الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

تحية تونس للأدباء العرب

Share

إنه ليشرف الوفد التونسي أن تتاح له اليوم فرصة الحضور في مثل هذا الحفل الكريم ، وأن يتسنى له مخاطبتكم باسم تونس البلد العربي الاسلامي الامين .

وانه ليسر وفدنا كل السرور أن يكون أول ما يتقدم به اليكم أخلص شكره لحكومة مصر العزيزة وللمجلس الاعلى لرعاية الفنون والآداب ، وللمكتب الدائم لمؤتمر الادباء العرب عما تلقيناه من لطيف الدعوة وما شملنا من كريم الضيافة ، مردفا ذلك بتبليغكم جميعا رسالة الود الخالص والاخاء الوفي التي حملناها اليكم من قبل تونس وأدباء تونس .

أيها السادة الكرام والاخوان الاعزاء لئن فات أدباء تونس حظ المشاركة في مؤتمركم الاول والثاني فانه لم يفتهم على كل حال التتبع لخطاكم الاولى والاطلاع على ثمار جهودكم المباركة ، فان اخوانكم من أهل الادب بتونس ليؤمنون مثل ايمانكم بما للادب من وظيفة سامية في حياة المجتمعات الانسانية بصفة عامة وبما له من " فعالية " فى تكييف تطورها التاريخي وخلق مصيرها الانساني ، وانهم ليقرون مثل اقراركم لكل ما انجب الشرق منذ قرن ونصف من رجال الادب والفكر بفضل الاذكاء لهذه الشعلة الفكرية الخلاقة التي فيها يتلخص جماع ما سجله التاريخ بعنوان النهضة الحديثة للشرق العربي الاسلامي .

وانه لمن دواعي الغبطة والارتياح ومن دواعي الثقة بمستقبل هذا الشرق أن يكون بعثه من الرقدة الادب والفكر وحررته من الاستعباد الحركات الوطنية التي غذاها وفلسفها وقادها الادب والفكر ، وأن نرى الادباء والمفكرين الذين عملوا بجهادهم المتواصل في الماضي على تحرير الشرق السياسي من ربقة الاستعمار والاحتلال الاجنبي لا تني جهودهم ولا تقل عنايتهم بمصير هذا الشرق بعد تحريره ، ولا يفتر تفكيرهم في شق طرق العزة له بين المجموعات الانسانية الكبرى عما كان عليه في طور الكفاح التحريري .

ذلك ان وظيفة الادب والفكر - فيما نعتقد - وظيفة تتصل بالجوهر الدائم القار من " الوجود الشرقي العربي " وليس من الافتراء على العلم أن يقال ان الذي تمتاز به المغامرة الوجودية التاريخية للعالم العربي أنها لا تزال على كر العصور تتجدد معجزتها ، ومعجزتها في أن هذا العالم لم يزل من يوم نشأته وتكونه تمر به تقلبات الاحوال السياسية وتتغير به أنظمة الحكم والادارة ويصطبغ في ذلك بصبغ العصور والبنات بل وتتكون فيه أحيانا الخلافات المتجافية ببغداد وقرطبة أو ببغداد والقاهرة المعزية - أو تنشأ فيه الامارات والدويلات المستقلة بعضها عن بعض - فاذا هو يخرج في كل مرة من تلك المغامرات الخطيرة بخاصية باقية فيه لم تؤثر فيها الحوادث أي تأثير ألا وهي وحدته في الروح وفي العاطفة وفي الاتجاه الفكري العام ، ووفاؤه الى هذا النوع من الحضارة الذي ابتكره وغذاه بعقول خيرة رجاله وشارك به في بناء صرح الحضارة الانسانية الشاملة ، ذلك أن الشرق العربي قد وفق خلال جميع هذه الاطوار الى طريق الحكمة والسداد ، وعرف كيف يميز بين الجوهر والعوارض ، وكيف يعتبر الواقع الانساني من تاريخي وسياسي واجتماعي وجغرافي واقتصادي ، وكيف يحسب حساب مقتضيات الاحوال فلا يعارضها بل يترك كل تجربة محلية نبعت من صميم الواقع العمراني وصمم الظروف التاريخية تجري مجراها الطبيعي حتى تنصب بالطبع كما ينصب الجدول في نهر الحضارة العربية الاعظم .

تلك هي العبرة الكبرى التي يمليها علينا ماضينا القريب والبعيد والتي لا نشك أن المؤتمر في دورته الحاضرة سوف لا ينساها حين ينكب على دراسة شأن الادب في القومية العربية .

ان ماضينا قد ألقى علينا درسا لا تقدر قيمته في الحرية والاختيار ، وأن كل حصر أو ضغط أو توجيه للفكر لا يكون فيه على الفكر الا الوبال والموت ، فليكن نصب اعيننا الجوهر ، ولنعمل على توضيح العوامل القارة للاخاء العربي ولرقي الحضارة العربية والتفكير العربي ، معرضين عن عوارض الزمان والمكان كما فعل أجدادنا من قبل .

ولا نظن مؤتمرا تكون هذه غاياته وتكون هذه ارادته ، الا موفقا في اعماله ، بالغا إلى ما يترقبه منه ملاحظوه

ذاك ما يسر الوفد التونسي ان يستهل به مشاركته فيه من دعاء صادق وتمنيات خالصة .

اشترك في نشرتنا البريدية