الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

تحية الود والمحبة لمجلة " الفكر"

Share

نحن اذ نحيى اليوم مجلة الفكر فى عيدها الخامس والعشرين فنحن في حقيقة الامر والواقع نحيى ربع قرن من المكاسب الثقافية الثمينة التى حققتها هذه المجلة الدؤوب المناضلة فى سبيل الكلمة وبالكلمة

فالمجلة هى سجل بالحرف للحركة الثقافية والفكرية بهذه الربوع . وعبر صفحاتها ارتفعت أصوات كتاب وادباء من المغرب العربى ومشرقه يعبرون عن هموم المثقف بوسائل ابلاغ مختلفة تتخذ شكل المقال والدراسة طورا وشكل القصة والرواية والشعر طورا آخر

وقد استطاعت مجلة الفكر أن تحافظ على رسالتها مدى ربع قرن . وانعكس على صفحتها مد وجزر الفكر العربى بهذه الربوع وما يدور من صراع حاد فى صمت في سبيل ارساء قواعدنا الحضارية المعاصرة على أسس متينة قوامها التفتح والاصالة والتعريب . يدور فى صمت لانه يتحرك الى الامام فى دأب واصرار وثبات دون تسرع مريب وقد واكبت المجلة هذه القضايا المصيرية وفجرتها بكل صدق ووضوح رؤية . وقد حمل مديرها الاستاذ محمد مزالى هذه القضايا على كاهله داخل المجلة وخارجها أنى تحمل مسؤولية سياسية بروح رياضية لا تخشى العقبات وسار بها خطى ثابتة الى نهاية المدى استأصلت كل ورم خبيث من مجتمعنا العربى التونسى تلك الاورام الخبيثة التى تنخر جسد وروح العالم الثالث نعنى بها أولئك الذين يتنكرون لشخصيتهم الثقافية والحضارية وينسبون أنفسهم الى حضارة غير حضارتهم ومجتمع غير مجتمعهم الى حضارة ترفضهم ومجتمع لا يأبه بهم اولائك الذين أطلق عليهم الاستاذ محمد مزالى فى احدى افتتاحيات الفكر القابين والمنشطرين والمغفلين الجاهلين او المتجاهلين بخصائص تراثهم العربي الاسلامى " ) 1 (

ان مثل هذه القضايا التى تبنتها مجلة الفكر ومديرها الاستاذ محمد مزالى تكفى وحدها لان نرفع أيدينا بالتحية لهذه المجلة فى عيدها وان نوقد لها شموعا او مشاعل ستظل وضاءة وهاجة ما دام الفكر العربى حيا مزدهرا ذلك ان تلك القضايا انما هى قضايا حضارية يدور خلفها صراع حاد بين حضارة الغرب المهيمن وحضارتنا العربية الاسلامية العريقة التى حاربها الاستعمار حتى محاها من عقول البعض . ولا مندوحة لنا من ارساء حضارتنا الحديثة على اسس ثابتة انطلاقا من ماضينا الحضارى وتفتحا على حضارة الغرب المعاصرة دون استلاب او تحجر

ويقول الاستاذ محمد مزال فى مجلة الفكر منقيا أضواء كاشفة على حقيقة هذه القضايا موضحا تساوى حظوظ الشعوب فى ارساء الحضارة " لطالما دعونا الى تعاون ثقافى نزيه بين مختلف شعوب المعموره مقام على التقدير المتبادل - مبرأ من عقد الاستعلاء والغرور وارادة الهيمنة والاستغلال ، محاط بأكثر ما يمكن من الانتباه والتحرى للحفاظ على خصوصية كل ثقافة وابراز طرافتها وصيانة عبقريتها وذلك ايمانا منا بأن حظوظ الشعوب - كالافراد - متساوية فى الابداع والعطاء ، وان شرف المساهمة فى اثراء الحضارة البشرية حق وواجب فى آن معا يمارسهما ويتحمل تبعاتهما كل البشر ، مهما تعددت اجناسهم واختلف لون بشرتهم " ) 2 (

والى جانب هذا الدور الحضاري الخطير الذى لعبته مجلة الفكر فقد كان لها دور ادبى ثقافى لا يقل خطورة فنحن نعلم ان الثقافة والادب لن يزدهرا الا بازدهار الطباعة والصحافة والمجلات الادبية ورواحها ومداومة هذه المجلات على الصدور .

