كانت ( فاطمة ) تعد طعام العشاء عندما دخل وحيدها ( فوزى ) يستأذنها فى الخروج مع اولاد ( بوزريعة ) احدى ضواحى العاصمة ، ليمرح ويلعب . .
و كانت( فاطمة ) لا تسمح لولدها بالخروج الا قليلا ، لان الخوف من جنود المظلات اصبح لا يفارقها منذ ان اخذوا يمدون ايديهم الاثيمة بالغدر والتنكيل الى الاطفال الصغار تشفيا وانتقاما .
ولكن ( فوزى ) بابتسامته الساحرة ، وصوته الحالم العذب ، وقبلاته الحارة ، التى اخد يطبعها بغير انتظام على خد امه ونحرها ، استطاع ان ينتزع منها السماح بالخروج مرفوقا بالدعوات ان تحفه عناية الله .
خرج ( فوزى ) يرقص طربا ، تاركا امة على حالة احر من الجمر، خشية ان تصاب فى الصميم هى الاخرى ، بعد ان اصيبت اختها ( زهرة ) سيما عندما اذنت الشمس بالغروب ، واخذت الطيور تجثم على الاشحار فى فناء البيت .
من هذا الوقت بالضبط كانت فرقة من جنود المظلات تذرع الشارع الرئيسى - بابى زريعة - بعد ان انتهت من عملية ترويعية ، قامت بها هناك فى احد منازل الفدائيين ، ولم تكد تصل الى حيث الاطفال يلعبون ، حتى اندفع احدهم الى الامام ، وهو ضابط صغير يامر الاطفال بالوقوف مشهرا رشاشته فى وجوههم ، فوقفوا واجمين ، يسودهم صمت رهيب ، وتعلو وجوههم كآبة سوداء ، ثم اقترب من ( فوزى ) واخذ يداعبه ، وهو يرتعد فرقا ، وينظر يمينا ويسارا ، نظرة المستنجد الحائر ، ولو تكلم لقال :
ابعدوه عنى ، انه ذئب فى صورة انسان .
وهذه المداعبة وسيلة شيطانية يستعملها الضباط مع الاطفال ليتسقطوا منهم معلومات واخبارا عن تحركات الفدائيين .
ولم يكن الطفل يتجاوز التاسعة من عمره ، ورغم ذلك فقد استطاع ان يلقن الضابط اقسى درس فى الوطنية الصادقة .
ذلك انه لما رفض ان يجيبه على هذه الاسئلة :
اين والدك ؟ . . هل يبيت عندكم ؟ وهل ترى المجاهدين ؟ . . ناوله قطعة من الحلوى ، وقال له : - قل تحيا فرنسا . .
فهاج الطفل وثار ، ورمى الضابط بالحلوى ، وقال فى لهجة صارمة : تحيا الجزائر . .
وما كان من الضابط الا ان اخرج مسدسه وافرغه فى صدر الطفل البرى فاخترقت رصاصاته قلبه ورئتيه ، فتلوى المسكين من الالم ، واختنقت الصرخة فى حلقه ثم لم يلبث ان صار جثة هامدة .
ذهب الجنود الوحشيون ، وقد اطفاؤا ظمأهم ، وارضوا وحشيتهم التى لم تهذبها حضارة ، ولم يقيدها قانون ولا شريعة ، فتجمع الاطفال يبكون زميلهم ( فوزى ) وهم يريدون ان يتعلقوا بالسفاح المجرم لو كانوا يستطيعون ، ويتمنون لو كانوا كبارا حتى يثاروا له من هؤلاء الذين تتبرأ منهم الانسائية ، وتنصب عليهم لعنة الله .
وكان الشيخ احمد جد فوزى من الام بصدد الخروج من المسجد ، وقد انتهى من صلاة المغرب عندما بلغه نبأ مقتل حفيده فخف خارجا ليقف على جلية الامر ، وقد انعقد لسانه ، وتحطمت اوصاله ، واحس بقلبه يثب بين اضلاعه ، ولم يكد يخطو خطوات حتى اقبل جمع من الناس يحملون جثة ( فوزى ) ضحية النهمة الاستعمارية ، فلم يستطع الشيخ احمد ان يتمالك ونفسه فاستند الى جدار خشية ان يقع على الارض ، وقبل ان يصلوا اليه ببعض خطوات تجلد وجمع قواه ثم اشار لهم ان يمشوا رويدا رويدا حتى يسبقهم الى بنته ( فاطمة ) .
