الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

تحية إلى مجلة " الفكر" في عيدها الثلاثين

Share

أيها الملأ الكرام ، (*)

فى هذا الزمان العربى الذى انفرط فيه عقد كل شئ ، فتناقضت المواقف، وتمزقت الوشائج ، وتناكرت الارحام ، وتدابر الاهل ، وتقاتل الاخوة ... فى هذا الزمان أصبح من أوجب الواجب أن يسارع المرء الى تلبية كل دعوة الى اللقاء ، والى الاستجابة لكل نداء الى الاجتماع ... فكيف اذا كانت الدعوة من تونس ... وكان النداء الى الاجتماع فى رحابها !

وفى هذا الزمان العربى الذى اجترأ فيه الباطل على الحق ، وهانت فيه . الاقلام ، وضلت الافهام ، وتخبطت الافكار وزاغت الابصار ، وساد الاستسهال والارتجال والابتذال ، وفقدت الكلمات دلالاتها بعد ان اتسعت الفجوة بين التعبير والتفكير ، وبين اللسان والشعور ... فى هذا الزمان أصبح من أوجب الواجب أن يسعى المرء الى لقاء من يستطيعون وضع الامور فى مواضعها، وتوضيح المقاييس والمعايير ، وتجلية القيم والمثل ، وتصحيح المفاهيم والافكار ... فكيف اذا كان هذا النفر يلتقون فى ظلال مجلة ((الفكر)) التى كانت على مدى ثلاثين عاما منبرا لكثير من تلك المعانى والاتجاهات !

وفى هذا الزمان العربى الذى انفصل فيه صاحب الحكم عن صاحب القلم، وأصبح فيه صانع القرار متوجسا من صانع الافكار ، وقامت العلاقة بينهما اما على التبعية والنفاق ، واما على العداوة والشقاق ... فى هذا الزمان أصبح من أوجب الواجب أن نسارع الى لقاء من استطاع أن يجمع الامرين ، ويمسك بزماميهما ، ويوازن بينهما ، ويستعين برجالهما ، مختارا زملاءه وأعوانه منهم ، فأحدث هذه النهضة الفكرية الادبية فى بلده ، وارتقى بمستوى الحكم

الى حيث تتعانق الحرية والمسؤولية عند الحاكم ، فتتحقق بذلك الحرية المسؤولة عند المواطن .

فى تونس ، موطن العزة والكرامة والنضال ، ومرتع الفتون والجمال ، ومسرح الفنون والخيال ، واحتفاء بما حققته مجلة ((الفكر)) من الاستقرار والاستمرار ، وتكريما لصاحبها ومؤسسها وموالى اصدارها المفكر التونسى العربى الاستاذ محمد مزالى ، نلتقى اليوم فنجتمع فى بلدنا حين نجتمع فى تونس ، ونلتقى مع أنفسنا حين تلتقى مع أهلها ، ونحتفى بفكرنا وشرف لغتنا حين نحتفى بمجلة ((الفكر)) ، ونكرم المعانى الرفيعة التى يمثلها الاستاذ محمد مزالى حين نكرم شخصه .

ففى افتتاحيات مجلة (( الفكر )) التى دبجتها يراعته ، وفى فصول كتبه مثل : ((مواقف)) و ((دراسات)) ، و((وجهات نظر)) ، نرى خطا ثابتا ، يتفاوت التعبير عنه بين التأكيد والتصريح ، وبين الاشارة العابرة أو التلميح ، وهو خط ان أخطأته العين حينا ، لمسته النفس ، وأدركه الشعور ، بين ثنايا التعبير ومن خلال السطور . هو خط يرسم ملامح الذات التونسية ، ويبرز جوهرها العربى الاسلامى، منذ أوائل صدور المجلة حين جلجل صوت محمد مزالى فى افتتاحيات السنة الاولى بقوله (I) : ((بذلك تحافظ الامة التونسية على اسلامها وعروبتها فى أشرف معانيهما وأنبل مقاصدهما ، وتستمد من قيمهما الخالدة وكنزهما الزاخر ما به تتبوأ مكانة مرموقة بين الامم ، وتساهم فى اغناء التراث البشرى . وبذلك تكون قد ربطت بين ماضيها المجيد ، وحاضرها الباسم، ومستقبلها الزاهر)) .