وقد فتحت مجلة الفكر صدرها لكل الكتاب على اختلاف مشاربهم ومدارسهم واتجاهاتهم فكانت بحق ام المدارس فقد استطاعت بفضل حنكة المشرفين على اصدارها الاستاذ محمد مزالى وصديقنا الاستاذ البشير بن سلامة رئيس تحريرها أن تفتح ذراعيها وتحتضن كل المشارب دون تزمت او تعصب لجماعة دون أخرى وكأني بصاحبها قد خط لها منهجا رائده المصلحة العامة للثقافة والادب فوق كل النزاعات الهامشية وان العبرة بالانتاج والانتاج فحسب .

وبذلك استطاع أن يجنب المجلة السقوط فى مهاوى الصراع بين محدث وفديم ومدرسة وأخرى .

بل كثيرا ما مدت هذه المجلة يدها الى الشبان تأخذ بيدهم وتفتح لهم مجالا في صفحاتها ، فتجنبهم تعصب المتزمتين الذين يقفون حاجز امام كل تطور ولو كان ذلك من جانبهم عن حسن طوية لايمانهم بجدوى مدرسة أدبية أو فكرية وخطر من يخرج عن سننها .

وما هذا المسلك من جانب صاحب مجلة الفكر والمشرفين على حظوظها الا لايمان صاحبها بحرية الكلمة وان الادب كالنبتة الزكية التى لن يتوفر لها النماء الا اذا  توفرت لها التربة الطيبة والماء وتربة الادب الطيبة هى الايمان بحدوى جدلية الآراء والمذاهب . وماؤها الذي يجعلها تزهر وتشتد على سوقها هو حرية التعبير .

في الح لذا فقد كنت لهذه المجلة اياد بيضاء على جيلين من الادباء والكتاب الجيل المخصرم مثل جيلى والجيل الشاب . اذ مكنتهم من ابراز كلماتهم الى النور فأضاءت بذلك طريقهم ومهدت السبيل امامهم ليكونوا من الادباء والكتاب المثابرين عشاق الكلمة . اذ كانت لنا خير نافذة فى أول طريقنا . وما برز كاتب وعرف في أول ما برز الا عن طريق مجلة الفكر . خصوصا وقد كنا ومازلنا في عصر عسر فيه النشر على الكهول والشبان سواء بسواء فيظل مخطوط أحدهم  فوق رفوف احدى دور النشر طريحا على امتداد ثلاث او اربع سنوات ليحظى فى النهاية بالموافقة أو الرفض .

فقد كانت مجلة الفكر بذلك نافذة لهم يطلون منها على القراء والقراء يتعرفون من خلالها على كتابهم .

ولاجل ذلك اصبحت مجلة الفكر محل دراسات جامعية إذ من خلالها يتعرف الباحثون على التيارات والمذاهب والقضايا التى شغلت الناس فى تلك الفترة كما يتعرفون على الشعراء والقصاصين والدارسين الدين ملأوا تلك الحقبة  التى تمتد علي مساحة ربع قرن . اذ من أولئك الكتاب من تتعب له طبع كمل او اكثر ومنهم من حالت ظروف الطباعة دون ذلك فاكتفوا بما نشروه وينشرونه على صفحات هذه المجلة الصامدة .

وإذا ما أضفنا إلى رصيد مجلة الفكر ما كانت تصدره من اعداد خاصة سواء الخاصة منها بشخصية عربية مثل الشابى او بقضايا مثل الثورة الفلسطينية من خلال مؤتمر أدبائها وصحافييها او بالتحرر والتنمية او بقضايا الادب كالاعداد الخاصة بالشعر . والنقد والمسرح والادب التونسى منزلته ودوره أو الخاصة بملامح من الادب المشرقى أو بالادب الموريتانى . والاعداد الخاصة بمؤتمرات الادباء العرب .

وتشارك في هذه الاعداد الخاصة نخبة من المع الكتاب والادباء والباحثين الجامعيين العرب على امتداد الوطن العربي من مشرقه ومغربه نذكر منهم على سبيل المثال لا الاحصاء : محمد الحليوى ، عبد المجيد بن جلون ، عبد الله شريط ، عبد الكريم غلاب ، عيسى الناعورى ، فاضل خلف ، عمر فروخ ، المنجي الشملى ، محيى الدين صبحي ، يوسف اليوسف ، احسان عباس ، البشير بن سلامة و . .

