الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

تحية "للفكر " في عيدها الثلاثين

Share

خمس سنوات خلون ، منذ التقينا هنا ، احتفالا بمرور ربع قرن على انشاء مجلة (( الفكر )) العربية ، التونسية ، التقينا : كتابا وشعراء وأدباء ومثقفين نحيي هذا الحدث الثقافى الجليل ؛ قياما ببعض الواجب ، لذلك الحق الراسخ ؛ والفضل الشامخ تحية لمبدعه ؛ ولمنشئه سيادة الاخ محمد مزالي المفكر والاديب ، والمناضل والملتزم ، واليوم نلتقى ؛ لنشترك فى العيد الثلاثينى ، لمجلة (( الفكر )) ؛ عيد الفتوة والشباب والعطاء ... وان تاريخ الفكر العربى سوف يقف طويلا ، فى حلقات المستقبل ؛ أمام (( ظاهرة )) مجلة (( الفكر )) ؛ التى صمدت العقود من السنوات ، تصدر ، فى انتظام ، كالشمس ، لا تتخلف ؛ تبشر ، وتدعو ؛ وتبدع وتبني ، وهى فى كل ذلك ، تؤصل وتؤثل ؛ فى اطار القيم الانسانية الرفيعة ؛ وفى نطاق الشخصية الحضارية القومية المتفتحة ؛ على الحضارات ، والمشاركة فيها ؛ أخذا عن بصيرة ؛ وعطاء عن قدرة ؛ ولقد عاصرت مجلة (( الفكر )) ؛ فى مسيرتها الظاهرة ، احداثا قومية ، وقارية ، وعالمية ، وشهدت ميلاد ظاهرات سياسية وثقافية جديدة ؛ واختفاء أخريات ؛ وكان لها ، فى كل ذلك رأى ، وموقف ؛ وصفحات (( الفكر )) وثيقة حية ، وشهادة ملتزمة لنضال عصرنا ... فهى ليست مجلة أدبية ، بالمعنى الفنى ؛ ولكنها كانت ، وتظل مجلة فكرية ، ثقافية ، بالمعنى الواسع ، تأخذ نفسها أيضا بالهموم الاجتماعية والسياسية ؛ التى لا يمكن فصلها عن الحياة الثقافية ؛ ضرورة التفاعل الحيوي والاجتماعى بينها ... ولقد أدت مجلة (( الفكر )) ، كمؤسسة قومية رسالة جليلة ؛ الى أبناء الامة العربية ، كتلك التى أدتها مجلتا (( الرسالة )) و (( الثقافة )) المصريتان فى السنوات الثلاثين والاربعين ، وجزء من الخمسين من هذا القرن .

وانه من الامور التى ينبغى ان تدرس ، هى أن (( الفكر )) ، بدأت حيث انتهت مجلة (( الرسالة )) ، التى فشلت كل المحاولات ، فى اعادة الحياة اليها، وكأن القدر أراد أن يكون هناك تواصل بين أبناء الامة العربية عبر هذه المؤسسات الثقافية الحرة ؛ ذلك الى جانب خصيصية انفردت بها (( الفكر )) ؛ وهى تصديها العمليات التغريب الممنهجة والمخططة ، فحفظت الثقافة العربية ، وحمت اللسان العربى ؛ ومكنت للغة العربية ، وللتعبير العربى ؛ ووصلت الرحم الفكرية بين الاجيال فى المغرب العربى ؛ وهذا فضل تاريخى ، فى تأصيل الهوية ؛ والحفاظ على الشخصية ، سيظل باقيا ، على وجه التاريخ ...

