الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

تحقيق عن مقتل, سعد بن عبادة الانصارى

Share

طعن بعض المؤرخين فى سعد بن عبادة الانصارى فقالوا انه خالف جمهور المسلمين فى مبايعة أى بكر الصديق رضي الله عنه وزعموا أنه من جراء ذلك أمر عمر بن الخطاب بقتله وهو فى الشام وانه قتل بذلك ، وقد كتب هذا الزعم فى أحد المؤلفات المقررة فى بعض المدارس الا وهو تاريخ الخياط " قال فى الجزء الثاني ص ٦ ما نصه : ) لما بويع أبو بكر بالخلافة قال  عمر : اقتلوا سعد بن عبادة فانه صاحب فتنة فخشى سعد من القتل فرحل الى الشام فأرسل عمر رجلا الى الشام وقال له ادعه الى البيعة واحمل له بكل ما قدرت عليه فإن أبى فستعن الله عليه ، فذهب الرجل الى الشام فلقيه بحوران فى حائط فدعاه الى البيعة فقال لا أبايع قريشا ابدا قال انى أقاتلك قال وان قاتلتني قال أفخارج أنت مما دخلت  به الأمة قال أما من جهة البيعة فانا خارج ، فرماه بسهم فقتله وبقتله درئت فتنة ولما كان ما ذكر مخالفا للحقيقة والواقع رأيت أن أفنده وأن أثبت للقراء الصحيح فى هذا الأمر ازالة للتهمة عن هذا الصحابى الجليل وتقريرا للواقع وقد رأيت أن أمهد لذلك بكلمة . وجيزة عن ترجمته تعريفا بقدره لأقول : هو سعد بن عبادة الانصارى الخزرجي سيدهم يكني أبا ثابت وأباقيس وأمه عمرة بنت مسعود صحابية ماتت فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم سنة خمس وقد شهد العقبة الثالثة وعده البخارى وغيره من أئمة الحفاظ من البدريين وكان يحسن الكتابة والسباحة والرماية فلذلك سمى " الكامل " وكان هو وابوه وجده وابنه مشهورين بالجود . او كانت جفنته تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم فى بيوت ازواجه وقد كان منادى سعد ينادى على اطمه : من كان يريد لحما وشحما فليأت سعدا ، وكان يعشى كل ليلة ثمانين من اهل الصفة ، وفيه وفى سعد بن معاذ

جاء الخبر الذي رواه البخارى فى "تاريخه الأوسط" ان قريشا سمعوا صائحا يصيح ليلا على ابى قبيس :

فان يسلم السعدان يصبح محمد     بمكة لا يخشى خلاف المخالف

فظنوهما سعد بن زيد مناة بن تميم وسعد بن هذيم من قضاعة فلما كانت الليلة الثانية سمعوا صوتا على ابى قبيس :

ايا سعد سعد الاوس كن انت ناصرا     ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف

اجيبا الى داعى الهدى وتمنيا               على الله فى الفردوس منية عارف

فان ثواب الله للطالب الهدى              جنان من الفردوس ذات رفائف

والسعدان هما القائلان للنبى صلى الله عليه وسلم لما شاورهما فى اعطاء عيينة بن حصن من تمر المدينة يوم الخندق : يارسول الله ان كنت امرت بشىء فافعله والا فلا تعطيهم الا السيف فذكر لهما ان هذا رأى لا وحي فقالا : ماطمعوا بذلك منا فى الجاهلية فكيف اليوم وقد هدانا الله بك وايدنا واكرمنا  والله لا نعطيهم الا السيف ، فسر النبى صلى الله عليه وسلم بقولهما وقال لعيينة ومن معه : ما بيننا وبينكم الا السيف ، والقصة مشهورة ، هذا ورفع النبى صلى الله عليه وسلم يده فقال اللهم اجعل صلواتك  ورحمتك على آل سعد بن عبادة روى ذلك الامام احمد بن حنبل وابو داوود ، وروى ابو يعلى من حديث جابر ان رسول الله قال : جزى الله عنا الانصار خيرا لاسيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة .

ومع هذه الدعوات النبوية المضاف اليها ما تقدم من بدريته وفضائله ما استحيى ضعاف المؤرخين وما عظمت هيبة هذا الصحابى الجليل فى قلوبهم حتى نسبوا قتله الى الصحابة وهم براء من دمه فانه انما وجد ميتا فى مغتسله ولم يشعر الناس فى المدينة حتى سمعوا قائلا يقول :

قلنا سيد الخزرج         سعد بن عباده

رميناه بسهمين          فلم تخطئ فؤاده

ونفل عن ابن سيرين انه يزل قائما فلما رجع قال لاصحابه : انى لاجد دبيبا فمات . واجمع الحفاظ على ان موته فجأة وانه ليس بأيدى الصحابة واما عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فرويت عنه فى الباب جملتان انه قال : قتل الله سعدا

واقتلوا سعدا أما جملة قتل الله سعدا " ففسرها ابن الأثير في النهاية ، بكفانا الله شره واما جملة : اقتلوا اسعدا ، ففسرها أيضا بما لفظه اجعلوه كمن قتل واحسبوه فى عداد من مات وهلك ولا تعتدوا بمشهده ولا تعرجوا على قوله هكذا قال ابن الأثير . ولكن ما جرى بينه وبين قيس بن سعد حتى حلف قيس له " لو خفضت منه شعرة مارجعت وفي فيك واضحة ، ويبعد هذا التأويل ان صحت الرواية ، وعلى كل حال ما قتلوه ولم يأمر عمر بذلك ، وما صدر هذا الكلام من عمر الا قبل بيعته لأبى بكر وقد صححها صاحب تعقيب التقريب وخطا القائل بعدمها وقال عنه : العجب انه يأخذ من الرواية أضعفها ومن الاقوال اوابدها ، والصواب ان سعدا بايع ثم خرج الى الشام وضعف البرهان الحلبى فى سيرته رواية ابن عبد البر من انه ما بايع حتى لقى الله تعالى وروى الامام أحمد انه لما قال له أبو بكر : لقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وانت قاعد : قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم ، قال له سعد : صدقت نحن الوزراء وانتم الامراء .

اشترك في نشرتنا البريدية