الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

تحليل قصة :, فى قصيدة للحطيئة الشاعر

Share

من النواقص الملحوظة فى الشعر العربى عدم وجود القصص الصغيرة التى تصور جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية تصويرا يعتمد على المشاهدة والحوادث ، وما تستلزمه القصة من مفاجأة وعقدة وحل نهائي ، وقد عثرنا للحطيئة الشاعر المخضرم ، على قصيدة تكاد تكون نموذجا صحيحا لهذا لذى نطلبه فلا نجده .

ورأينا ان نتولى عرض هذه القصة الشعرية مع تعليقات وجيزة على حسب ما يتسع له حجم هذه المجلة فنقول :

ابتدأ الحطيئة قصته بوصف اسرة تعيش فى صحراء موحشة يحار الطرف فيها ويتثاءب الضجر منها فقال :

وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل      ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما

اخي جفوة فيه من الانس وحشة        يرى البؤس فيها من شراسته نعمى

وافرد فى شعب عجوزا ازاءها             ثلاثة   اشباح   تخالهم   بهما

حفاة عراة ما اغتذوا   خبز ملة       ولا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما والابيات بارعة التصوير، تنقل القارئ إلى تلك البيئة المكروبة والوحشة المتمددة ، وترسم له صورة طبق الاصل لأسرته المكدودة المتألفة من عجوز ضئيلة الجسم يحف بها اطفال او اشباح لا تكاد تجد فرقا بينهم وبين البهائم ، ولا تفوتك دقة الملاحظة فى جعل طعامهم خاليا من خبز التنور . وبعد ان احكم وضع الدعامة الاولى للقضية انتقل الى سرد حوادثها، فقال واصفا الضيف المنتاب :

رآى شبحا وسط الظلام     فراعه    فلما رآى ضيفا تشمر واهما

فقال هيار باه ضيف     ولا قرى     بحقك لا تحرمه تا الليلة اللحما

والدقة هنا بالغة غايتها؛ والمناسبة جميلة فى تصوير الضيف شبحا ليتلاءم الوصف مع اطفال البدوي المنقطع فى غيابة الصحراء . وفطنة الحطيئة الى تشمير البدوي واهتمامه بضيفه، بديعة، لانها تمثل حقيقة كرم العربي واهتمامه بضيفه ، ولو كان بيته خاليا .. على ان الحوادث تسير على غير ما يرام ويسقط فى يد البدوي عندما يجد محله جديبا وفناؤه فارغا، ولكن التضحية بالنفس هنا هى الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق . واذن فليتقدم الابن للغذاء :

فقال ابنه لما رآه بحيرة            أيا أبت اذبحني ويسر له طعما

فروى قليلا ثم احجم برهة       وإن هو لم يذبح فتاه فقد هما

وهنا تتعقد المسألة ؛ وتبدو صعوبة الحل باجلى صورها .. أليس الاب ضنينا بابنه ? فكيف يسمح باراقة دمه ? ولكنه الحل للمشكلة ، وطريق الخلاص من المأزق ، وجميل جدا هذا (( الهم )) الذى يعد ابلغ وصف للمتردد بين الامرين ، المتذبذب بين الجانبين .. ولكن الحطيئة يفاجئ الموقف بما يحل العقدة بصورة مؤقتة ليتسنى له ان يأتى بالحل النهائى :

فبيناهما عنت على البعد   عانة        قد انتظمت من خلف مسحلها نظما

والعانة هى قطيع الحمر ، والمسحل هو القائد الذى يسير أمامها الى مناهل الماء للارتواء ، ولاعجب فقد كانت :

عطاشا تريد الماء فانساب نحوها        على انه منها الى دمها أظما

وجميل جدا الموافقة اللفظية الملحوظة فى (( انساب )) لمناسبة وجود الماء؛ ولكن البدوي مستجمع لكريم الطباع ، فلا يروعها ولا يبادر الى ازعاجها ، بل يصبر عليها حتى ترتوى عطاشها . فهل أمهل ابناء المدنية الحديثة الشعوب الضعيفة حتى تستتم حاجاتها فلا تراع وتخاف?...

فامهلها حتى تروت عطاشها            فارسل فيها من كنانته سهما

فخرت نحوص ذات جحش سمينة      قد اكتنزت لحما وقد طبقت شحما

وهنا تنحل العقدة بصورة نهائية ، فقد ظفر بطريدة سمينة ، وعندئذ تغيض الاحزان وتعود البسمات ويشيع الطرب والبشر فى النفوس ، ويسدل ستار الختام :

فيا بشره إذ جرها نحو قومه          ويا بشرهم لما رأوا كلمها يدما

وبانوا كراما قد قضوا حق ضيفهم   وماغرموا غرما وقد غنموا غما

وبات ابوهم من بشاشته أبا          لضيفهمو ، والام من بشرها أما

                          * * *

القصة ساذجه تمثل سذاجة البدوي أصدق تمثيل ، وتسلسل حوادثها صحيح فى منطق الضاربين فى متاهات الصحراء المنقطعين عن معالم العمران . اما الحركة فيها فواضحة قوية،وكأنى بالقارئ يسمع صوات الحفاوة ويرى مجلي الايناس فى البيت الاخير منها عندما استحال الاب أبا للضيف والام أما له ، فكأن الجميع لم يكونوا يتململون من الطوى ويعصون الحجر على البطون . واذن فما اجمل الحياة لو سادتها القناعة ، وما اوفر هناء ابن آدم لو اكتفى بما حصل له ولكن الانسان ظلوم كفار ...

بيروت - لبنان

اشترك في نشرتنا البريدية