انتظمت في تونس ، تحت اشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، ندوة هامة حول تخطيط التعاون الدولى لتنمية الثقافة العربية الاسلامية وحضر هذه الندوة عدد كبير من الشخصيات اللامعة من البلدان العربية والاسلامية ، وافتتح هذا اللقاء الاستاذ محمد مزالى الوزير الاول ومدير مجلة " الفكر " بالكلمة التالية :
اسمحوا لى قبل كل شئ بأن ارحب بكم باسم فخامة رئيس الجمورية وباسمى الخاص وان ابارك لقاءكم ومسعاكم ,
حقا انه لمسعى خير ناجح ، وانها لبادرة موفقة ان يلتئم هذا الجمع وتلتقى هذه النخبة الطيبة من رجالات الفكر وممن يضطلعون بقيادات سياسية وثقافية بالوطن العربى ، ليتدارسوا شؤون الثقافة العربية الاسلامية ، ويخططوا للتعاون الدولى لتنميتها ويؤسسوا هيئة تؤتمن على رعاية هذا الجهد وتوجيهه وتتولى مسؤولية رسم مساره وقيادته ، وتعمل على تحقيق الظروف الملائمة لنجاحه والاسباب الكفيلة بدعمه واستمراره .
فليسمح لى اذن ، بادىء ذى بدء ، ان اعبر عن تقديرى البالغ لكافة الجهود المخلصة التى ساهمت فى التئام هذا اللقاء ، وان اسدى للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - وعلى رأسها مديرها العام الاستاذ الكبير الدكتور محى الدين صابر - ما هى جديرة به من الشكر والامتنان اذ عملت ، كما عهدناها دائما ، بتفان وبذلت بسخاء ليلتئم جمعنا هذا فى ظروف مشجعة وفى اطار جدى بناء .
واسمحوا لى كذلك ، سيداتى سادتى ، بأن اعبر عن مشاعر الاعتزاز والعرفان اذ شرفتنى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم فدعتنى الى افتتاح هذا اللقاء التاريخى الهام الذى ستكون له باذن الله ، وبما نحمل جميعا من عزائم صادقة ، نتائجه المثمرة فى خدمة امتنا العربية الاسلامية وفى مستقبلها الثقافى ورسالتها الانسانية .
سيكون لقاؤنا هذا تاريخيا ، لانه سيتناول بالدراسة والبحث وبالنظر والتمحيص مسائل ذات اهمية مصيرية فى تاريخ امتنا العربية الاسلامية وفى ثقافتنا الثرية وما ينبغى لها من وجوه التطور والذيوع والاشعاع .
لقد أضحى من المسلمات ان ننظر الى الثقافة على انها عنصر اساسى لازم لكل عمل انمائى جاد ، وان كل تخطيط للتطور والنمو يظل سطحيا مهزوزا ما لم يستند الى دعائم ثقافية متينة راسخة ، وما لم تنزل الثقافة فى صلبه منزلتها الاساسية الملائمة . وانى لنا ان ندرك اهدافنا المشروعة فى الرخاء والازدهار ، ونحقق لامتنا من عوامل العزة والمناعة ما يدعو الى الاطمئنان والثقة بالمستقبل ما لم نستند الى اساس من الفكر المنتج والقيم الراسخة والنظرة السليمة والمواهب الفاعلة والتصور الواضح والطموح المتجدد .
ان تجارب التاريخ والشعوب اثبتت ، بما لا يدع للشك سبيلا ، ان الثروة الحقيقية الباقية والمناعة المضمونة والعزة الدائمة انما هى كامنة ، جميعا ، اولا وأخيرا ، فى الشعب نفسه . ولقد بينت هذه التجارب ان كافة وجوه القوة المادية ليست أكثر من وسائل يبتدعها الانسان ، أو يوفرها لنفسه ، لخدمة أهداف معينة ، وان هذه الوسائل ، مهما بلغ شأنها ، ليست اكثر من نتائج للفكر البشرى المنتج ، وهى أعجز من ان تذل أمة عزيزة أو تخضع شعبا آمن بنفسه وبرسالته وتسلح بتوقد الذهن ووضوح الرؤية وحرارة الايمان . .
لذلك كان الرهان على الانسان هو الرهان الافضل والاجدى والابقى ، ولذلك كان التخطيط لبناء ثقافة عربية اسلامية ثرية اصيلة متجددة
مزدهرة . . كان واجبا من أوكد واجباتنا الحاضرة جديرا بأن نسخر له من امكانياتنا وجهودنا ما ينهض باعبائه ويضمن مساره ويوفر الظروف الملائمة لتحقيق اهدافه .