ويستمر الخط فى وضوحه والصوت فى دويه كلما مرت الاعوام ، الى ان نصل الى السنة العاشرة من عمر المجلة فتزداد معالم الصورة بروزا فى قول صاحب الافتتاحيات : (2) ((عشر سنوات تمر منذ أن أوقفت عزيمة الشعب، وحنكة الزعيم الفذ ، تيار الفرنسة ومسخ الذات ، وفرضت ارادة المكافحين الصادقين على((التاريخ)) و ((طبيعة الاشياء)) أن تبقى هذه الامة عربية اسلامية، حرة كريمة تقرر مصيرها بنفسها ، وتساهم بقسطها فى خدمة الانسانية واقرار الاخاء والوئام بين البشر)) .

ومن شاء أن يرى الصورة كاملة الاجزاء ، واضحة الخطوط ، زاهية الالوان، فليقرأ محاضرة محمد مزالى سنة احدى وسبعين وتسعمائة وألف بعنوان ((فى التونسة والتعريب)) (3) فقد أورد فى تلك المحاضرة ((من معانى الحضارة التونسية والاصالة القومية التى يتعين ان يعيها الشباب ويلتزموها ويقفوا حياتهم من أجل تركيزها وتغذيتها . . .)) وذكر أن قضية التعريب فى تونس ليست ((قضية هامشية ولا ظرفية ، انها قضية مصيرية تتعلق بسلامة الكيان القومى)) . ثم أكد ((أن التعريب ركن أساسى من التونسة التى هى روح قبل كل شئ ، وارادة قومية)). وحين تحدث عن برامج التعليم والتثقيف ونشاط الشباب ووسائل الاعلام ، قال : ((ولابد فى هذا المقام من الاتعاظ بالماضى لتفهم الحاضر ، والتذكير ببعض المعطيات والحقائق . ذلك أن الاستعمار كان منذ عشرات السنين يهدف قبل كل شئ الى القضاء على ذاتيتنا ، انه لم يقنع بالهيمنة السياسية ، ولا اقتصر على امتصاص ثرواتنا الاقتصادية والفلاحية ، بل كان يعمل على تمييع الشخصية القومية ومحو مقوماتها ، ليسهل عليه تشتيت شمل الشعب والنجاح فى عملية التوطين والفرنسة ... وأول ما تصدى له الاستعمار مقومات الامة الاساسية ، وفى مقدمتها الدين .. واللغة والتاريخ ، مما نتج عنه التنكر للذات والزيغ عن القومية .. )) وتحدث الاستاذ محمد مزالى فى هذه المحاضرة عن ((الغزو  والهضم الحضارى)) وعن ((السموم التى لا يخلو منها تعليم أجنبى يخططه ويمارسه أساتذة أجانب)) . ولم يكن هؤلاء الاجانب وحدهم بل ان من الناس من ضربت فيهم حينذاك سوسة الاستعمار ، وتسرب اليهم داء الانهزامية ، فاندمجوا فى القوم الغالبين ، وادعوا أن القضية قضية تقدم ومدنية ، وأن الواجب يتمثل فى اللحاق بقافلة الدول المتقدمة ، وسمى هذا النفر بأصحاب ((النظريات)) الذين كانوا يريدون أن يميلوا بتونس ذات اليمين وذات الشمال، ويخرجوها عن حقيقتها ويجردوها من ذاتها ، ليلصقوا بها صفات غريبة عنها دخيلة عليها ، ويجعلوها تابعة لغيرها ، وقال عنهم انهم ذهبوا الى أن ((التونسة والتعريب تعصب وانغلاق على النفس)) ، ثم قال : ((وكل هذه النظريات ... منتحلة لطرائق العلم والبحث الموضوعى ، وحاملة لشعار عصرى براق ألا وهو التفتح)) ، وتحدث عن أثر الحزب الحر الدستورى الجديد بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبه ، فقال : (( ولعل أجل خدمة قدومها رجال هذا الحزب تتمثل بالضبط فى تغيير مجرى التاريخ بهذا الجزء من العالم العربى الاسلامى والمغرب

الكبير . كان وطننا يسير نحو الاندماج والذوبان والانقراض فغيرت عزيمة التونسيين المخلصين هذا الاتجاه بعد كفاح مرير وبذل وفير ، ونشأت من جديد منة عربية اسلامية مستفية ذات سيادة لها مميزاتها وكيانها بين الامم)).

