قرأنا فى الجزء السابع من السنة السابعة من اعداد مجلة الحج الغراء الصادر فى المحرم ١٣٧٣ ه كلمة الاستاذ السيد أحمد المدير المساعد لمدرسة الامراء بالرياض تحقيقات جديدة فى السيرة النبوية ( فاذا هي كلمة تلفت الانظار نحو التحقيق العلمى فى كتاب أصول السيرة المحمدية للاستاذ الفاضل ) عبد العزيز بن راشد النجدى
وهذا الكتاب على ما يحدث عنه الاستاذ المحقق كتاب اعتمد فيه المؤلف على الكتاب العزيز وعلى ما انتقاه من صحيحى البخارى ومسلم غير مجاوز لهما فما ينقله من الحديث . . ويحكى لنا الاستاذ المحقق عن المؤلف أن الباعث على هذا تنقيح سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وتجريدها من اضافات واختلاقات سطرتها كتب السيرة وهاتان الوجهتان لا غبار عليهما ولا غبار على الكتاب أيضا من ناحية أسلوبه وترتيبه بل هو على ما يذكر الأستاذ المحقق يستحق أن يعد من كتب الثقافة ولكن تضييق المؤلف على نفسه فى المادة وحرية رأيه وعدم تعويله على آراء من تقدمه من كتاب السيرة أحوجته فى بعض تحقيقاته التى ابداها فى هذا المصنف الى مجازفة لا يكاد الاستاذ المحقق يسلمها بل ذكر اشياء من تلك المجازفات وعرضها على طلبة العلم ليناقشوا فيها المؤلف او ليستفيدا منه آراءه
وكاتب هذه السطور سيناقش هنا الاستاذ الفاضل عبد العزيز بن راشد فى بعض تلك الاشياء بما ظهر له ، رغبة فى الاصلاح والصواب ، فما كان صوابا فمن الله وما كان خطأ فمنى وأخص بالمناقشة للاهمية أربعة مسائل :
الأولى - حصر اسمائه صلى الله عليه وسلم فما تضمنه حديث : " لى خمسة اسماء انا محمد وأحمد وانا الماحى الذى يمحو الله بي الكفر وانا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وانا العاقب " يعني آخر الانبياء
ودعوى أنه لم يتم ولم يثبت له صلى الله عليه وسلم من الأسماء التى هى أعلام وصفات عنه ولا عن أصحابه غيرها
الثانية - الحكم على حديث : " انى عند الله لخاتم النبيين وان دم لمنجدل فى طيته " بأنه موضوع
الثالثة - عد حديث " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " من هذيانات المؤرخين الرائجة عند من ليس له من السيرة إلا جمع المنسوب اليه صلى الله عليه وسلم حقا وباطلا الرابعة - تكذيب قصة بحيرا الراهب اعتمادا على ما ذكره عن ميزان الحافظ الذهبى وهذا اوان الشروع فى الموضوع وبالله استعين إنه خير معين
فاقول : اما حصر اسمائه صلى الله عليه وسلم فما تضمنه مقال الاستاذ المؤلف فمن باب المحال وليس المراد بهذا الحديث حصر الاسماء وان فرضنا أنه مراد فقد أطلع الله نبيه بعد ذلك على غيرها والاجماع منعقد على عدم الانحصار فيما ذكر وللعلماء فى هذا الحديث مسالك مشهورة منها القطع بان هذا العدد الذى هو لفظ خمسة ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم وإنما هو كلام بعض الرواة ادرجوه فى الحديث ويسمى هذا فى عالم مصطلح الحديث ) بالادراج ( واحتج قائل هذا بأن هذه اللفظة ليست فى رواية ابن عيينة وشعيب بن ابي حمزة ومعمر ويونس وعقيل ، وكلهم روى هذا الحديث عن الزهرى بلفظ : " ان لى اسماء " ولم يذكروا لفظة خمسة ولم يذكرها غير مالك ومحمد بن ميسرة عن الزهرى وقد ذكر قريبا من هذا ، الحافظ ابو نعيم حيث يقول : ) ويجوز ان يكون بعض الصحابة ذهب عنه بعض تلك الاسماء (
ومنهم من اثبتها من كلامه صلى الله عليه وسلم وهم الاكثرون وهؤلاء المثبتون منهم من قال : ان هذا قبل اطلاعه صلى الله عليه وسلم على باقى الاسماء ثم اطلعه الله بعد ذلك عليه والى هذا يميل القرافى ولا يخفى ما فيه من التكلف