لقد ساورت ( فاطمة ) وساوس ومخاوف ، وحدثها قلبها بالفاجعة ، وشعرت بنذر الشر ، واحست بالدنيا تعبس فى وجهها ، واشتد خوفها ، وكادت تستيئس منه ، ففتحت نافذة تطل على الشارع وتسمرت امامها علها تسمع او ترى . . فاقبل الشيخ احمد يتكئى على عصاه وهو يردد فى صوت اليم يقطعه السعال . .
انا لله وانا اليه راجعون . .
فادركت ( فاطمة ) ان الكارثة قد اصابتها ، فسارعت الى فتح الباب وهى تقول :
أقتل فوزى ؟ . . أين فوزى ؟ . . اجبنى يا ابتاه ؟ . .
فلم يكد الشيخ احمد يكاشفها بالحقيقة حتى وصل فوزى الى الباب مخضبا بدمائه ، واخذوا يدخلونه ، وهم يتصايحون بوحشية الاستعمار الفرنسى ، فاندفعت الى الباب ، واطلقت صرخة مدوية ، اقتلعتها من اعماقها ، ثم وقعت مغشيا عليها من هول المصاب . .
وكان الشيخ احمد يحاول ان يسعف بنته عندما دخلت الباب شقيقتها ( زهرة ) التى ثكلها فى وحيدها ايضا جنود المظلات منذ ثلاثة اشهر . وكانت خلال هذه المدة لا ترى الا شاحبة الوجه ذابلة العنين ، فاقتربت من اختها فى خطى متثاقلة ، كانها تقتلع رجليها من الارض اقتلاعا ، واسندتها الى صدرها وأخذت تسعفها ، والناس من حولها يتبادلون الحديث مع الشيخ ، و يصفون له الواقعة حسبما تناقل وصفها الاطفال . .
وبعد لأى افاقت فاطمة من اغمائها ، تتصبب عرقا وفى ماقيها دموع حائرة ، واخذت تنظر الى من حولها نظرات شاردة ، وترهف اذنيها لتلتقط ما يدور من الحديث بين الحاضرين ، فنظرت اليها اختها ، وقد امسكت براسها ، وانشأت تقول :
خففى من حزنك يا اختاه ، وتشجعي . .
واعلمى ان موت فوزى ومن قبله توفيق ، وان نغص علينا الحياة ، وسود امام اعيننا الدنيا فهو شرف لنا وفخر . .
فقد قتل توفيق لانه رفض ان ينظر الى ابيه عندما جرده السقاط الفرنسيون من جميع ثيابه واجبروه على الرقص امام الملأ اهانة وتشفيا حتى قتلوه . .
وقتل فورى لانه هتف بحياة الجزائر ، ورفض فى اباء وشمم ان يهتف بحياة فرنس . فكلاهما سجل بموته اروع صفحة فى تاريخ البطولة الحزائرية . فلتهنأ روح توفيق فى الملأ الاعلى بروح فوزى .
ولنهنأ نحن بهذه التضحية الغالية فى سبيل الوطن العزيز. وما ان انتهت زهرة من هذه الكلمات حتى اشرقت بسمة على ثغر فاطمة ،
واستوت قائمة كانها نشطت من عق ل ، وتقدمت الى فوزى ورفعت عن وجهه الستار وقبلت جبهته وقالت فى صوت مختنق :
ما ذنبك يا ولدى ؟ وباى حق قطعوا عليك حياتك ؟ . .
ولكنهم مجرمون سفاكو دماء مجردون من كل المشاعر الانسانية .
قالت ذلك ثم ولت مدبرة ، واقسمت جهد اليمين لتلتحقن بالجبل حيث زوجها وحيث ستثأر لولدها اعظم ثأر وشفعت بيمينها (زهرة) مؤكدة ان ذلك اغلي امنياتها منذ بدء الثورة . ثم زلزلت اركان البيت بالزغردة وتفرق الجميع وقد اسر البابهم اعجاب ودهشة .
وهكذا التحقت الشقيقتان بارض المعركة وضمهما جبل " البليدة " حيث جاءتنا رسالة منهما تفيض حماسا وعزيمة وايمانا وتقولان فى ختامها :
ثقوا اننا المنتصرون ، وان علم الجزائر الذي كتبنا تحت ظله هذه الرسالة سيرتفع فى كل مكان من الوطن رغم انوف المستعمرين ، وقد عقدنا العزم على احد امرين اما الحياة واما الممات

