شخصية ثابتة الاصول متشبتثة جذورها بالارض لا تزعزعها الانواء ولا تجتثها مناورات المنافسين من كل صوب ... شخصية نحتها صاحبها من الصخر فى اناة وتعنت واجتهاد ومثابرة فهى كالتماثيل البديعة تحيى المحيط الذى يحويها وان كانت جمادا لانها من معدن كريم ولان الخالق الذى سواها ارادها ناطقة فصيحة تحاور من قصدها وتجذب الى الحوار من مر بها عابرا فلم ينتبه الى ذلك النور الذى يشع منها فيملأ المكان ضوءا لا كغيره من الاضواء لان الشعلة هنا تندمج فى هالة الضياء فهي المنارة فى هوجاء العاصفة تقودك اليها لأنك فى حاجة اليها.
كذا كان فرانسوا مورياك تمثالا حيا ونبراسا هاديا وحوارا لم يقطعه حتى الموت الذى اسكت صوته. ولست ادرى هل عمر ليكتب أو هل كتب ليعمر. فقد كانت الكلمة فيه وسيلة وغاية فهى الهواء الذى تنفسه طيلة خمس وثمانين سنة وهى تلك السنوات نفسها تتنفس فى رواياته وقصصه واشعاره ومقالاته ولست ادرى هل كتب ليسخط عليه النقاد فينشط بالحوار المستمر الحركة الفكرية فى بلده وفى غيره من بلاد الله أو هل كان من نافسوه وسخطوا عليه وعابوه وتنكروا لمواقفه ووسموه بالرجعية والقعود قد راموا من وراء كل ذلك بما فيه من رصانة أو شطط ومن صدق أو نفاق تحريك الصمت المخيم على الافئدة الجاثم على الافكار إجلالا للكلمة وخدمة للمكاشفة والاستقصاء وسبرا لأغوار النفس السرمدية. وهل سلم الافذاذ من قولة السوء وهل سلم المؤمنون من حجارة الفلتاء؟
وكان مورياك من سلالة المؤمنين يحدث ربه فى الزهر المكمم والورد المتفتح والشجر الباسق وعفر الطريق وظلام الحيرة والشك والقلق يستلهم من هذا وذاك آيات يعبر عنها فى فصاحة البلغاء وحساسية الشعراء وخمرة المتصوفين وصرخة المعذبين فى قرن العذاب والتعذيب والتقتيل والابادة والجرح النازف والحجة المفتضة. وهل كان ما كتب غير ما اعتلج في صدره طيلة حياة من
الكفاح والمسؤولية؟ آثاره عصارة حياته الباطنة الزاخرة بالاحداث والصور والاحاسيس واتت الذكريات تعزز ذلك وقد تقدمت به السن فكانت آثاره سجلا مفتوحا مباحا متاحا شائعا بين الناس وكانت شهادة على قرن.
واحرز ما يحرزه بعض الافذاذ فى حياتهم من المكافآت والاعتراف بالجميل الجوائز والوجاهة والسؤدد والسبق لكن لم تغره عصا الاكاديميين ولا منحة نوبل ولا وسام الفخر والشرف فهذه اعراض تزول كما سيزول من الاذهان تاريخ انطفاء شعلته وتبقى هالة النور المحاطة باسمه ويبقى فى الذهن المنطلق تاريخ مولده 11 اكتوبر 1885 وليعلق هذا التاريخ بذهن المواطن التونسى الذى لم ينفك الراحل الكريم يدافع عن قضية بلده كما دافع عن قضايا الحق والكرامة والشرف فى كل مكان فليذكر انه ولد بعد احتلال تونس باربع سنوات. كان مورياك يعلم ان الله خلق البشر لا ليكونوا اسيادا وعبيدا ولا ليحكم على بعضهم بالبوار والخزى والنكال ليسعد البعض من نطف الشياطين والارجاس والانجاس بل كان يؤمن بالعدالة فى الارض ويطلق صوته للدفاع عن عدل لسماء. فكان يشكر نعمة خالقه ويقول انه عن القيام بواجب اقلها عاجز وان لسانه عن الوفاء بايسرها قاصر. ذلك انه استطاع حين فشل غيره ان يوفق بين المادة والروح وان يبنى قنطرته على الواقع المعيش فكان من فصيلة الانبياء وكان غيره وليسوا قلة من الاغبياء. وشتان بين حامل الرسالة وبين المدعى، بين الناطق بالحق وبين الوجل أو المرتد أو المذبذب أو الناعب أو الأفاك أو محترف السياسة. ولم يحترف مورياك السياسة وان هو خاض غمارها حين دعاه داعى الهواية الطيبة السليمة ليدافع عما كان يعتبره صادقا مخلصا حق الانسان فى العيش الكريم. فكان مورياك مورياك فى التحدث عن طفولته أو الدفاع عن نزعاته السياسية. كان هو حب من حب أو لام من لام. ويكفيه فخرا ان عكف على