رأيت . .
كان من هدف جامعة الملك سعود بالرياض اعداد جهاز وطني كامل يقوم بالتدريس في الجامعة بعد
سنوات قد لا تزيد على العشر أن شاء الله . . وكنت من بين الذين اختارتهم الجامعة للبعثة الى انكلترا لدراسة الأدب العربي . . لا على اننا ندرس اللغة
في انكلترا فعندئذ سنصبح كمتطلب في الماء جذوة نار ولكن على اساس تفهم المنهج العلمي السليم وطريقة البحث والنظر عن قرب في آراء المستشرقين ونظرياتهم حول الأدب العربي قديمه وحديثه وتطور العربية في انكلترا فعندئذ سنصبح كمتطلب في الماء قربا وبعدا بالرسالة المحمدية . . كما ان بعضا ابتعث ليدرس احدث النظريات في النقد والبلاغة ليعود فيطبقها
على ادبنا العربي قصة وشعرا ونثرا وترجمة وما الى ذلك مما نفتقر اليه . . واظن ان كلا منا يتخيل المستقبل العظيم يوم يعود ابناء وطنه ليشاركوا في حمل الرسالة بما حملوه من علوم واسعة . . ومعارف جديدة الى حد كبير . . وتبدأ جامعتنا في اخراج افواج جديدة ينتشرون هنا وهناك لينشروا المعرفة والعلم . . كان من حسن حظى ان كنت احد اعضاء البعثة لعام ١٣٨١ وبعثتنا هذا العام عدد اعضائها تسعة . . ستة منا من قسم اللغة العربية واثنان من قسم التاريخ وواحد من كلية العلوم وهذا ابتعث الى امريكا . . واتجهت آراؤنا على ان نسافر الى انكلترا نحن الذين قبلنا في جامعات انكلترا قبل بدء الدراسة بحوالى شهر حتى نستطيع ان نستقر لنبدأ معها دون اضطراب ولا اريد ان أبدا معك يا قارئى العزيز بوصف رحلتى من المدينة الى جدة ومنها الى القاهرة لانه اصبح من مكرور القول ان اصف لك هذه الرحلة لانه ليس فيها من جديد فاغلبنا مر بطريق المدينة واغلبنا ركب الطائرة . . ولذا لا احدثك عن الطائرة وارتفاعها وانخفاضها .
فى اليونان
وصلنا مطار اثينا صباح يوم السبت الخامس من شهر اغسطس سنة ١٩٦١ . . وكان الجو لطيفا جدا والسماء صافية . . والشمس ساطعة مشرقة . . ولم نشعر بفرق بين درجة الحرارة في اثينا والقاهرة بل كان الجو متشابها . . وكان استعدادنا بلبس ملابس صوفية ثقيلة لا محل له . .
ولذا سرعان ما تخففنا منها وعدنا إلى لبس القميص الابيض والبنطلون . . ومطار اثينا عادى جدا . . كان رجال الجوازات فى غاية الخلق والظرف . . أما رجال الجمارك فيكفى انني لم اشعر بمضايقاتهم مطلقا . . وما ذلك الا للسهولة والبساطة وحسن المعاملة التى عوملنا بهم لم نفتح حقائبنا ولم نسأل عن كمية النقود التى نحملها . . لدرجة اننا حرصنا على عدم الوقوع في مشاكل بعدئذ جعلنا نسألهم عن ذلك . . قلنا لهم : اننا نحمل نقدا اجنبيا . . فقالوا لنا : لا ضير عليكم بامكانكم الخروج بنفس النقد الذى تحملونه . .