لقد آن (( لظاهرة )) مجلة (( الفكر )) ؛ أن تأخذ مكانها القيادى ، فى صياغة الحياة الثقافية ؛ وهى قادرة على ذلك ؛ فقد استطاع منشئها الاخ الصديق , الاستاذ محمد مزالى ، بمواهبه الخلافة ؛ وارادته الصلبة ، وبايمانه العظيم ؛ وببصيرته الرائدة ، وبعلاقاته الانسانية الامينة ، أن يوفر لها من أسباب الحياة ، على مدى ثلاثين عاما من النضال اليومى ، ما عجزت عنه الحكومات والمؤسسات ، لمجلات مماثلة ؛ وذلك لان (( الفكر )) بالنسبة له ، لم تكن عملا خارجيا ، ولا مؤسسة ثقافية مستقلة ، بل كانت جزءا من حياته ؛ وبعضا من كيانه ؛ فكانت تحيا بحياته ، وتنمو ، بنموه ، وهى فى الوقت نفسه ، كانت تعبيرا جماعيا ، عن حياة قومية متكاملة ، ومعايشة لحقيقة حية ؛ وعودة الى الذات الحضارية ؛ وتطلعا مشروعا الى أفق انسانى كريم وأمين ، الى نسق من الحياة الحرة العادلة الآمنة المبدعة ... وهكذا اجتمعت (( للفكر )) مقومات النمو والخلود ...

ومن هنا ، فانى أطمع أن يتسع عطاء (( الفكر )) ؛ لتضم مؤسسة قادرة على الانتاج العربى ؛ فى كل مجالات الثقافة ؛ فتصدر السلاسل ؛ والكتب ؛ والدراسات ؛ وقد يكون هناك مجال لاصدار مجلة للاطفال ؛ وهم عدة المستقبل ، فيكون (( للفكر )) حينئذ ، مجتمع متكامل ، على مستوى الانتاج الفكرى والثقافى ؛ وعلى مستوى الاجيال ...

ان سيادة الاخ محمد مزالى ؛ وهو الذى استطاع أن يمارس القيادة السياسية ، بالنهج الثقافى ؛ ويمازج بينهما ، مزاجا حميما وخلاقا ، انطلاقا من ايمانه بدور الثقافة قادر ، ومن خلال تجربته الفريدة أن يحقق (( للفكر )) ؛ هذا الامل ، فى الرسوخ والتقدم والاشعاع .

ان الحديث عن (( الفكر )) ؛ لا ينفصل عن الحديث عن شخصية السيد محمد مزالى ؛ ولا عن أسلوبه فى الحياة ، وفلسفته العملية ؛ فهو من جيل المناضلين الذين كانوا فى خندق المسؤولية والنضال ؛ كانت حياته الفكرية تنمو جنبا الى جنب مع التزامه النضالى ؛ فى ظل المدرسة الوطنية العظيمة ، مدرسة المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبه ، الذى ألهم شباب . تونس ؛ القدوة والقدرة ، على التكوين المتكامل والمتفتح .

ان الاستمرارية والمواصلة ؛ والدأب والاصرار ؛ هى من الخصائص البارزة فى شخصية السيد محمد مزالى ، فى حياته اليوميه ؛ وفى حياته العامة ؛ وهى خصائص ترجع فى اصولها ؛ الى العزيمة الصادقة ، والى الوضوح الفكرى ، والى الاستقامة السلوكية ؛ وما أخذ فى شىء جل أو دق ، الا وبلغ به غايته ، وسوف تصبح (( الفكر )) باذن الله ؛ وبعزيمة منشئها ، صرحا ثقافيا عربيا باقيا ، الى جانب كونها مفخرة تونسية فى مجال العطاء الثقافى العربى ...

لتتوالى السنون ، والايام ؛ و (( الفكر )) تزداد مع الزمن ، شبابا وفتوة ؛ ويمتد اشعاعها قويا وصادقا ، على الارض العربية ، حاملة رسالة الثقافة العربية ؛ ولتبق أسرتها القادرة المثابرة المؤمنة ، بقيادة عميدها ، فى عطائها الممدود لا ممنونا . ولا مقطوعا ، للاجيال العربية . واذا كانت (( الفكر )) ، أصبحت ، كمؤسسية ثقافية (( ظاهرة )) ، فانما ذلك ، لان مؤسسها ، كمفكر ومناضل ، (( ظاهرة )) أيضا ، ولا يمكن فصل الظاهرتين ، فقد أدت احداهما الى الاخرى ...

اشترك في نشرتنا البريدية