ومنهم من قال : بان المذكور فى الحديث انما هو الموجود فى الكتب المتقدمة فمعنى الحديث على هذا : لى فى الكتب المتقدمة وعند الامم السالفة خمسة الخ وهذا قول القاضى عياض وفيه ان المتوكل مما ذكر فى الكتب المتقدمة ولم يذكر فى هذه الخمسة
واحسن ما وقفت عليه فى هذا كلام الحافظ أبى نعيم حيث قال : ) اختلفت الروايات فى اعداد هذه الاسماء وذلك لا يوجب تضادا فانه كقول القائل لى عشرة دراهم فاذا اقر له بالعشرة فما دون العشرة له أيضا ثم يقال لصاحب العشرة امعك خمسة ؟ فيقول : نعم ! ولا يكون هذا نفيا للزيادة ( اه كلام الحافظ ابى نعيم وهو يحوم حول النظرية القائلة بأن مفهوم والعدد ، غير معتبر
اقول ويتعين عدم اعتباره هنا فان الروايات اختلفت فيه اختلافا يوجب القول بما تقدم فعند الامام احمد فى مسنده والحاكم فى مستدركه وصححه وابى نعيم والبيهقي فى النبوة من طريق عقبة بن مسلم عن نافع بن جبير بن مطعم ان عبد الملك بن مروان قال له : اتحصى اسماء رسول الله صلى عليه وسلم التى كان جبير ابن مطعم يعدها ؛ قال : نعم هي ستة ) محمد واحمد وخاتم الانبياء وحاشر وعاقب وماح فزاد الخاتم وعند ابن عدى فى الكامل " ان لى عند ربي عشرة اسماء " وذكر الخمسة المذكورة واضاف : " وانا رسول الرحمة ورسول الملاحم وانا المقفي قفيت النبيين عامة وانا قثم والقثم الجامع الكامل ( وعند ابن مردوية فى التفسير وابى نعيم فى الدلائل من حديث أبى الطفيل مرفوعا : " لى عشرة أسماء وساقها " فهذا الاختلاف يستفاد منه التسمية كغير ما ذكره الاستاذ وعدم اختبار مفهوم " خمسة " حتى إن الحافظ ابا نعيم بسبب كثرة أسمائه صلى الله عليه وسلم عنده جوز أن يذهب بعضها على بعض الصحابة
ويقول كاتب هذه السطور : مما يؤيد كثرتها وتجويز تسليمها على بعض الصحابة ما رواه الأمام أحمد ومسلم وغيرهما من حديث أبى موسى قال سمى لنا رسول الله عليه وسلم نفسه أسماء منها ما حفظنا ومنها ما لم تحفظ فقال انا محمد واحمد والمنفي والحاشر ونبى الرحمة ونبى التوبة ونبى الملحمة
والعجب من حرص الاستاذ المؤلف على صحيح مسلم مع إغفاله زيادته عن المتن الذي ساقه . واعجب من هذا ان اسمه عليه السلام عبد لله مذكور فى القرآن قال تعالى : ) وانه لما قام عبد الله يدعوه ( الآية وقد حوت آيات والأحاديث من اسمائه صلى الله عليه وسلم ما يقضي على هذا الحصر بالبطلان وتتبعها العلماء فهذا القاضى ابو بكر بن العربى يسرد لنا فى أحكامه فى سورة الاحزاب ستة وسبعين اسما مما ورد فى القرآن والحديث وذاك الحافظ السيوطي أوصلها إلى اربعمائة اسم وهذان الامامان ابن عبد البر والطحاوى يطلقان القول بأن كل صفة له يسمى بها واستدل الطحاوى بالاجماع على تسمية على بأبي تراب
وأما حديث ) انى عند الله لخاتم النبيين وان آدم لمنجدل فى طيته ( فهو حديث رواه الليث وابن وهب عن عبد الرحمن بن مهدي ؛ وعبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبى عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية وقد قال فيه الحافظ على بن أنى بكر الهيثمي فى " مجمع الزوايد " انه رواه أحمد باسانيد والبزار
والطبراني قال : " وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد ، وقد وثقه ابن حبان . وذكر الحافظ ابن رجب فى كتابه لطائف المعارف أن الحاكم صحيح اسناده ثم قال : وروى معناه من وجوه أخرى مرسلة
ومع ذلك فليس في هذا الحديث شىء ينافى القرآن والاحاديث المتواترة وانما فيه التنويه بذكره صلى الله عليه وسلم وانه معروف فى الملأ الاعلى بانه خاتم النبيين قبل نفخ الروح فى آدم . وقد أورد ابو نعيم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن ابى هريرة الحديث المتفق عليه : ) نحن الآخرون السابقون ( وزاد ابو نعيم فى آخره ) فكان رسول انه صلى الله عليه وسلم آخرهم فى البعث وبه اختمت النبوة وهو السابق يوم القيامة لأنه أول مكتوب فى العهد والنبوة (
