رسائل أدبية جديدة
مهداة الى صديقى مطلق الحمد الغفيلى
اليك أيها الغائب العزيز أزف أشواقى .
أنت يا بعيدا هناك وراء الأفق الرحيب مع نسيم الفجر الندى .
أزفها عبر الحقول والأودية والاشجار .
أزفها اليك ايها الغائب عطرة شذية بروائح الازهار .
لقد كنت لى نعم الرفيق يطوى صداقتنا البعد فلا اجد لك عندى من أثر سوى خيالك العزيز يتراءى أمامى فأستعيد من خلاله ذكرياتى الماضية معك . حينما يضمنا الوادى الاخضر الظليل باشجاره المورقة واطياره الصادحة .. وفى وسطه يترقرق الغدير . وعلى حافته كنا نلهو بعض الوقت وتدور بيننا احاديث لا تنقطع الا بغروب الشمس وحلول الظلام ، وعندما تأوى الطيور الى أوكارها ، وعندما تأذن الشمس بالغروب وترسل خيوطا من الذهب فوق قمم الجبال الشم كالذهب الوهاج فى جيد حسناء جميلة ، عندئذ نعود معا الى قريتنا القابعة فى سفح الوادى ، وتدور بيننا ونحن نسير فى طريقنا إلى القرية أحاديث شتى في الادب ، في الوفاء ، فى الاخلاق , فى أشياء كثيرة يحلو لنا الكلام فيها آنذاك وأمام دارنا وعندما تظهر النجوم في السماء كالقناديل ، نجلس للسمر ويلتف حولنا الفلاحون حلقة لا يفصلها سوى الثغرة التى تؤدى الى مكان القهوة العربية ، الذى انتصب أحد أبناء الفلاحين عليها بقامته المديدة النحيفة وبوجهه الاسمر ، وبين الفينة والفينة يدور بها على الفلاحين فردا فردا كل بفنجانه الابيض كبياض الثلج ، وهم يحتسونها بنهم ولذة . ألا ما أجمل تلك الامسيات ، وما أجمل الفلاح طيب القلب ! وما أروع تلك الوجوه السمر العارية التى تنم عن الرجولة والشهامة والكرم المتناهى .
لقد كانت أحاديث الفلاحين حلوة ممتعة لا يقطعها سوى اختفاء ضوء القمر وراء الافق مخلفا وراءه شيئا من الرهبة والسكون عندئذ يأخذ كل منا طريقه الى داره ليستسلم لنوم لذيذ ، سوى رجل واحد منهم . وعند اطلالة الفجر لليوم التالى ومع صياح الديكة وزقزقات العصافير يهب الفلاحون الى العمل دون كلل أو ملل ، هكذا سنة الحياة : كفاح وعمل ولا حياة للكسول فى هذه الدنيا . لا أظنك يا صديقى المسافر نسيت كل ذلك .
ثم تدور الايام دورتها ، فاذا أنت بعيد كل البعد بجسمك ، قريب كل القرب الى صديقك ، بخيالك ، وهكذا نرى البعد يطوى صفحة لقاءات مبهجة لم يبق لنا منها سوى الذكريات .
