الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

تدوين الدستور الاسلامى

Share

٩٣ صفحة حجم متوسط - الطبعة الثانية - دار الفكر بدمشق

حديث هذا الكتاب له جدة متجددة فى كل يوم وشهر وسنة ، بل فى كل ساعة ، ما دام هناك فئتان على نقيض تام . أولاهما تلك الفئة المؤمننة بربها ، الحالمة بالنظام والحياة الاسلامية نظاما يسود العالم ، العاملة على نشر السلام فى رسوع العالم الواسعة بالاسلام ، وترى فى دستوره الربانى خير الطرق لقيادة الانسان نحو بر الامان . وأخراهما تلك الفئة الجاحدة للاسلام ، سواء ممن كانوا فى فترة من أهله ، ولكن بحكم الوراثة والتقاليد ، أم من غيرهم ، ولكنهم يشتركون جميعا فى الجحود والنكران ، فهذه الفئة تنكر على الفئة الاولى أن يكون لاسلامها ما يمكن أن يكون فيه ما يشبه الدساتير المنظمة الشاملة لكافة مناحى الحياة .

ولا أجزم بأن هذا الكتاب هو الدليل الناصع ولا غيره بيد الفئة الاولى ، ولكنه مهما يكن حجة دامغة وبيان واضح ، ودليل يكفى ليسكت أهل الضلال ، ويلقمهم حجرا يخرس ألسنتهم .

وهو بعد ذلك حكاية دفع مؤمنة للمؤمنين الصادقين ليسعوا جادين فى سبيل ارساء أسس متينة للمجتمع المسلم عن طريق تحقيق الحياة الاسلامية الفاضلة ، وهو منبه للمسلمين الذين يعيشون اليوم عيشة الضلال فى المجتمعات الجاهلية .

الكتاب - كما هو واضح من قلة عدد صفحاته - فى أساسه محاضرة ألقاها المؤلف الفاضل فى مراكش (( أيام كانت حركة المطالبة بالدستور الاسلامى قائمة

على قدم وساق فى طول باكستان وعرضها )) . فالصفة الدينية التى لازمت سكان باكستان أيام نضالهم الرائع قبل أن يحصلوا على مطالبهم فى الهند أيام الانتداب البريطانى والى ما قبل بضعة وعشرين سنة ، هذه الصفة التى دفعت بجمهور مسلمى الباكستان للمطالبة بالدستور الاسلامى ، ولكن ما هو الدستور الاسلامى ؟ وما هى مصادره ؟ . . وما هى الطريق لتدوينه ، ليكون دستورا عصريا راقيا ؟ . . هذه الامور يجهلها هذا الجمهور ، فكان هذا الكتاب جوابا على كل هذا .

وقد نشر هذا الكتاب من قبل فى المجلات ، وعلى شكل رسائل باللغات الاردية والانكليزية ، وظهرت الترجمة العربية لاول مرة سنة ١٩٥٣ م ، ثم طبع للمرة الثانية بعد شئ من التنقيح والتهذيب ، وهى التى سأعرض للكتاب من خلالها .

يمهد المؤلف بين يدى بحثه بالحديث عن طبيعة مشكلة تدوين الدستور الاسلامى ، ذلك أنه لم يدون أصلا بالشكل الذى يفهم عليه الدساير الناس اليوم ، بل هو مدون فى مصادره الاولى التى يجب الرجوع اليها عند بدء تدوين هذا الدستور .

والدستور غير المدون ليس بغريب على الناس والدنيا ، فقد بقيت جميع الدول تجرى على الدسايتر غير المدونة الى القرن الثامن عشر ، ثم أن هناك دولة كبرى ما زالت تسير أمورها على هدى دستور غير مدون ، هى بريطانيا ، ولو أرادت تدوينه أو دعتها الحاجة الى مثل ذلك ، فليس لها الا أن تعود لمصادره الاصلية . ثم يدخل المؤلف فى تبيان مصادر الدستور الاسلامى وهى :

١ - القرآن الكريم : (( وقد بين الله تعالى فيه احكامه وقواعد شريعته ، وهذه الاحكام والقواعد شاملة لجميع شئون الحياة البشرية )) , وهى ليست لهداية الانسان فى فردياته فحسب ، بل هى أحكام كذلك لاصلاح كل شعبة عن شعب الحياة الجماعية وتنظيمها ، وقد أوضح الله فى هذه الاحكام المبادئ التى ينبغى لهم أن يقيموا عليها دولتهم ، والاهداف التى من أجلها ينبغى لهم أن يقيموها )) .

٢ - سنة الرسول صلى الله عليه وسلم : وفيها يتبين كيف قام النبى عليه السلام بتنفيذ أحكام القرأن ومبادئه ، (( وكيف أفرغ فكرة الاسلام فى قالب العمل ، وكيف شكل مجتمعا اسلاميا على أساس هذه الفكرة (( وبالسنة )) نعرف وجهة القرآن الحقيقية ، فكأنها انطباق لمبادئ القرآن على الاحوال العملية )) .