ثم قال ابو نعيم ففى هذا الحديث الفضيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوجب الله له من النبوة قبل تمام خلق آدم وقد تلقي كلام الحافظ أني نعيم بالقبول الحافظان : ابن كثير فى تاريخه وابن رجب فى لطائفه
واما حديث : " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " فقد رواه الامام احمد الطبرانى باسنادين رجالهما رجال الصحيح كما ذكر الحافظ الهيثمي فى كتابه مجمع الزوايد وذكر ممن رواه البزار باسناد فيه جابر بن يزيد الجعفي وهو وان كان ضعيفا لا يؤثر فى شمول هذا الحديث فان الحكم على بعض طرق الحديث بالضعف أو الوضع لا يستلزم استقصاء جميع طرقه بذلك الحكم بل يكون للحديث الصحيح طرقة ضعيفة وموضوعة ولا يؤثر فيه ذلك فان الحق يتناوله الصادق والكاذب وممن روى هذا الحديث ابن سعد وابو نعيم فى الحلية عن ميسرة الفخر وابن سعد عن ابن ابي الجدعاء والطبرانى في الكبير عن ابن عباس فى لفظ : " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " ونقل على القارى فى " مرقاته " عن ابن ربيع أنه قال أخرجه أحمد والبخارى فى تاريخه والحاكم وصححه وقال الحافظ ابن رجب فى لطائف المعارف خرجه الترمذى وحسنه وفي نسخة : " صححه "
واقول : ان فى نسختنا الهندية الجمع بين التصحيح والتحسين ونصها بعد رواية الحديث قال : " هو حديث حسن صحيح غريب من حديث ابى هريرة لا نعرفه الا من هذا الوجه " وقد قوى هذا الحديث الحافظ ابن حجر وانما حكم الحفاظ بالوضع على هذه الجملة : " ولا ماء ولا طين " وعلى جملة : " وآدم بين الماء والطين "
وأما قصة بحيرا الراهب فقد ساق حديثها الترمذى فى جامعه وحسنه وصححه ابن الجزري وذكر ان رجاله رجال الصحيحين أو أحدهما كما نقله عنه صاحب تحفة الاحوذى والمنكر فى هذه القصة ذكر بلال وأبي بكر فيها وهو غير محفوظ وقد عده الأئمة وهما مع اثبات القصة كما ذكره ابن الجزري ونقله عنه صاحب التحفة ونقل كلام الذهبى
الذي اعتمد عليه المؤلف وما تعقبه به الحافظ ابن حجر حيث قال : ) رجاله ثقات وليس فيه سوى هذه اللفظة فيحتمل انها مدرجة فيه مقتطفة من حديث آخر وهما من احد رواته ( وقد ذكر الحافظ ابن القيم هذه القصة فى زاد المعد ولم يتعقب غير هذا اللفظة وجزم الحافظ الدمياطي بان فى الحديث وهمين احدهما قوله فبايعوه واقاموا معه فى بعض الروايات والثاني إرسال ابى بكر بلالا مع النبى صلى الله عليه وسلم فان بلالا لم يملكه ابو بكر الا بعد هذه السفرة باكثر من ثلاثين عاما وابو بكر ما ، بلغ عشر سنين لانه صلى الله عليه وسلم أسن منه وله فى هذا الوقت تسع سنين ولعل للالا لم يخلق بعد فلهذا الذى ذكره الحافظ الدمياطى قال الحافظ الذهبى اظنه موضوعا وذكر الذهبى ان بعضه موافق للواقع وبعضه غير موافق . وقد اجاب البرهان الحنبى عن هذين الوهمين بأن الضمير غير راجع اليه صلى الله عليه وسلم كما فهمه الدمياطي وإنما هو راجع لبحيرا فلا وهم فيه وعن الثانى بان الاثبات مقدم على النفي فلا يرد به وان ارسال ابى بكر بلالا لا يوقف على ملكه ولا على اسلام بلال فمن الجائز أن سيده أرسله مع أبى بكر فى تلك العير فأذن له ابو بكر بالعود معه صلى الله عليه وسلم يستأنس به واما كونه لم يخلق بعد فيرد عليه قول ابن حبان : بلال قرين ابي بكر في السن ومع هذا فالحق إبطال الباطل وإثبات الثابت فالقصة ثابتة والباطل ما بينه الحفاظ