والمحاضرة تغرى بالاستكثار من الاقتباس ، لانها حافلة بالفكر الاصيل ، والنظرة الصائبة ، والتحليل العميق ، والتوجيه السديد ، ولانها - فوق كل ذلك - لا تقتصر فائدتها على معرفة الماضى وادراك ما كان يحدث فى عهد انقضى ولم تبق له آثار ، وانما تمتد فائدتها الى الزمن الحاضر والتنبيه على المخاطر المحدقة بنا ، لان هؤلاء المستعمرين ومن نشأوهم على أفكارهم ومعتقداتهم لا يزالون يندسون بيننا ، وينشرون تلك الافكار فينا ، ويحاولون تدميرنا من داخلنا ، والى ذلك أشار الاستاذ مزالى بقوله : (( بينما كان الشعب التونسى منصرفا بكليته الى معركة الوجود واثبات الذات كنا نسمع نغمات ما أشبهها بما يتطرق الى أسماعنا اليوم من حين لآخر)) .

وبعد ،

فهذا خط واحد لا يسمح المجال فى مثل هذه الكلمة الموجزة فى حفل الافتتاح بالتوسع فيه ، ولا يتجاوزه الى غيره ، وهو أحد خطوط كثيرة تؤلف صورا حافلة بالمعانى والمثل والافكار التى خاضت معاركها مجلة ((الفكر)) ، وخاضها صاحبها ومؤسسها رجل الحكم والقلم الاستاذ محمد مزالى ، ومعه نفر كريم كانوا - بايمانهم الراسخ وعزمهم الشامخ - الركائز والدعائم التى قامت عليها دعوة الحق ، فكشف النقاب عن وجه تونس الاصيل وعن حقيقتها العربية المسلمة .

أيها الملأ الكريم

أليس هذا وحده ، كافيا لاشعر بالبهجة والاعتزاز ، لاشتراكى فى هذه الايام التونسية العربية ، التى يلتقى فيها نفر من أبناء العروبة ليحتفلوا بحقبة من مسيرة تونس ، وأبنائها البررة ، نحو تحقيق الاصالة واثبات الذات ؟ وهؤلاء الذين كرمونى بدعوتى الى المشاركة فى هذه الاحتفالات ، أليس من الواجب علي ، ومن الحق لهم ، أن أشكر اليد التى أسدوها الي بهذا الصنيع، وأن أفخر بالثقة التى أولونيها حين وجدونى أهلا لثقتهم ، جديرا بأن أقف

أمامكم هذا الموقف لأتحدث باسم الاخوة العرب المشاركين فى هذه المناسبة التونسيه العربية ؟ ولست أدرى كيف وقع علي الاختيار ، وكلكم أفصح لسانا وأنصع بيانا وأولى منى بهذا الموقف ؟ فان رضيتمونى فقد أصبتم وأحسنتم !! والا فليس هذا أول اختيار يقع فى غيبة المختارين وعن غير رضى منهم !!

تحية للمجاهدين بأقلامهم وأفكارهم ، المؤمنين بقضايا بلدهم وأمتهم ، المدافعين عن معانى الحق والكرامة ، المعتزين بانتمائهم العربى وانتسابهم الاسلامى ، العاملين على تأصيل شخصيتهم الثقافية . تحية للاستاذ محمد مزالى ولصحبه الكرام الذين رافقوه فى دربه الطويل الشاق ، وفى كفاحه النبيل الشريف . فتبادلوا بينهم الراية ، وحافظوا عليها عالية خفاقة ، فالتأم حولها الشمل وتضافرت الجهود . تحية لهم وسلام عليهم وعليكم أجمعين .

اشترك في نشرتنا البريدية