فكرة تحديد النسل هى فكرة جديدة ، لا يعرفها تاريخ الانسانية الطويل ، لا لأن الانسان القديم لا يعرف وسيلة للتحديد ، ولكن لأن الحقيقة الواقعية لا تبرر هذا التحديد وقد اقدمت عرب الجاهلية على أبشع جريمة عرفها التاريخ ، وهى - وأد البنات - لا لأن هذا الوأد ضرورة لازمة لرقيها ، ولكنه فى نظرها ضرورة لازمة لشرفها ، وانا ازاء هذه الفكرة اعتقد أن قول من قال : ان الحضارة العصرية حضارة مادية ، تسوق الانسان الى الانسلاخ من الروح ليعيش عيشة وحشية - قول يبرره واقع حضارة هذا العصر .
ففكرة تحديد النسل ، فكرة أملتها على هذا العصر المادة وحدها ، واذا أردنا أن نحلل هذا القول تحليلا واقعيا ، فبالنظر الى سعة المساحة الارضية نجدها مساحة هائلة ، مهما كثر النوع البشرى وتطور لا يستطيع أن يعطيها حقها من العمارة ، وبالنظر الى الامكانيات الطبعية ، نجدها كافية لاضعاف الجنس البشرى ، وبالنظر الى الجنس البشرى نفسه نجده قسمين ، ذكورا واناثا . . ونجد القسم الآخر أكثرية ساحقة ، مما يدل انه معمل انتاج لكمية كبرى من النوع الانسانى هذا النوع المتميز بالعقل . .
والعقل وحده هو العامل الحيوى الفذ فى التفكير والتدبر والاستنتاج
لعمارة الارض ، ومن هذا نعلم أن الذى خلق الطبيعة أوجدها منظمة منسقة وأبدع فى هذا التنظيم والتنسيق
العقل والروح
ولم يترك العقل فريسة للنفس ، تجره وراء اهوائها المادية والوحشية بل ارسل رسلا وانزل كتبا ليكون الانسان مزيجا من العقل والروح . .
فيعيش انسانا بكل ما فى الانسانية من معنى . . يعرف كيف يتناسل ويكثر ويعمر الارض ويرحم الانسانية
التضخم المادى
أن أهم ما يجب أن يبحثه انسان هذا العصر هو - التضخم المادى - لا - تحديد النسل - فالتضخم المادى هو الذى ظل وحشا مفترسا للانسانية وما هذا التحديد ، والجشع والمشاكل المعقدة ، والمعارك الدامية ، الا نتيجة لتلك القيود التى تفرضها الوحشية المادية
ومهما بحث - انسان هذا العصر - وحلل لا يجد ولن يجد حلا صحيحا واقعيا للتضخم المادى ، الا عن طريق الاسلام الجامع بين العقل والروح . . عن طريق تشريعه الذى هو أحكم وادق نظام يسير بالإنسانية إلى الكمال اذن ففكرة التحديد فكرة مادية بحتة لا تمت الى الواقعية الحقيقية بصلة .
ماذا يعنى انسان هذا العصر بالتحديد ؟!
هل يعنى بالتحديد أن كثرة النسل سيكون عرضة للفقر ؟! إذا كان يعنى هذا ، فان المواد الطبعية الغزيرة - التى يتحكم فيها حفنة من الرأسماليين الماديين - لا تعترف بهذا التفسير . .
واذا كان يعنى ان كثرة النسل سيكون بها عرضة للمرض ،فان تطور الطب الحديث - الى حد الدهشة والاعجاب - لا يعترف هو ايضا بهذا التفسير . . واذا كان يعنى أن كثرة النسل سيكون عرضة للجهل ، فان عصره هو عصر العلم ، وان اشعة الثقافة قد اكتشفت اسرار الذرة : وان وسائل النشر والذيوع قد عمت اطباق المعمورة ، وهذا تفسير لا يعترف به العلم المتطور ولا يعترف به عصرنا عصر النور والعرفان . .
التحديد فكرة انتحارية
ان أية أمة تقوم بفكرة التحديد وتنفيذها ، فانها انما تقوم بعمل مادى انتحارى يزلزل كيانها ويضعضع معنوياتها ، فناهيك بما فى الكثرة من
قوة وناهيك بالعباقرة من المفكرين والزعماء الذين يقضى عليهم ويحال دون قدومهم الى هذه الحياة بفكرة التحديد . كان يكفى انسان الجشع والمادة ، هذه المذابح المخيفة التى ينساق اليها آلاف الناس فلا يعودون كان يكفيه هذا عن فكرة التحديد .
لمن يكون عصر الذرة ؟!
كيف يفسر انسان الجشع والمادة فكرة التحديد ، وهو مستقبل عصر الذرة !؟ من يعالج الطب الذرى !؟ ولمن تكون الصنائع الذرية ؟! ولمن يكون الانتاج الزراعى الذرى ؟! ولمن تكون الثقافة الذرية ؟! ستكون اذن للانسان الذرى . . انسان التضخم المادى . .
ذلك تحديد يملى من زاوية مادية وهذا تحليل يملى من زاوية علمية عقلية ، واقعية روحية ، يقول مؤسسها رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم :
« تناكحوا تكاثروا فانى مباه بكم الامم يوم القيامة »