ان تركيز الجهود فى لقاء قومى يجمع نخبة كهذه على التخطيط للتعاون الدولى لتنمية الثقافة العربية ليعبر بجلاء عن ادراكنا الواضح لاهمية هذا الوجه من وجوه الدعم والاثراء لثقافتنا العربية الاسلامية ، ويؤكد عزمنا المشترك على تغيير الصورة الشائعة لثقافتنا على المستوى الدولى وايماننا بضرورة تضافر الجهود وتسخير الامكانيات لتحقيق هذه الغاية .
وربما كان من اوكد واجباتنا فى هذا المجال ان نعبر عن مقاصدنا بوضوح ، وان نرفع ما يمكن ان يكتنف عملنا من غموض او التباس قد ينحرف عن اهدافه المشروعة او يحيطه بوجوه من التشكيك فيواجه بالحيطة والاحتراز .
ذلك اننا عندما نخطط للتعريف بثقافتنا العربية الاسلامية لدى شعوب صديقة قد ربطتنا بها اكثر من صلة ، فانما نهدف الى دعم التعاون وتمتين الاواصر التى تربطنا بهذه الدول والشعوب ، ونمارس حقنا فى تقديم صورة صادقة عن حضارتنا وثقافتنا كى تعرف على وجهها الصحيح ، ونعمل على وضع حد للدعايات المغرضة التى دأبت على تقديم صورة مشوهة مفتعلة لحضارتنا العربية الاسلامية ، ونمارس إعلاما ثقافيا مسؤولا قادرا على مواجهة التحديات والصعاب ، كفيلا بالمساهمة فى خدمة التفاهم والاخوة والسلام .
نحن لسنا دعاة هيمنة ثقافية أو غير ثقافية ، ولسنا ندعى الكونية للغتنا ، أو لثقافتنا العربية الاسلامية ، بحيث نعمل على احلالها لغات وثقافات وطنية اخرى . ولقد عانينا نحن انفسنا من عوامل الهيمنة والاحتواء . وكنا
دائما من اشد الامم تمسكا بالمبادئ الانسانية وثقة بالحوار بين الشعوب والتفاعل بين الثقافات ، وبذلك اكتسبت ثقافتنا العربية الاسلامية طابعها الانسانى ورسالتها المتواصلة .
بهذه الروح الاصيلة فى امتنا علينا ان نخطط ونعمل على تقديم صورة صادقة لثقافتنا وحضارتنا لدى الامم الصديقة وعلينا ان نناهض الصورة المشوهة المفتعلة التى أشيعت لنا فى اصقاع كثيرة من الارض ، وننزل ثقافتنا القومية منزلتها الملائمة فى خدمة الثقافة الانسانية واثرائها ، ونساهم فى تأكيد مبادئ الاخوة والتفاهم والسلام بين الشعوب .
وليس عزيزا علينا ان نحقق مثل هذه الاهداف السامية اذا وظفنا لها من امكانياتنا المادية والذهنية ما هى جديرة به من الدعم والمؤازرة ، وعملنا على التنسيق المحكم بين جهودنا المشتتة فى هذا المضمار ، وحرصنا على ان يكون بيننا من وجوه التفاهم والوئام ما يسمح بتقديم صورة مشرفة من واقعنا الى الاصدقاء .
هذه جملة من الخواطر اردت ان اعبر عنها باختصار فى افتتاح هذا اللقاء ، ويقينى ان ما سيدور بينكم من حوار وما سيقدم من معطيات مدققة سيسفر عن وضع تخطيط محكم للتعاون الدولى لتنمية الثقافة العربية وتصور واضح بوسائل العمل ومناهجه وأساليبه وستوضع نتائج اعمالكم الموفقة ، باذن الله ، بين أيد أمينة فتسهر هيئة الامناء - التى ستؤسسونها فى هذا اللقاء التاريخى - على متابعتها واثرائها ، وتسخر كفاءاتها الجادة لخدمتها ، فاسمحوا لى أن أؤكد الشكر لكافة العزائم المخلصة التى ساهمت فى لقائنا هذا ، وان اتمنى لكم جميعا اقامة طيبة وعملا مثمرا فى تونس البورقيبية المؤمنة باسلامها المعتزة بعروبتها المتمسكة باصالتها الحريصة على اداء دورها ضمن الاسرة العربية الاسلامية على الوجه الاكمل .

