بارك الله مولد " الفكر " ، وبارك رحلتها الشاقة فى حمل رسالة الثقافة والعرفان ربع قرن ، وبارك الله الايدى التى أرست قواعدها وأقامت دعائمها وشيدت لها بنيانا مشمخرا ، وبارك الاقلام التى سطرت فى صفحاتها مفاخر للضاد وأمجادا للعروبة الحق ، وبارك الرسالة التى وقفت عليها عمرها الفتى الذاهب وعمرها الرشيد المقبل ، تنبرى لادائها بأمانة الرسل وصدق المجاهدين وعزيمة الابرار ، وبارك الله فضلها على الادب والآداب . ففى الادب ترفع راية الاصالة مشرئبة الى التجديد ، وفي الآداب تذود عن الخلق وتنتصر للفضيلة .
" فالفكر كما عرفتها سنوات طويلة من عمرها ، ساحة وباحة يجتمع فيها الرواد مع الشداة ، وأهل التجربة مع المبتدئين . فالاولون يعلمون ، والآخرون يتعلمون ويجربون وينشدون تسديدا لخطاهم وتقويما لاعوادهم . وهكذا يسير موكب الفكر فى تعاضد وتساند ، ويرقي من مرتبة السفح الى مراتب القمم ، ومن بدايات الطريق الى خضمه الارحب والارفع . وسفينة الفكر " ماضية فى طريقها توزع أطايب العقل وتعاقر أكابر أهل الرأى ، ولا ترسو الا لتتزود بزاد جديد ، والا لتستمد من الينابيع غذاء تقدمه الى جمهرة القارئين فى دنيا العروبة ، مغربها ومشرقها وخليجها ومحيطها .
ولقد اتسعت مجلة " الفكر " لجميع فنون الادب ، ولم تضق الا أمام العث والهجين ، وظلت تواصل المثقفين باشعاعها حتى يوم تلبدت الغيوم فى سماواتهم ، وعكفت على ايتاء المكرمات الادبية فى أوانها وابانها ، وكانت دائما وعاء ملئ علما وكتابا دوريا حفل بضنائن الضاد ونفائسها . ويوم نقطعت أوصال أمة العرب ، كانت " الفكر " ولا تزال تحمل رسالة التواصل الادبى ، وتخاطب العقل والوجدان لا النوازع والمنازع ، وتعني بالبواقى الخوالد لا بالذواهب العوارض .
وما زلت أذكر بأسى ممض ذلك اليوم الذى كان على فيه أنا وسائر اسرة مجلة " المقتطف " أن نقرر اغلاقها بعد 75 سنة من العمر قضتها في حمل أشرف رسالات العلم والادب وفي انهاض أمة العرب من سباتها
العميق . ولم تكن علة " المقتطف " شيخوختها ، وانما العلة السرطانية هى جحود رسالتها والاستهانة بدورها الفكرى . وهكذا ختمت حياتها فى ديسمبر 1952 مستعيذة من سلطان الجهل الزاحف .
واذا كان المرء يحيا بما يستنشقه من هواء ، فان مجلات الادب تعيش وتعمر بما تستنشقه من هواء الحرية ، وبما تفرضه من جديد الآراء ، وبما تنقله من آثار الفكر ، وبما تحرص عليه من قيم ومعايير . هذه هي الف " الفيتامينات " المحبة التى تكتب لمجلات الادب عمرا مديدا . فهى مجلات لا تتلون ولا تتثعلب ولا تعرف صنوف الحربائيات ولا تتدنى فى مآربها ولا تترخص استجابة لمطالب السوق ، فان سمى هذا بأدب برج عاجى ، فأهلا بالبرجعاجيات تعلى رسالة الفكر ، وتنأى بها عن سفساف القول . وها هى ذى مجلة " الفكر " تصارع للبقاء ، وكل عناصر البقاء مهيأة لها أعظم تهيؤ ، لانها لا تتوكأ الا على القيم الادبية ، ولا تنادى الا بالفاخر من طيبات الرسالات . وعمرها الماضي كعمرها الآتي ، رخاء فى الفكر ، وسخاء فى الثقافة ، وعطاء فى الادب ، وشفاء للنفس المثخنة بجراح الحياة . ولئن قيل إن الادب للادب نرف لا تحتمله الحياة المادية الغليظة الفظة فى يوم الناس هذا ، قلنا : بل نريد هذا الترف منقذا لنا من حمآت الحياة الدارجة التى كادت بآلاتها تلغي العقول الخصبة . فكوني يا مجلة " الفكر " مترفة بأدبك وعلمك ، ولا تخشى الا من السوقيات والدونيات والدارجات ، وعندك من تاريخك الناصع عصمة منها جميعا .
ولو سئلت مجلة " الفكر " : ما أنت ؟ لقالت من واقع تاريخها المعروف : مولدى تونس . ودنياى دنيا الضاد فى شتى الامصار . ورسالتى شوامخ القيم فى أعالى القمم . ووسيلتى كوكبة تناضل بالقلم وتبشر بالحرف الشريف . ومآربى خدمة التراث العربى وتجديد الفكر العربى . وحاضرى ومستقبلى الفكر والفكر والفكر .
ان مجلة تحمل رسالة وال الفكر " ربع قرن من الزمان في استبسال وتفان وزهد هى مجلة قمينة بالاطراء السخي ، خليقة بأن تهنأ على هذا العمر الرخي واليها ترفع الدعوات بأن تداب فى الاضطلاع برسالتها أرباعا وأرباعا طويلة من قرون وقرون مديدة مقبلة .
والى منشئها الهمام الاديب الرائد محمد مزال آيات الاجلال المفعمة بالمحبة . والى محررها الاديب المجلى البشير بن سلامة شعائر الود وأمنيات التوفيق .

