حبي وقد بات ملء الروح والصدر يزري بصبرى ويستعصى على شعري
والصب إن لم يبح تفضحه أدمعه وكم أذاعت عيون الصب من سر
ما حيلتي وبياني غيض واختنقت فصاحتى حين جف الحرف فى شعري
فاض الوفا فى دمي فانهال مخترقا فيض الشرايين بالإعلان والجهر
ما أعسر الجهر حين السر يرهقنا حتى ولو عزز الإخفاء بالصبر
ما حيلتي والهوى يطغى على قلمي والحب فى خاطرى أقوي من الشعر ؟
حبى تعالى فلم أكلف بغانية في عينها قد تلاقى الليل بالفجر
أو صبت الواحة الخضراء روعتها في طرفها أو زهتها زرقة البحر
ما تلك من أربي إني فتى ملكت عليه مهجته روح الأب الحر
من جاء تونس والطاغوت يصرعها بالمسخ والذل والتجنيس والكفر
ومن بنيها دعاة أدعياء اذا ما ضمهم مجلس بثوا من الضر
وغار جلهم في قصدهم فغدوا يسرهم أن بقوا فى مستوى مزر
وكنت تكره أن تبقى مجاملة بين الركود وبين العجز والقصر
والشعب فى يأسه يجتر أمنية تستهلك العمر والأجيال في خسر
لذا انسلخت عن التمويه مقتنعا أن الحياة صراع دائم السير
من قال : إنك هلال تشهده يبني بمحضر التاريخ من صفر
يمناه فى مقود (( الزرقاء )) تدفعه نحو المخاطر والأهوال والعسر
والبرد يأخذ من رجليه مأخذه والجوع يأكل من خفاقه البكر
يطوى المسافات أياما بلا وهن ليجمع الناس في سر وفي جهر
يمناه فى مقود (( الزرقاء )) تمسكه أما القميص ففي اليسرى غدا يذري
جف القميص بحر الصيف يومئذ كم جف من قبل فوق الصدر والظهر!
أمسى الحبيب طريد القهر معتقلا بين المنافي وبين الزجر والأسر
لكن بسمته الجذلى ترافقه وتبعث البشر والآمال في الغير
جئنا كما نحن والأشواق تملؤنا كيف اهتدينا إليك الآن ؟ لا ندري
هل حبنا للهدى والصدق ألهمنا ؟ أم حسنا قادنا للحق والخير ؟
أم وجهك النير الوضاح يجلبنا ؟ أم عطفك الوارف المخضل بالعطر ؟
أم عزك الخالد الجبار منتصب في غرة الدهر مرتاح لما يجري ؟
أم قدرة كالتى الإعجاز يخلقها تختال فى حلة من شامخ الفخر ؟
أم رأيك الثاقب الخلاق ؟ أم خلق يمتاز بالطيب والإشراق والطهر ؟
لا يبلغ الحصر بعضا من شمائله هل للكمال وحسن الخلق من حصر ؟
أم فطنة أكد الإلهام روعتها خطت خوارقها في هامة الدهر ؟
أم نظرة البعد للأحداث تبهرنا ؟ أم حكمة حزتها من ليلة القدر ؟
أم ذكريات بها التاريخ محتفظ قد صاغها للنهى في بهجة الفجر ؟
أم كل ذاك وما أخفته ذاكرتي من وافر الغنم أو من خالد الذكر ؟
يوحي إلينا بشعر صادق عطر أم في الحقيقة أنت الملهم السرى ؟
مشروعك الشرق محتاج لحكمته ما أحوج الشرق للتوفيق والنصر !
إني أهيب به والظرف محتدم لا يسمح الآن بالأخطاء والكبر
أن يجمع الرأى فى ما قلته سلفا حتى يحقق ما ينوى على الفور
لن ((يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى تفوض باسم العرب فى الأمر
المعجزات التى عشنا حوادثها تروي لنا حقبا من أخصب العمر
في منهج ناجع تمتد مدته خمسين عاما مواعيد مع النصر
بنزرت منطلق الأحرار ثروتها فى عهدكم أصبحت تربو عن الحصر
الفضل فضلك فى تدعيم مكسبها والفضل فضلاك في خيراتها الكثر
والفضل فضلك فى تتويج نهضتها بالجسر ما أروع التتويج بالجسر !
لما اعتلى فى السماء خطت أنامله اسم الحبيب الذى أهداه للثغر
حتى اذا مد فوق البحر أذرعه كأن موسى يشق الدرب في البحر
الطيب المتنبي فى فتوته وقد تحدى عناء السعى والسير
جاءت به فرس حلت على عجل بموطن العز والأبطال والنصر
وقارن بين المتنبي سيف نعمته بمن لنعمته فضل على الدهر ،
بعد ((الوقفت وما فى الموت)) أنشدني ما صاغه العبقر النشوان من سحر
وقال فى موقف المشدوه معترفا بالنقص في وضعه للسيف بالشعر :
(شتان بين الذي فى الجفن وقفته والموت فى نومه كالأبله الغر
وبين من داس بالأقدام شوكته في يقظة تنذر الأبطال بالشر)
أخلى سبيلك مرتدا على عقب خوفا علينا وتقديرا لما يجري
أهدى أغسطس للأحقاب ثالثه في ثالث القرن ربانا ولم يدر
حتى اذا حان للتاريخ موعده قام الزمان بكشف المنقذ الحر
ضنت بأمثالك الأزمان جائرة والعقم أقعدها عن لفتة الخير
حتى اذا أكد الإلحاح حاجته أهدتك معجزة للناس والعصر
لانت لديك كما لو كان أولها ماض مضارعه في حالة الأمر
فأصبح الصعب سهلا في مراحله والمستحيل غدا في منتهى اليسر
قف يا زمان كفى سيرا كفى عجلا قف عندنا ولتقم في ربعنا الحر
قف واعترف وأضف مجدا لأمتنا واستوقف الدهر في أرجائنا الخضر
واملأ سجلك فالتاريخ ما صنعت يد الحبيب وما أملى على الدهر
واكتب على هامة الأيام ملحمة قضى (( س لحبيب )) فيها زهرة العمر
إن شاء أمرا عصيا كان أم عجبا قيد الزمان ولبى صيغة الأمر
للريح في البحر أهواء وفي بلدى تجري الرياح كما قررت أن تجري
أيامنا قمم بتنا نشيدها من وحي هديك للدنيا وللذكر
يعنيك مما اتى في الشعر أصدقه لا ما تحلى بوشي كاذب مغر
أنا أحبك لا خوفا ولا طمعا أنا احبك في سري وفي جهرى
أنا أحبك معناها يحركني أنا احبك في جسمي دم يجري
هل وفق الشعر فى تبرير عاطفتى ؟ إن لم يوفق فقد يكفيك ما تدري
بعض من الحب مكتوب وأغلبه في خفقة القلب أو في ومضة الفكر
ليس المهم اذن ما خطه قلمي إن الأهم هنا في باطن الصدر