فتتحول بهذه الاعداد الى مجلة العالم العربى عن جدارة الناطقة بلسان حملة افلامه متحدية كل المسافات والحواجز . وبمثل هذه الاعداد نتبين مدى ثراء واثراء هذه المجلة للواقع الثقافي العربى على مدى ربع قرن وقد كانت الشقيقة الثالثة لمحلة الثقافة للدكتور احمد امين ومجلة الرسالة للاستاذ احمد حسن الزيات

وتدلنا افتتاحيات مجلة الفكر للاستاذ محمد مزالى على الطريق الذى رسمه للمجلة إذ لم تكن مقالات أكاديمية لاتهم الا النخبة وخاصة الخاصة بل كانت مقالات تمس باشعاعها قضايا حيوية لها شديد الارتباط بالمثقف خاصة والحياة العربية التونسية عامة . فاننا نراه فى مقالاته استاذا ومعلما ورائدا موجها يذكرنا برواد الفكر والنهضة التونسية امثال البشير صفر وما تركه فى قدماء الصادقية والجمعية الخلدونية من اثر بالغ في توعية جيله عن طريق محاضرته وقد كانت افتتاحيات الفكر لمحمد مزالى تلعب نفس الدور ولها نفس التأثير على الحياة الفكرية والثقافية والتربوية في هذه الربوع .

على أن هذه المجلة التى أدركت سن الرجولة : خمسة وعشرين عاما ، كانت مثالا فريدا من نوعه بين المجلات الثقافية العربية عامة والتونسية خاصة ، فنحن لم نعرف مجلة عربية صمدت امام المصاعب وتغلبت على عقبات قلة القراء وعداء البعض للثقافة والأدب تحت تأثير عوامل مختلفة أهمها التخلف والامية وواصلت مسيرتها متطورة دون أن يعتورها فتور أو كفر بمسؤوليتها الثقافية

مدى ربع قرن عدا مجلات الجامعات والمجامع اللغوية ومجلة الآداب البيروتية التى تعدو الفكر استثناء للقاعدة

واذا ما عدنا الى الصحافة الادبية التى ظهرت فى البلاد التونسية على مدى ثلاثة أرباع قرون نحد حالات لا يصدقها العقل اذ يكتفى البعض امام المصاعب الحممة باصدار اعداد تعد على اصابع اليد احيانا ويمتد عمر البعض متقطعا بين سنة وسنين أما أطولها عمرا على الاطلاق فهي مجلة العالم الادبى لصاحبها زين العابدين السنوسى ظهرت سنة 1930 ثم توقفت وظهرت اسبوعية سنة 34 -  - الى سنة 1936 ظهر منها 69 عددا ورغم هذا المظهر الشاذ الذى له ما يبرره من الواقع الاجتماعى العربى عامة الذي يرى فى الادب والثقافة ترفا وليس مادة حيوية كالماء والهواء لحياة الشعوب وازدهارها كما تعتبر ذلك الشعوب المتقدمة قلت رغم ذلك فقد صمدت مجلة الفكر وقد كانت فعلا بالنسبة لصاحبها الاستاذ محمد مزالي ولرئيس تحريرها صديقنا الاستاذ البشير بن سلامة تحديا ثقافيا فكر يا ربحه الرحلان عن جدارة لما تحملاه فى سبيل نموها وتطورها من مشاق لا يعلم مداها الا من أنشأ مجلة أدبية فى بلاد عربية على نفقاته الخاصة

وما ضمود صاحب المجلة الاستاذ محمد مزالي هذا الصمود النضالى فى سبيل انماء هذه المجلة وازدهارها الا انعكاسا لشخصيته كرجل مثقف يؤمن بقداسة الكلمة ومفعولها وسحرها في تغيير وجه الواقع ولو بشئ من البطء ولايمانه كرجل مثقف بأن الادب رسالة وكل رسالة لا مندوحة لصاحبها من التسلح بالصير والمكابد مكايدة النفس والصعاب اذا شاء ان تكون لرسالته الثقافية الفكرية اشعاعا يتجاوز حدود المحلية وحواجز المركبات وتكون طاقة خلاقة محركة فى حياة الامة

وكان ثمرة هذا النضال خمسة وعشرين مجلدا تشتمل على ما يزيد عن خمس وعشرين الف صفحة ومئات من القصص والقصائد والمقالات والابحاث .

اذن فلمجلة الفكر ولصاحبها ورئيس تحريرها ألف تحية منا تحية الود والمجد للفكر في عيد ميلادها الخامس والعشرين

اشترك في نشرتنا البريدية