كان العرب يتكلمون لغتهم عن سليقة ، ينطق بها الواحد منهم فصيحة سليمة دون ان يعرف لها قواعد او يتعلمها ، تماما كما يتحدث الواحد منا الآن باللغة الدارجة ، يتحدث بها كما سمعها من أبويه وكما يأخذها عنه ابنه من بعده مع مراعاة شئ من التطور . . .
كان الواحد من العرب يقول مثلا : لامر ما جدع قصير أنفه " فيعرف الجميع بالبديهة ان هذا القول اثبات لا نفي وان شخصا اسمه " قصير " صدر عنه عمل وهو انه قام بجدع أنفه لغاية من الغايات .
ولكن كثرة اختلاط العرب بالعجم بعد الفتوحات الاسلامية أدى الى ضعف ملكة اللغة عندهم فسرى اللحن فى كلامهم وخشى أهل العلوم ان تفسد تلك الملكة تماما ويقع سوء فهم او تحريف للقرآن والحديث الشريف " فاستنبطوا من مجارى كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة ، شبه الكليات والقواعد ، بقيسون عليها سائر انواع الكلام ويلحقون الاشباه بالاشباه واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو . " ( 1) . وهكذا قام علم النحو يضبط اللغة ويحدد لكل لفظ فى الكلام وظيفة . . . وليس النحو " خاصا بالعربية فلكل اللغات نحوها تقريبا وهو لا شك يختلف باختلاف اللغة وباختلاف عقليات أصحابها إذ فى النحو تعليل وبحث عن اسباب ومحاولة تفسير بعض الظواهر اللغوية ولكل لغة تقريبا قواعد وأساليب تعتمدها لضبط نحوها . . .
وسنحاول فى هذا المقال ضبط الطرق التى تستعمل فى العربية لتحديد وظيفة الكلمة فى الجملة متوخين ايرادها حسب الاهمية وسنعمد كذلك الى نقد هذه الطرق واحدة واحدة .
ان مما يدل على ان لكل لغة طرقها الاساسية لتحديد وظيفة الكلمة فى الجملة استعراض بعض الامثلة لذلك . . . ففي اللغة الفرنسية يعتبر موضع الكلمة فى الجملة فارقا بين " الفاعل " و " المفعول" وفى اللاتينية نجد للكلمات لواحق تميز بين عناصر الجملة ووظيفة كل واحد منها . . . وبعض اللغات الاخرى اتخذت من اختلاف درجة الصوت وسيلة للتعبير عن المعاني " الاعرابية " كما هي الحال في لغات الشرق الاقصى ( 2 ) .
ولعل أهم طريقة لتحديد وظيفة الكلمة فى الجملة العربية هي طريقة الاعراب وهي ابانة أواخر الكلمات اى ضبط حركة الحرف الاخير من الكلمة فقد لاحظ علماء اللغة قديما وفى مقدمتهم الخليل بن أحمد واضع علم النحو ، لاحظوا تغير دلالة اللفظ فى الكلام بتغير حركة حرفه الاخير فاصطلحوا على تسمية ذلك اعرابا .
.. لاحظوا ان الكلمة اذا كانت "مرفوعة " - اى على الحرف الاخير منها ضمة يعرفها علم الاصوات بانها حركة خلفية منغلقة مستديرة - فانها تكون المسند اليه فقالوا هي فاعل اذا تقدم الفعل ومبتدأ اذا صدرت الجملة به ونائب فاعل اذا كان الفعل المسند اليه " مبنيا للمجهول " ووضعوا هكذا مصطلحات حسب المعنى عامة ولاحظوا ان الاسم اذا كان منصوبا - اى على آخره فتحة - وهي حركة أمامية منفتحة منفرجة - فانه اما يدل على الذي وقع عليه الفعل أو على ظرف زمان أو ظرف مكان او على حالة اسم آخر او نوعه فكانت اصطلاحاتهم ايضا فى هذا المجال تراعي المعنى اكثر ما تراعي فكان المفعول به والمفعول فيه والمفعول المطلق والحال والتمييز الى غير ذلك من المصطلحات النحوية المعروفة .
ولاحظ علماء اللغة ايضا كلمات على الحرف الاخير منها كسرة وهي الحركة الامامية المنغلقة - فوجدوها اما متعلقة باسماء أخرى فاصطلحوا على تسميتها مضافا اليه واما مسبوقة بحرف فسموا هذه الكلمات اسماء مجرورة وسموا الادوات التى تسبقها أدوات جر او حروف جر .