قراءة ما كان يكتب من مواطنية ومن الاجانب أجيال من الشيب والشباب كل يجد فيه بغية وفى الحوار معه متعة. ذلك لأن كلامه كان صادرا من الاعماق ينفذ الى النفس فيزرع فيها بذور الشك والحيرة والقلق فنتساءل عن الطبيعة والكون والكرامة وعن مستقبل البشرية تتنازعها الاهواء وتتطاحن فى معتركها النزعات فاذا الحياة التى ارادها الخالق سلاما واطمئنانا مغامرة خطيرة ولعبة يمسك باوراقها بعض السفهاء تبوأوا مناصب القيادة ودانت لهم الرقاب. فاذا الناس تحت العب يرزحون ومن هول المأساة في ذعر وارتجاف. ولو لم يكن مورياك شاعرا لما اشعر البشرية بهذه الاخطار ولما كان له منافسون ولما انتبه الى مقالاته الناس فى كل صقع من الارض ... وكم غمر التاريخ من اسماء وكم كتب الكتاب ولم يقرأ لهم الناس ((وهل غادر
الشعراء من متردم)). لكن شعره ذاك لم يكن معلقا بين السماء والارض يبحث عن قرار بل كان مفعما بالواقع الملموس المتصل بحياة الناس بارضهم بانعامهم بدواجنهم بالهواء والماء والسماء فهو فى نثره شاعر الحياة النابضة بالاحاسيس الواعية البعيدة عن الاوهام والضبابية. وهذا ما جعل بعض ارباب التيارات التجديدية يسمونه بالرجوعية فى الادب وهذا ما يفسر القطيعة بينه وبين فريق الغلاة منهم. وما ابدع صراحته فى هذه الكلمة المأثورة التى قالها لبعضهم وابتسامة على ثغره لا تنتمى لليأس ولا للسخرية لكنها ابتسامة المرتضى دون تعال، القانع دون خنوع، المكتفى دون استغناء ((انت فى سن العشرين ... محظوظ انت ما اسعدك ... تحدثني عن جماعة الهيبيز ( Hippies ) ... فكيف تريد منى ان اقصد الى ما يقصدون)) وكأننى بمورياك يعبر عن مضمون الآية الكريمة ((لكم دينكم ولى دين)).
لقد عرف مورياك صرخة الجماهير وهمسة الضمائر الحائرة لكنه عبر عن كل ذلك باسلوبه الشخصى فكان يلاحظ الاشياء ويصورها تصويرا يوفق بين الرواية المجردة والشعور بالموقف فهو يربط بين المنظر والمغامرة والجو المصور الحى متصل عنده بالخواطر النفسانية واعتلاجات الاعماق اتصالا عضويا فهذا يفسر ذاك ويؤثر فيه ويتفاعل معه بحيث لا مجال الى الفصل بين السبب والمسبب والمنظر وما يوحى به من احاسيس فمن تفهم هذا الموقف وانطلق منه نفذ الى اعماق الاثر المورياكى وجال فى ارجائه لا تائها ولا عابرا بل شاعرا ومستطلعا ... الجسد والروح عنده توأمان لا أخوان يفصل بينهما الزمن وان كانا من نفس الرحم. وذاك ما جعله يلتحم بمنبته التحاما كليا يتسامى من ومن خلاله ومنطلقه الى رحاب اوسع الى الكون الذى هو نطفة منه والسماء التى هو برج من بروجها اللامعة المستقرة. فما من شخصية من اشخاص رواياته الا وهو من تلك الارض التى انجبته فاذا هى بعد ذلك ومن ذلك المنطلق الى الكون تنتمى ومنه تستقى حيويتها وانسانيتها الراسخة. وهذه معجزة من معجزات مورياك تقابلها تجربة بروست ذاك العبقرى الآخر الذي يؤمن ان افعال البشر صغائرها والكبائر مملاة املاء من الطفولة التى يحملها كل كهل فشعور الطفل فينا لا تمحوه العوارض ولا تطمسه السنون ابدا. وما اسعد الكهول الذين يحافظون على جوهر الطفولة المكنونة فيهم ... وهذا مفتاح الخلود عند العباقرة. وكثير من المجددين من غفل عن ذلك الجوهر فتاه فى منعرجات الطريق وبهر ولم يسطع وكتب ولم يقنع ودافع ولم يقتنع إلا من قال منهم فى اجتماع صاخب احتد فيه النقاش حول التيارات الداعية لقلب الاوضاع للنسف للرفض والهدم والقتل والموت: ((انا لم اشارككم فى النقاش لانى أريد
الموت لكن لا عن طريق اللغط والثرثرة والضرب على الموائد المستديرة)) وانسحب عن الجماعة فى صمت والصدق يفعم صدره وشرر النقمة يتطاير من عينيه. الفعل البداية والفعل نهاية كل شئ ... والتاريخ لا يحابى احدا ولا يتنكر لاحد.
