يا رفيق العمر يا صديقى ، ( * )
لقد طال فراقك وسوف يطول ويطول ؛ ولست أسميه - مغالطة للنفس وتمويها - غيابا ، فانى مهما التذذت بأدبك ، وطربت أيما طرب لكتابتك وهى صورة منك لا أصدق ولا أوفى ، ونفحة من ذاتك لا امتع ولا أزكى فان ذلك لا يعوضني شيئا ، ولا يسلينى الا قليلا عن شخصك الحي ، وكيانك النابض ، وروحك الناضر الفتى ، الشامخ المتعالى أبدا
أدبك ، نعم الادب ، فى بساطته وسلاسته ، فى عفويته وصراحته ، فى جرأته وتحديه ، فى حيويته الدافقة وشاعريته العذبة فى رجولته الطاغية وانسانيته الحق . . . جزل رقيق ، ناعم صلب ، فكه لذيذ ، صارم جاد ، ولا ثقل ولا كثافة ، ولا تحذلق ولا ادعاء ، ولا وعظ ولا ارشاد ، وانما هو التلميح البارع ، والاشارة الدالة ، والايحاء اللطيف الدقيق . طبع قوى خصب وصنعة كيسة ناضجة .
كذا أدبك . . نبذة من ملامحة ، وبعض من كل لا سبيل الى تبيان دقائقه وابراز خواصه ، دون فصم وحدته والنيل من روحه وحقيقته - وهل يوصف الادب الاصيل أو يعرف ويحد ؟ ! - الا ان هناك شيئا أجل وأعظم ، وأروع وأعجب واندر وأعز منالا ، فلقد جعلت من حياتك ذاتها صورة من صور الفن ، فكأن كل ما فيك وما اليك ، سواء الهيئة والسلوك ، والحركات والافعال ، أو المجلس والبيت . كل ذلك قد وقع توقيعا ، ووزن وزنا
وضبط إحكاما ، فلا شئ أبغض عندك من النشاز ، ولا أسمج من الفوضى والاضطراب . اتزان ورصانة في يسر وطلاقة ، ولا أثر البتة لاستكراه او زماتة
انه منطق لا بل روح التوازن والاعتدال ، والتناسق والانسجام يسود عامة احوالك ، وينعكس على جميع تصرفاتك وردود فعلك
فكأنما لم يغنك ولم يشف غلتك فن القول وروعة الكلم ، فأبيت الا ان تكون فنانا مرتين ، تصنع الجمال بقلمك ، وتعيشه أعمق ما يكون العيش ، وتجسده فعلا " ، وتحققه " وجودا " .
أنت تعشق اللهو - لذة كان أو هزلا - وهل أظرف من فكاهتك وأطبع من مزاحك ؟ ! اللهو ، نعم ! تكاد أن تتخذه مذهبا ودينا ، فلسفة ومبدأ حياة ، لولا ما جبلت عليه وارتضيته من شهامة ونبل مشاعر وتصون واحتشام ، إيمانا بأن الافراط فى أى شئ عدو الكيف والجودة ، وقرين السخف والضحالة ، وأن لا خير فى اللهو ما لم يلجمه الخلق ، ويهذبه الذوق ، وتهيمن عليه المروءة
فأنت رجل اللذة تحبها وتهواها ، تتقبلها بجميع جوارحك ، وينفتح لها كيانك مشرقا مهللا ، فيقتات منها ويلتمس كنهها ، متذوقا اياها فى شغف واكبار ، فى مثل وقار الشيوخ وأريحية الفتيان ، وقد رأيت فيها بابا من أبواب الخير والسعادة ، وطريقا الى الانسان السوى التام ، لا باطل في ولا زيف .
وانت رجل الجد والحزم رجل الواقع والمثال ، لا يقنعك اللهو ، وان طاب ، فى مجالس الانس والسمر ، ولا العيش ، وإن جل ، بين الصحف والكتب ؛ فأنت للناس وللاصدقاء تهبهم وتهب لنفسك من وقتك دون حساب تبش فى وجه كل أحد ، ولا يرد عن مجلسك أحد ، سواء المتأدبون والعوام تصغى الى الجميع فى ادب جم وفضول حى لا يفتر ولا يكل ؛ مطلبك وغاية مبتغاك الانس الرفيع وتفهم الحياة أعمق فأعمق ، تجود بهما عفوا ، وتجتنيها من كافة جلسائك ، الصغير والكبير ، الخاصي والعامى ، فالانسانية الحق عندك - رغم عشقك للادب وميلك الى أهل الفن ليست حكرا على جنس من الناس دون غيرهم ، ولا وقفا على طبقة أو فئة دون أخرى .
وإصرارك العنيد وحرصك الدؤوب على أن تكون انت ، ان تحيا كما أنت ، أن تفي لذاتك وصورتك الحق ، تستجليها وتثبتها متجاوزا كل متعارف مصطلح عليه ، وكل مسلم به مروغ منه . ذا شأنك فى الجليل والصغير من الامور فى أسلوب تفكيرك ، ونمط ذوقك ، فى حديثك ومذهبك فى التعبير ، فى الزى واللباس ، حتى الجلسة ، وطريقة التدخين ، ونوع الشراب ، كل مميز بسمتك الفريدة ، وموسوم بطابعك الخاص
لم تكن ، دهرك ، كتبيا ، تسجن نفسك بين الورق ، حشرة سخيفة صلفة متعاظمة ، ترعى العث والغبار ، وتفرز العث والغبار
عصاميا كنت . . انطلقت من ذاتك ، واعتمدت ذاتك ، فانتهيت اليها .
كنت عاريا بسيطا ، مستخفا بالالقاب والشهادات ، مستهينا بالمراكز والمناصب ، وانما وراءك تجربة حياة وخبرة عمر ، ومعك موهبة وذوق ، وأي موهبة وذوق وفوق ذلك عشق للحياة ليس كمثله عشق ، وهيام بالادب والفن ليس مثله هيام
عشق للحياة وليس بينك وبينها وسيط أو حجاب ، ولا وصي أو رقيب وخبرة عمر بل خبرات حتى لكأنك اشخاص فى شخص واحد ، اذ كنت حينا تاجرا ، وحينا مزارعا وطالبا وأديبا ومدرسا وهوى فنون ، فعرفت أصنافا شتى من البشر ، وعايشت فئات عدة من الناس ، فأمنت بعمل اليد وشرف العمل ايمانك بالقلم والكتاب ، لاتفرق بينهما ، كلاهما يفضى الى الآخر منه يفيد ويستمد ، وعليه يقوم ويتأسس
لقد كنت مثال البساطة والاصالة فى كل شئ ، والطرافة والتميز فى كل حال ؛ لذا أحييك تحية بسيطة عميقة ، كما تريد أنت أن تكون المشاعر والافكار ، وكدابك في كل شئ . . تحية مرآة لنفسك . . قبسا منك اليك