ولكن هنا تشعب عليهم الامر فيما يبدو فان لكل اسم من هذه الآسماء المجرورة معانى مختلفة حسب السياق . . ولم يراع النحاة العرب فى هذا
الاسم الا الناحية الشكلية ، فانهم فى اعرابه ايضا كثيرا ما يقتصرون على القول بانه جار ومجرور وأحيانا يبحثون له عن وظيفة فيقولون مثلا " جار ومحرور " فى محل رفع خبر أو فى محل نصب مفعول به وهم بهذا - وان حاولوا ان يتخلصوا شيئا ما من الجانب الشكلى ويهتموا بالمعنى - فانهم بقوا مقيدين بتلك الناحية الشكلية فى قولهم مثلا جار ومجرور فى محل رفع خبر .
هذا عن الاسماء واما الافعال والحروف فقد قال النحاة العرب فى شانها : " انها تدل على ما وضعت له بصيغتها فعدم الاعراب لا يخل بمعناها ولا يورث لبسا فيها والاعراب زيادة والحكيم لا يرى زيادة لغير فائدة (3) ".
ومهما يكن من امر فقد شعر النحاة العرب بان الاعراب اى ضبط حركة اواخر الكلمات لا يكفي لتحديد وظيفتها فى الجملة اذ ان الحركات لا تتعدى الثلاث بينما المعاني الممكن وجودها فى الكلام عديدة جدا .
من هنا نتبين الطريقة الاساسية الثانية - التى تستعمل فى العربية لتحديد وظيفة الكلمة فى الجملة - وهي اللجوء الى المعنى العام للجملة أو الى السياق .
فالفاعل ليس دائما مرفوعا والمفعول به والحال والتمييز وغيرها ليست دائما منصوبة . . . ثم ان من الافعال مثلا ما يقوم بوظيفة الحال او النعت كما فى المثال : رأيت رجلا يجري : فالنحاة العرب نظروا الى المعنى الذى يؤديه فعل يجرى فى هذه الجملة وقرروا انه فى " محل نصب حال " .
فمراعاة المعنى اذن طريقة أساسية لمعرفة وظيفة الكلمة فى الجملة العربية لننظر مثلا في هذه الجملة لميخائيل نعيمة : " اقتحمت البيت وحدها خلية نحل برى " فاذا اردنا تحديد وظيفة كلمة " نحل " فى هذه الجملة ، فما هو سبيلنا الى ذلك ؟ : نتبين الكلمة من حيث الشكل او الاعراب فنجد تحت الحرف الاخير منها كسرة فنقول انها اسم مجرور ثم نزيد تأملا فنجد انها متعلقة بالاسم الذى قبلها" خلية " فنقول انها مضاف اليه . . . فاذا نظرنا اليها الآن من حيث المعنى وجدنا انها تبين نوع الاسم الذى قبلها اى نوع الخلية ومضمونها فنقول اذذاك كلمة " نحل " هى تمييز . . . ولا بد من ذكر انها تمييز والا فاننا لا نذكر وظيفة هذه الكلمة فى الجملة ، ولو اقتصرنا على الشكل وقلنا انها اسم
مجزور مضاف اليه وسكتنا كما قد يكتفى به البعض فاننا نكون قد اهملنا جانب المعنى . فقد نجد كلمة فى سياق آخر مجرورة ومضاف اليه ولكنها ليست تمييزا كما هو الشأن فى كلمة " العدو " فى جملة : " جاء قاهر العدو " فكلمة "العدو" مفعول به لاسم الفاعل" قاهر " بينما كلمة "النحل "تمييز والفرق المعنوى واضح بين وظيفتى كلمتى " النحل " و " العدو " فى المثالين .
وهكذا وجب دائما مراعاة المعنى الذى تضيفه الكلمة الى الجملة حتى يتسنى تحديد وظيفتها ، وينبغى ان لا نقتصر على الاعراب ونوعية حركة أواخر الكلمات لان ذلك ليس الا الجانب الشكلى .
على اننا نجد معيارين آخرين لتحديد وظيفة الكلمة فى الجملة وهما اقل أهمية من السابقين بالنسبة الى اللغة العربية على الاقل : وهما : ترتيب عناصر الجملة والمطابقة .
