) و أثبتنا لنازك عدة قصائد من الشعر الحر كتبتها سنة 1948 حسب تواريخها فى ديوانها ((شظايا ورماد )) فان فؤاد الخشن صاحب قصيدة (( انا لولاك )) المذكورة آنفا قد سبق نازك والسياب في نشره لنموذج من نماذج الشعر الحر ، قبل أن يكثر الشعر الحر وينتشر بين القراء
كما نلاحظ ان هذه القصيدة مكتوبة على تفعيلة بحر " الرمل " ( فاعلاتن) وتتراوح أطوال " السطور " فيها بين تفعيلة واحدة وخمس تفعيلات . فجملة أبياتها أو سطورها 24 سطرا منها 3 سطور على تفعيلة واحدة . و 6 سطور على تفعيلتين . و 11 سطرا على ثلاث تفعيلات . و 3 أسطر على اربع تفعيلات. وسطر واحد علي خمس تفعيلات ، وذلك هو الشعر الحر من الناحية الشكلية.
اما قوافيها فانها لم تلتزم فيها طريقة معينة مضبوطة حسب ما هو واضح منها ، وتسهيلا لمعرفة هذا النظام وضعنا ( أبجدية ) فى أواخر السطور نشير الى تنويع القوافى.
إن الذين تحدثوا عن الشعر الحر - وفي طليعتهم نازك الملائكة - لم يشيروا الى هذه القصيدة ولا الى غيرها من القصائد الحرة التى كتبت قبل اواخر سنة 1947 . على أنى لا أريد أن أقول إن هذ القصيدة أقدم نموذج للشعر الحر فقد اثبت فى أكثر من حديث سابق ان الشعر الحر قد عرف قبل " الكوليرا" وقبل " هل كان حبا " وقبل نازك والسياب لا بسنوات فقط بل ربما بقرون
كثيرة ( 2 ) والغريب ان فؤاد الخشن لم يندفع فى كتابة الشعر الحر بل ظل يكتب الشعر العمودى والمقاطع الشعرية ذات الاطوال المتساوية . . ثم اتجه الى الشعر الحر بعد نضجه فى الشعر المأثور . والغريب أيضا أننا نجد فى نفس العدد من مجلة الاديب الذي قرأنا فيه قصيدة " انا لولاك " التى نحن بصدد الحديث عنها ، وفي نفس الصفحة التى نشرت فيها هذه القصيدة نجد قصيدة لمعين بسيسو - الذى اشتهر رائدا من رواد الشعر الحر - لكن هذه القصيدة من الشعر العمودى ذى البحر الموحد والقافية الموحدة وعنوانها : " أنين وحنين " يقول فى أولها على بحر الخفيف ذي التفعيلتين :
أشرقى أشرقى شروق الأمانى فى ضميرى وخاطرى وكيانى
وابعثيها من الفؤاد لحونا وانشريها على الوجود أغانى
والقصيدة مبعوثة الى المجلة من ( غزة - فلسطين ) واسم صاحبها تحتها هكذا : " معين توفيق بسيسو " . فلماذا يتشبث فؤاد الخشن صاحب هذا النموذج القديم من الشعر الحر - بالشعر العمودى ولم يتجه الى الشعر الحر إلا مؤخرا نسبيا ؟ ولماذا اتجه معين بسيسو الذي بدأ شاعرا عموديا - الى الشعر الحر وتخلى ، أو كاد ، عن الشعر الخليلي ؟
إن الشعر الحر - عندما يكتبه شاعر من طراز هذين الشاعر المجيدين - يكون لا محالة جيدا لان لصاحبه رصيدا شعريا جيدا وخبرة بالشعر الاصيل وإدراكا حقيقيا للأصالة والتفتح ، وهذا ما يجعل تجاربه ناجحة فى معظم الاحيان . خلافا لاولئك الذين يرتمون فى " احضان التجديد " باسم الثورة على العتيق دون دراية لحقيقة القديم ولاغراض التجديد
إن أمثال هذين الشاعرين كثير فى دنيا الشعر الحر لحسن الحظ ، لكن المندفعين فيه على غير هدى أكثر منهم بكثير لسوء الحظ فهم يسيؤون اليه من حيث أرادوا الاحسان بتقديم نماذج رديئة يتخذها أعداء التجديد سلاحا ضد هذه المدرسة بغثها وسمينها ، ورخيصها وثمينها ، فكثيرا ما كان أعدى أعداء التجديد هم أنصار التجديد أنفسهم لانهم يندفعون في تأييدهم له اندفاع عاطفيا .
اولا : عن جهل للقديم لانه فوق مستواهم ، ( والناس أعداء لما جهلوا ) ..
ثانيا : استسهالا للطريقة الجديدة ، التى هى عند المجيدين جيدة أو هى ( من السهل الممتنع ) لكن يراها المبتدؤون سهلة فى حين أنها صعبة على غير مجيديها ..
ثالثا : ظنا من البعض منهم أن الثورة على القديم شئ حسن فى كل شئ ، حتى لو سئل البعض منهم عن رأيه فى محتوى " المتحف " لقال : أشياء بائدة أكل الدهر عليها وشرب . ولطالب بتحطيمها ونسفها وابدالها بمبتكرات جديدة . ناسيا أن الجديد لا يمكن أن ينهض الا بالاتكاء على القديم ... وأن تونس الصغيرة مثلا أغنى بآثارها وفسيفسائها وبمعالمها الأثرية من أمريكا المتقدمة فى الاختراعات والابتكارات . وانها تغبطنا على مخلفات قدمائنا.
علينا أن نعتز بآثارنا وأن نحاول أن نشيد على منوالها وان نبتكر لا أن نقوضها ونقيم من حجارتها عمارات جديدة .
وليتصور القارئ أن بعض الأسلاف قوض قصر الجم أو أن أحد الحكام المصريين هدم الأهرام ليبني بحجارتها قصورا أو عمارات . ماذا يكون موقفنا من هذا العمل الهدام ؟
ولكن ما أروع أن يستوحى مهندسونا المعاصرون من تلك الروائع ما يكون مناسبا لنا ولعصرنا وان يبتكروا ما شاء لهم الابتكار لكن على (( أساس صحيح )) وبعد دراسة متأنية ، لا باندفاع عشوائى هدام قوامه عداء للماضى عن جهل ، وتهديم القديم لنبني على أنقاضه الجديد بدون أساس متين .
فالى فؤاد الخشن والى معين بسيسو والى نازك الملائكة والى بدر شاكر السياب والى كل من جدد موسيقى الشعر العربي عن وعى بالتجديد إعجابنا وشكرنا . آملين أن نرى أنصار الشعر الحر من هذا الطراز المجيد فى الشعر الموروث وابنه الشعر الحر .