اخذنا طريقنا بعد انتهائنا من اجراءات المطار - التى لم تأخذ من وقتنا اكثر من ربع ساعة - اخذنا طريقنا إلى اتوبيس شركة الطيران السويسرية التى قدمنا على طائراتها . . وفي طريقنا إلى المدينة التفت الى زميلي الاخ الضبيب وقلت له : نحن الآن في اوربا . . قال وماذا تقصد بذلك ؟ . . قلت اننا ندخل عالما جديدا بالنسبة لنا ولاول مرة . قال : نرجو الله ان يعيننا كانت نفوسنا مليئة بالمخاوف من الشعب الاوربي او بالاحرى الشعوب الغربية . فكم سمعنا عن نظرتهم للغير وعن نظرتهم للعرب بالذات على اننا شعب - يعتقدون انه
شعب السيف والحرب والقوة وانه الشعب الذي لا يزال يعيش على الجمال والرعى ، والذى لم يغير - ما طرأ على حياته من ماديات جديدة - من طبعه شيئا ولا من تقاليده شيئا
وفي طريقي إلى المدينة طافت بفكرى ومضات من تاريخ اليونان . . تاريخ اثينا واسبرطة . . تاريخ فلاسفتها وحكامها . . قلت لزميلى : كل من تراهم ربما كانت فيهم آثار فلسفة او على الاقل ربما كان لكل فرد منهم فهم خاص ومعنى خاص للحياة يفلسفها حسب ما ورثه عن ابائه واجداده قال : ربما . . وربما كان الامر بالعكس كما يقول المثل الشعبى " النار ما تخلف الا رماد " قلت أليست في الرماد فائدة ؟ قال : لقد ادخلتنا في مبحث كيميائي . قلت : لا ولكنني اريد ان اقول : ان الشعب او الامة ذات الامجاد العريقة لا تخلو من وجود من يحاول محاولة الاجداد . اقال : أراك متفاءلا بدخولك اثينا ؟ ! قلت : لا ارانى الا متذكرا لمدينة افلاطون الفاضلة قال : وما صلة ذلك بوضعنا الحاضر قلت : لا اشك ان كلا منا يحلم بمدينة فاضلة يعيش فيها ومجتمع فاضل يعيش فيه وعلى هذه الارض نشأت الفكرة المثالية . . قال زميلى : اراك مسترسلا . . قلت : لا عليك لقد وصلنا الى جوف المدينة . وقف بنا الاوتوبيس عند مكتب شركة الطيران ومنه أخذنا طريقنا إلى احد الفنادق النظيفة و المعتدلة الثمن . . وكان الوقت ظهرا تقريبا . . خرجنا من الفندق بعد ان استرحنا قليلا وبعد ان سألنا صاحبه عما إذا كان بالقرب من الفندق اى مطعم يمكن ان نتغدى فيه ؟ . . واشار الى احد الشوارع المتفرعة من الشارع الرئيسي . . ذهبنا إلى هناك حيث وحدنا مطعما صغيرا . . دخلنا وليس
فيه احد وكم سررنا عندما وجدنا بعض الاطباق الشرقية التى لم نحلم بوجودها في أثينا . . طلبنا بعض من هذه الاطباق وخرجنا . . كان سعر الغداء بسيطا جدا . . والحقيقة ان الحياة المعيشية رخيصة الى حد ما اذ لا تبعد كثيرا عن مستوى الحياة المعيشية فى القاهرة - خرجنا من المطعم الى الشارع الرئيسى وجلسنا في احد المقاهى الكثيرة والمنتشرة في كل شوارع أثينا . . وكم كانت دهشتنا عندما قال لنا صاحب المقهى بلغتنا العربية " ايش طلبك يا افندم ! " ونظرنا إلى وجهه واذا هو وجه يونانى قال له زميلي : اعربى انت ؟ قال له : لا انا يوناني قلت له : وكيف تعلمت العربية قال بلغة عربية ولكنة اعجمية : كنت فى القاهرة والاسكندرية . عشت فى مصر ثلاثين عاما . وانا اعرف كل مكان فى مصر . قال له زميلى : وكيف عرفت اننا عرب . قال : من سحنتكم فانا اعرف سحنة العرب قلت له : اذن فنحن نريد شايا . قال : ثقيلا ام خفيفا ؟ قلت له : متوسطا . قال : انا اعرف أن المصريين يحبون الشاى ثقيلا ،
قلت له : نحن لسنا مصريين ولكننا اخوة لهم من المملكة العربية السعودية . قال : اهلا وسهلا وانصرف . وبمرور الأيام اكتشفنا ان اكثر اليونانيين يتكلمون العربية . . فلا نركب أتوبيسا الا ويكلمنا اليونانيون بلغتنا ويحيوننا ، ولا نقف لنشترى شيئا أو نسأل عن شارع أو مكان الا ونفاجا بلغتنا وما اشدها فرحة عندما كنا مرة فى مكتب الخطوط الفرنسية لنحجز للسفر الى ايطاليا اذ اكتشفنا ان كل موظفي المكتب يحسنون العربية باللهجة المصرية ، مما سهل التفاهم معهم ، وما ذلك الا للصلات الوثيقة بين اليونان والعرب او على وجه التحديد بين اليونان ومصر منذ اقدم العصور .
شوارع اليونان نظيفة جدا وواسعة . . وحركة المرور فيها مريحة . . يفهمها الجاهل والمتعلم ولا نجد من يخرق المرور ليعبر الشارع دون ان يسير على الخطوط البيضاء بعد أن يظهر النور الاخضر المرسوم عليه صورة رجل يمشى . . ولذا لانسمع صرير عجل السيارات ولا ابواقها بل كل شئ يسير بكل مرتب وهادىء
مما ضايقنا في اليونان ان الشوارع فيها مكتوبة باللغة اليونانية وبحروفها مما يصعب على السائح الاهتداء الى ما يقصده . . وحبذا لو كتبت اسماء الشوارع باللغة الانكليزية مثلا تحت اللغة اليونانية . . او اى لغة اخرى حتى يساعد ذلك على الاهتداء الى انحاء المدينة بسهولة .