فترتيب عناصر الجملة يمكننا من معرفة علاقة الكلمات بعضها ببعض وهي وسيلة لتحديد معنى اللفظ فى الكلام . . فاذا عرفنا ان فى العربية نوعين من الجمل : الاسمية والفعلية وأن الفعلية هي المتضمنة لفعل والاسمية هى التى خلت منه وان الترتيب الاصلى هو ان يتقدم الفعل على الفاعل فى الجملة الفعلية ، وان الفعل والفاعل يكونان ملتحمين فلا يفصل بينهما شئ ، وان العناصر الثانوية او المتممات تاتي بعدها واذا عرفنا ان الاصل فى الجملة الاسمية ان يتقدم الاسم على الخبر وان يوجد بينهما التحام فلا يفصل بينهما فاصل . . . إذا عرفنا هذا الترتيب الذى تتميز به الجملة العربية فانه يمكن ان يساعدنا على تحديد وظيفة الكلمة فى الجملة . . . وترتيب عناصر الجملة فى بعض اللغات مثل الفرنسية من أهم ما يبين وظيفة الكلمة فى الجملة ولكن هذا الترتيب لما كان لا يلتزم دائما فى العربية فان اعتماده لتحديد وظيفة الكلمة يعرض الباحث للخطأ : لننظر مثلا فى هذه الآية من القرآن ( 4 ) " واذ ابتلي ابراهيم ربه " فلو اعتمدنا فى فهم هذه الآية على ترتيب الفاظها لوقعنا في الخطأ فالفاعل في هذه الجملة هو الله وقد أتى متأخرا فلا بد اذن من الرجوع الى الاعراب والمعنى والسياق لاستخلاص مدلول الجمل والفقرات .
واما الطريقة الرابعة والاخيرة فهي المطابقة وتكون بعلامات تلحق الاسماء والافعال والحروف تدل على ان عنصرا ما من الجملة متعلق بعنصر آخر : ففي قولهم "بانت سعاد " تاء التانيث فى الفعل تدل على ان سعاد هى الفاعل ؛ كذلك فى جملة " لحقت عمر امرأة شابة " تدل التاء فى فعل لحقت على أنه مسند الى "امرأة " ثم ان التاء فى " شابة " علامة على ان الصفة هذه متعلقة بالمرأة لا بعمر .
وتجدر الملاحظة ان المطابقة فى الجملة الفعلية لا توجد بين الفعل والفاعل إذا تاخر الفاعل ففي هذه الحالة لا تكون المطابقة الا فى التانيث والتذكير ولا تكون فى التثنية والجمع ، وإذا تقدم الفاعل فان المطابقة تكون تامة تذكيرا وتأنيثا وافرادا وتثنية وجمعا.
وبما ان المطابقة تكون احيانا وقد لا تكون وبما انها لا تبين الا ان عنصرا من الجملة متعلق بآخر فان اعتمادها وسيلة لتحديد وظيفة الكلمة فى الجملة غير كاف ايضا لذلك وجب دائما الرجوع الى السياق والاعراب والمعنى العام للجملة . .
وهكذا لاحظنا في العربية اربع طرق لتحديد وظيفة الكلمة فى الجملة ، منها اثنتان أساسيتان وهما الاعراب وسياق الكلام ، والاثنتان الباقيتان أقل أهمية وهما ترتيب عناصر الجملة والمطابقة . . . وقد لاحظنا كذلك أن النحو العربى القديم كثيرا ما يراعي الجانب الشكلى فى بيان وظيفة الكلمة فى الجملة اذ يقتصر اعرابه للكلمة على القول بانها اسم مجرور او مضاف اليه فى حين ينبغي تحديد وظيفة هذا الاسم المجرور او المضاف اليه ، ولعل هذا ناتج عن نظرة النحاة الى النحو واعتباره قبل كل شئ وسيلة عملية لضبط حركات أواخر الكلمات وتعليل ذلك تعليلا يساعد متعلم اللغة العربية على التكلم بها سليمة فى وقت وجيز فلا يضطر الراغب فى تعلم العربية الى البقاء مدة طويل فى الاوساط العربية والبوادى حتى تحصل له الملكة اللغوية !!
ولكن اذا كان النحاة العرب لم يراعوا في الغالب الا الناحية الشكلية فقد أتى بعدهم علماء البلاغة فزادوا الامور تحديدا وضبطا وأعادوا للمعاني في الكلام ما تستحقه من مكانة فكان النحو والبلاغة متكاملين .