وسيحكم التاريخ لمورياك لاسباب عدة منها انه لم يكن فى يوم من حياته شاهدا سلبيا على عصره ... هو لا يلاحظ ولا يصور لكنه يجد فى البحث ويستقصى ويعثر على الاصالة التى يستوحيها من طفولته وارضه ومنزله وشارعه ومحيطه فمن ذاك الينبوع ينطلق ومن المرتفعات تتدفق سيول الكلمة الفاعلة التى نعرفها له لانها تسبينا وتغرينا وتستميل العقل والقلب معا .. وما الشاعر الشاعر الا ذاك الطفل الذى لا يموت ... ذلك الطفل الذى يكتب له البقاء وان كان عاطلا من الطهارة الاولى تطغى عليه اهواء الرجل الكهل ونزوات الجسد المكتمل وسورات الدم وغليانه فى الشرايين المعمرة. ولم يفهم سارتر هذا الموقف الحياتى الذى تمسك به مورياك فرماه بالعقم متحيزا وكثيرا ما يتحيز سارتر اذ قال: ((مورياك كالله تماما ... لم ينجح فى الرواية لانه لا يصرح بكل شئ بل يخفى الكثير وينطوى فيطمس معالم اشخاصه لانه يقيدهم ويعرقل حريتهم ويقعدهم عن الفعل والاختيار ... فهم مسيرون منقادون)).
لكن هل تقدر قيمة الكاتب الحق بانتمائه الى شق دون شق او تيار دون آخر وهل يقنع سارتر غير عشاق سارتر ومناصريه واذنابه وتابعيه ... ولسنا من عشاق مورياك وانا نعيب عليه الكثير من صلابته وتحجره وسورات غضبه ولا نطمئن لكل ما آمن به ودافع عنه فالانسان انسان وان رام الكمال لكنا نقدر فى مورياك تفانيه فى خدمة بعض القضايا الانسانية التى كان له القسط الاوفر او المتواضع فى التعريف بها والدفاع عن مراميها ولسنا نحصر قيمة هذا الرجل الفذ فى انتاجه الادبى او نقصرها عليه بل نمجد هنا الانسان الذى اعترف له الناس بالكثير من الفضائل فى كل صقع ومن كل جنس. كما نمجد فيه ذلك الصمود الذى عاشره دهرا رغم حملات المغرضين وخذلان المذبذبين فى عالم تدهورت فيه القيم الانسانية ونجح فيه الانتهازيون وزمجر المناوشون وساد ارباب الغاية التى تبرر الواسطة فى عالم أطلق فيه من يمنع الناس ان ببلوا الريق ومن يسد لانفاس الناس كل طريق ومن يرمى بالناس فى اسر حصار ضيق مميت. فقد كان مورياك يحب الحرية حبا جسمانيا شهوانيا ويمقت الافاكين ويدحض دعاوى المكيافاليين كان حرا داعية الى التحرر لا
ينتمى لحزب معين لئلا تخنق صوته الطليق مجموعة من الاصوات يمكن ان تدعو لغير الحق وان تدافع عن قضية يعتبرها مخلصا منافية للحق والعدل والسلم واسعاد البشر.
فمورياك الذى نذكر اليوم مآثره وقد انسحب راضيا مرضيا هو ذاك الرجل الذي لا يعتبر من الاهداف الا اكرمها واقربها الى الاريحية والعطاء ولا يقيم وزنا للوسائل الا ما كان منها طاهرا سليما مسالما ولا يدافع عن شرف الا ما كان متصلا بحب الوطن وعزته ومناعته. وان انسحب مورياك فى هذه الايام العصيبة التى تحياها البشرية فما زال صوته صداحا بكل هذه القيم الخالدة ولن يخمد هذا الصوت زفير الزافرين ونعيب الناعبين ما دام فى الكون من سيقصر حياته كما قصر مورياك حياته على الحب فى اجل واسمى وابهى مظاهره ومضامينه.
الزهراء - 8 سبتمبر 1970

