مر حين من الدهر على تونس كانت فيه الحركة الادبية والثقافية شبه فكرة ، حتى ظهرت مجلة (( الفكر )) فجلت المعدن وأزالت الصدأ وأيقظت الهمم وفسحت المجال أمام العزائم الصادقة لتثري التراث البشرى بالتيار التونسى الذى يحمل فى طياته أصالة وتفتحا ويثبت ما للذات التونسية من قدرة على الخلق والابداع فى كل المجالات التى تفيد الانسان وتمنحه القدرة على تسلق درجات عليا فى ميدان التحضر والتمدن .
ظهرت مجلة (( الفكر )) منذ ثلاثين سنة ، فى عهد لم يكن اغلب التونسيين يتصورون أن القدرة الابداعية التونسية فى وسعها أن تنتج انتاجا تونسيا يستطيع أن يوازى أو يقف على قدم المساواة أمام ما يبدعه الشرق والغرب ، فكانت برهان التحدى ، وعنوان القدرة والصمود أمام كل محاولات الاحباط وغرس عقد النقص والشعور بالدون ، لانها أنجبت الجديد وآثرت أن تحمل شعار التونسة ضمن الاطار العربى الاسلامى على أن تكون أبواق ترديد لما هو معروف فى الغرب أو الشرق ، إنها بالتالى مرآة ينعكس عليها الفيض المنبث من الواقع التونسى بعد التفاعل معه والغوص الى أعماق مكنوناته حتى يكون نبع الالهام ومصدر الخيال ومرصد الحقيقة ومجهر الخفايا والخبايا .
إن مجلة (( الفكر )) وه تحتفل بعيدها الثلاثين تحتفل فى الحقيقة بانتصارها للمذهب الفكرى الانسانى لانها واكبت أفراح الشعوب المحبة للسلام حين استقلال بلدانها وتخلصها من الهيمنة الاجنبية ، وعززت قوى النضالات فى مواجهتها لقوى الغطرسة والتسلط ، ومكنت المفكرين والادباء من أداء رسالتهم الانسانية وهم متشبثون بالقيم العليا والمثل السامية رائدهم تعزيز جانب الكلمة الحرة البناءة التى تسمو بالانسان الى أعلى عليين حيث السمو الاخلاقى ونبل العلاقات بين الانسان وأخيه الانسان فى توقه الى الحرية والعدالة والمساواة لتحقيق المجتمع الفاضل الذى هو مطمح الشرفاء المؤمنين بحتمية انتصار الخير على الشر فى كل الصور والاحوال .
ان مجلة (( الفكر )) فى احتفالها بمرور ثلاثة عقود من حياتها تثبت انها بافساح المجال أمام كل المبدعين مهما كانت اتجاهاتهم الفكرية قادرة على أن تجعل أسرة الفكر فى تزايد متواصل مع الحفاظ دوما على أرقى المستويات الابداعية والنقدية دون الانحياز الى اتجاه دون آخر أو مدرسة أدبية دون غيرها ، وانما كان المجال وما يزال مفتوحا أمام كل الطاقات الخلاقة فى ميادين الفكر والادب والفن وكل مظاهر الثقافة .
إن عدم الزام الادباء والمفكرين من انتهاج منهج معين فى الكتابة مكنهم من أن يجدوا فى مجلة (( الفكر )) مجالا فسيحا لانتاجهم سواء كانوا ملتزمين أو غير ملتزمين أو كانوا رومنسيين أو رمزيين أو واقعيين أو سرياليين أو اجتماعيين أو نفسيين أو غير ذلك . يتصافح انتاجهم فى مجلة (( الفكر )) ما دام محافظا على مستواه الرفيع وما دام لا يتعرض للذات الانسانية بالثلب والتجني والتعدي على مقدساتها .
ومنطقى أن يكون لكل زهرة غارس ، ولكل شمعة مضيئة موقد ، ولكل لحن مؤنس مصدر ، فان صاحب الفضل فى تأسيس هذه المجلة الغراء التى هي للاقلام نصير وللمبدعين الخلاقين مجال فسيح هو الاستاذ محمد مزالى الذى آمن بقدرة الانسان التونسى على أن يكون فى الصفوف الامامية للمثقفين المنتجين المثبتين للذات التونسية .
ثم ان طبيعة الاعمال الفكرية تستوجب أن يكون مع الرائد الاول رواد لكونون للصفوف الامامية مدعمين وللعزائم شاحذين ، وفى طليعة هؤلاء الحاملين للواء القلم الاستاذ البشير بن سلامه الذى هو رفيق الدرب للاستاذ محمد مزالى انتاجا ورعاية واستقطابا للكفاءات والقدرات الخلاقة .
وما كان لهذه النهضة الفكرية لتتم لولا نسمات الحرية التى هبت على تونس بفضل منقذها من دياجير التخلف المجاهد الاكبر فخامة الرئيس الحبيب بورقيبه .
فهنيئا لنا جميعا بهذا الاحتفال الفكرى الذى يبعث فى الارواح انتعاشا ، وفى النفوس ثقة ، ويزيدنا ترابطا وتآزرا .
وخير وسيلة نضمن بها استمرار أعياد هذه المجلة الغراء فى عشرياتها المتتالية المدد الفكرى المتواصل النابع من ذاتيتنا والمعبر عن آمالنا وطموحاتنا والنابع من أرضنا وسمائنا والمتفتح على التيارات الفكرية الانسانية التى تجعلنا فى حوار متواصل مع الحضارات العالمية تبادلا للخبرات واستفادة بالتجارب الرائدة القادرة على ضمان رفعة الفكر وسموه فى أعلى مستوياته .
