اعترف سلفا وفى مثل هذه المناسبة ان مجال الكلمة المعبرة ليست للشكر بمقدار ما هى اعتراف لواجب تمليه الكلمة نفسها لخدمة الحقيقة التى ستبقى دائما ملكا للجميع وفي نفس الوقت أملا يعبد الطريق أمام الانسان لبلوغ الهدف ، وعندها يجد نفسه دائما فى توق مستمر وعزيمة متوقدة للاخلاص والتضحية سيما إذا كان الشأن يتعلق بالفكر ورواده وحماته
واعترف ايضا اذ تلقيت الدعوة للمشاركة فى هذا الاحتفال بمرور خمس وعشرين سنة على تأسيس مجلة الفكر فى تونس ، انني لست مغالبا في وصف مشاعرى التى احسستها دفقا متناميا نحو الانسان الذى يستطيع ان ينسجم مع الحياة الحرة الكريمة الفعالة عندما يوظف طاقاته بجهد متواصل وصمود حيوى وارادة باسلة لخدمة حقيقة الحياة ومبادئها وافكارها بما يشد الانسان نفسه الى الكفاح المتواصل فى شتى المجالات حتى يعطي المعاني السامية لوجوده ، فيرى الامل ، ويصون انتماءه للحياة ، ويبدد ظلام الهزيمة فى النفس ، ويتفوق على نفسه كل لحظة ، ويعرف حيث يجب ان يبقى دائما مراه تعكس طموحات البشر فى سبيل الحرية وهي اقدس حقوق الانسان وفي سبيل الكرامة وهى نقطة التقاء الانسان مع وجوده .
أيها الاخوة : لقد كانت هذه بعض المشاعر التى احساسستها فعلا تلك اللحظة سيما وقد واكبت مسيرة مجلة الفكر منذ عشر سنوات قارئا ، ومشاركا فى شرف الكتابة على صفحاتها كلما واتتني الفرصة ، واخالني في هذا المجال احس بارتياح اذ استميح المجله عذرا حيث لم اقدم لها كل ما يجب على ان اقوم به تجاها ، عبر ان مواساتى تسعفنى عندما اذكر اننى كنت اواصل مطالعتها حين كنت اجس الى جوار ما تحمله الينا فى كل عدد من الافكار والرؤى البناءة ، تلك القوة المتدفقة والتي تتمثل بالصمود ، وهو امر يشكل بالنسبة لمشاعرى المبدأ الذى لا يقهر لانه يجسد حياة انسان ينتمي الى شعب اراد الحياة فانتهج طريق الصمود لتحقيق الانتصار على الظلم والطغيان والاستعمار والقهر .
وهكذا ايها الاخوة تنامى لدى الاحساس دائما بمرافقة مجلة الفكر اذا اضفت الى ذلك كله الروابط الوثيقة الممزوجة بالاعجاب والتقدير والمحبة والاعتزاز الى روادها وكتابها وهم اصدقائى ورفاقى على الدرب وفى طليعتهم أخي محمد مزالى مؤسسها ، الذى لا احب فى هذه المناسبة ان اختار كلمات المجاملة لاهديها له . ولكنى اسارع من موقع الصدق مع النفس ان احييه لانه فى لحظة الحقيقة هذه جسد الصمود الذى نعتنقه ، وجسد الاخلاص للفكر ، خير محقق لاهداف الانسان النبيلة فدأبت مجلة الفكر فى هذا الاتجاه تدافع عن الحرية وعن الديمقراطية وعن الاديب وحريته ، ونشر روائع الادب الذي يمثل صور آلام البشر وامالهم ، وكذلك اعطاء الحوار معناه الحقيقي واثراؤه بما يتيح المزيد من الجدوى لقيم الانسان ومبادئه ومثله العليا ، وفي اطار دعم كفاحه وصموده وتحديه لكل ما يعيق مسيرته النضالية
ولعله حق على فى هذه اللحظة ان اذكر مقطعا لمؤسس مجلة الفكر اخي محمد مزالى عندما افتتح المؤتمر العام الثانى للاتحاد العام للكتاب والصحفين الفلسطينيين هنا فى تونس عام 1977 اذ قال :
" ان تضامننا معكم لا تمليه مشاعر الاخوة فى الدين واللغة والحضارة فقط بل هو مظهر لكفاحنا المشترك ضد الاستعمار والامبريالية والتمسك بقيم الحرية والعدالة والسلم التى يؤمن بها كل البشر ويكافحون من اجلها " .
فى هذا الاطار ندرك ايها الاخوة معنى احتفالنا اليوم بتأسيس مجلة الفكر اذ فى هذه اللحظة تتعانق دفعة واحدة المعانى العميقة التى عبرت عن اصالة المجلة واهدافها ، وهو الامر الذى اعتز به ليس فقط كواحد من رفاق الكلمة وانما كواحد من الشعب الفلسطيني الذي تعانق اقلام ابنائه بنادقهم والذى يكتب بدمائه ملحمة الكفاح ضد الغزاة الصهاينة ويصمد فى وجه اشرس هجمة استعمارية ، ويؤمن ان التاريخ الذي لا يرحم نفسه هو التاريخ الذى بد ان يسجل حتمية الانتصار .
ايها الاخوة معذرة ان اطلت ، ففي نفسى ووجدانى لمجلة الفكر اطيب المشاعر ، ولمؤسسها وأسرها اصدق الامال ولتونس اعز الامنيات ، ولنا معا على الطريق الطويل ذكريات واهداف وطموحات لابد ان تتحقق لمجد الانسان وحريته بصموده الواثق وكفاحه المتواصل .
وتحية فلسطينية والسلام عليكم