والشعب اليوناني شعب طيب وخدوم يحب الغريب ويبتسم في وجهه كان يحدث ان نجلس في احد المقاهي واذا اكثر المارة يبتسمون في وجوهنا ويحيوننا . . أما انه خدوم فقد حدث ان طرا علينا أن نذهب الى شاطئ البحر ، كلمنا صاحب تاكسي ليوصلنا إلى البحر فلم يفهم ما نقول اذ انه لا يعرف الانكليزية فخرج من سيارته ودعا آخر ليتفاهم معنا فلم يفهم ما نقول اذ انه لا يعرف الانكليزية فخرج من سيارته ودعا آخر ليتفاهم معنا فلم يكن اكثر منه فهما وهكذا كل واحد يذهب ويأتي باخر ليتفاهم معنا حتى اجتمع علينا خلق كثير مما دعانا الى الهروب والغاء فكرة الذهاب الى البحر . وفي صباح اليوم التالي ذهبنا إلى صديقنا اليونانى الاول صاحب المقهى وطلبنا منه ان يدلنا على الطريقة التى يمكن ان نذهب الى البحر فدلنا وقال لنا كلمة " البحر " باليونانية لنقولها لسائقى التاكسي . وبمناسبة ذكر التاكسيات اود ان اقول ان سيارات التاكسيات في اليونان كلها من احدث طراز للشفروليه والفورد ومشتقاتهما . . وان تعريفة الركوب زهيدة الثمن فان اي مسافة في داخل المدينة بالتاكسى لا يزيد ثمنها على اربعة دراخما . . والدراخما هي وحدة العملة اليونانية . . والدولار الامريكي يساوي ثلاثين دراخما . . وبامكانك أن تتغدي في احسن المطاعم غداء كاملا بما لا يزيد عن دولارين او ستين دراخما . . بعد استشارة صديقنا اليونانى ذهبنا إلى
احد الشواطئ الشهيرة فى اثينا وامضينا هناك يومنا حيث الشمس المشرقة وحيث التقاء زرقة السماء بالماء وحيث التعاريج الرملية البيضاء المرتمية على الساحل
وفي يوم ثالث وباستشارة صديقنا اليونانى قصدنا زيارة " الاكروبول " وهو أحد المعالم بل اشهر معلم فى اثينا . . اخذنا طريقنا اليه بوساطة الاوتوبيس ونزلنا بالقرب منه . و " الاكروبول " هو قلعة يونانية عريقة فى القدم كانت تستعمل للدفاع عن المدينة وهي مع ذلك معلم فني يدل على عراقة الشعب اليونانى . . يقع الإكروبول على ربوة عالية . صعدنا هذه الربوة حتى وصلنا الاكروبول وهو عبارة عن مجموعة من المبانى المتفرقة هنا وهناك يمتاز بساحاته الواسعة تحيط بها عمد نحتت على بعضها تماثيل غاية فى الجمال والروعة والفنية . . تجولنا فى هذه المبانى وكان من مرغبات زيارتي لليونان رؤية مسرح الاكروبول الذى كثيرا ما تحدث عن عظمته وفنيته المتحدثون . . انتهت جولتنا دون ان نرى هذا المسرح . . قلت لزميلى : لابد من البحث عنه لرؤيته قال : هيا بنا وبدانا في البحث عنه حتى وقفنا عليه . . وجدناه محوطا باسلاك وممنوع الوصول اليه الا اننا استطعنا النظر اليه وأخذ صورة له . . ومسرح الاكروبول يمثل نصف دائرة . . المقاعد فيها متينة مبنية تدريجيا اما المسرح نفسه الذي يقف عليه الممثلون فوسط نصف الدائرة . . وعلى جانبي المدرج توجد ابواب يبدو انها تودى الى غرف الممثلين . والصورة هنا تمثل تقريبا نصف المدرج . . وخارج الاكروبول يقابلك باعة الصور التذكارية واكبر من هذا ايضا يقابلك مكتب بريد لكي تبعث منه صورا تذكارية لمن تحب . . وهكذا نرى
كيف يعنى اليونانيون بهذا الاثر وكيف يكسبون اعجاب السائحين .
كان بودى ان ارى جبال الأولمب وان ارى اسبرطة وان ارى أشياء كثيرة وارجو ان تحقق لى الايام ذلك . من فوق هذه الربوة بامكانك ان ترى اثينا من اقصاها الى اقصاها . . وقبل ان انهى حديثي عن اثينا اود ان ابدى اعجابي بحقيقة لمستها وهي عدم وجود الكوكا كولا وماشابهها من المرطبات الاجنبية انك لاتجد الا مرطبات يونانية اصيلة فهم يستغلون منتجات الفاكهة استغلالا كبيرا بحيث استطاعوا اقناع الشعب بوجوب مقاطعة كل ما يستطيع الاستغناء عنه . أما الفاكهة فما اكثرها وافخرها فى اثينا .
وفي صباح اليوم الرابع اخذنا طريقنا إلى المطار . . الى روما . . ليدز في ٣-٧-١٣٨١