٣ - أعمال الخلفاء الراشدين : وتحفل كتب الحديث والتاريخ والسيرة بها ، (( فما أعمالهم هذه الا أسوة نتأسى بها وقدوة نقتدى بها ))  وما زالت الامة الاسلامية الى الآن تتلقى هذه الاعمال بالقبول التام ، وما اتفقوا عليه فى فهمهم وعملهم من أحكام الدين هو ما نسميه ( الاجماع ) ، وما اتفقوا عليه هو حجة لمن بعدهم ، ذلك لان اتفاقهم على شئ معناه فهم صحيح لكتاب الله وطريق سليم فى العمل بآياته ، أما اذا اختلفوا فى شئ فمن الممكن أن يرجح رأى على رأى ، اذا رافقه الدليل ، أما اذا اجمعوا على أمر فذلك يستلزم أنه لا يصح فيه الا تعبير واحد .

٤ - مذاهب المجتهدين : ورابع هذه المصادر (( هو ما ذهب اليه المجتهدون فى الامة على معرفتهم للدين وبصيرتهم فى أحكامه ، عندما عرضت لهم مختلف المسائل الدستورية فهذه المصادر وان لم تكن حجة فى الدين تساعدنا كثيرا فى فهم روح الدستور الاسلامى وقواعده )) .

هذه هى المصادر الاربعة لا زالت الكتب التى نحتويها بين أيدينا ، فلا شئ مفقود منها ، ولكن هنالك بعض المشاكل التى لا بد أنها ستواجهنا اذا أردنا أن نقتبس من هذه المصادر قواعد الدستور ، وأهم هذه المشاكل :

ا - غرابة المصطلحات : (( الناس عامة فى هذا الزمان قليلا ما يتفطنون لما ورد فى القرآن وفى كتب الحديث والفقه من المصطلحات عن الاحكام والمبادئ الدستورية ، ذلك بأن نظام الاسلام السياسى قد تعطل فينا منذ أمد غير يسير ، فلا يكاد اليوم يسمع بتلك المصطلحات )) ، فمن الكلمات والمصطلحات التى ترد فى مثل هذه الكتب والمصادر : السلطان والملك والحكم والأمر والولاية ، وقليل من يدرك معناها الدستورى .

ب - الترتيب الغريب للكتب الفقهية القديمة : هذه المشكلة جاءت من جهة أن المسائل الدستورية لم تجمع فى كتب فقهية تحت أبواب وفصول مستقلة ، بل اختلط الدستور فيها بالقانون . ولم تنشأ الفكرة القائلة بأن الدستور غير القانون الا فى العصور المتأخرة لذا فلم يفطن مدونو هذه الكتب الى مثل هذا .

لذا فالمسائل الدستورية موزعة فى جميع

أبواب كتب الفقه ، واذا أضفنا الى هذا التشتت الذى يصيب المسائل الفقهية اختلاف اللغة والمصطلحات عن مصطلحات ذلك العصر ، فقد يعجز غير المتضلع فى مختلف فروع القرآن ومسائله وعلومه ، وفى الاساليب اللغوية القديمة ، عن معرفة مسألة من مسائل القانون الدولى أو القانون والدستور لاختلاطهما بغيرها .

ج - فساد النظام التعليمى : فالنظام التعليمى يقوم على أساس غير صحيح منذ أمد طويل ، فالذى يدرس العلوم الدينية يجهل المسائل السياسية الجديدة . فتجده عاجزا عن الربط بين المصطلحات السياسية الجديدة ، وبين ما فى الاسلام من مبادئ وأحكام ، ورجالنا المتعلمون الجدد الذين تسلموا أزمة نظامنا المدنى والسياسى , بقدر ما يعرفون مسائل الحياة الجديدة فهم يجهلون هداية دينهم فى هذه المسائل ، ولا يعلمون شيئا عن السياسة والدستور الا ما علمه لهم الغرب ، والذين يحبون منهم احياء النظام السياسى الاسلام من جديد ، هم فى حاجة شديدة اليوم الى أن نبين لهم هداية الاسلام فى هذه المسائل باللغة التى يعرفونها .

د - ادعاء الاجتهاد مع الجهل : وهى أحدث هذه المشاكل ، وسببها ما شاع بين الناس من أن لا كهنوتية فى الاسلام ، فليس للعلماء اختصاص بالقرآن والسنة ، حتى يكون لهم وحدهم الحق فى التعبير عنها ، بل المسلمون جميعا يتمتعون بهذا الحق معهم .

نعم لا كهنوتية فى الاسلام ، ولكن ليس معناه ان الاسلام كالالعوبة فى أيدى الاطفال ، ذلك أن فاقد الشئ لا يعطيه ،

فالذى لم يدرس القرآن والسنة ، ويصرف الوقت والجهد فى تلقى علمهما ، يجهلهما لدرجة لا يتمكن معها من ابداء الرأى الصحيح فى أى مشكلة تعرض له على ضوئهما . من هنا اختص العلماء وحدهم فى مثل هذا الاجتهاد ، ذلك أن صفة الجهل بالقرآن والسنة منفية عنهم ، بسبب دراستهم واطلاعهم الواعي المستمر عليهما .

ويعرض المؤلف الفاضل بعد هذا العرض للمصادر التى يعيش الدستور بين حناياها ، والمشاكل التى تواجه تدوينه الى المسائل الرئيسية لهذا الدستور ، ويتناول فى عرضه هذا تسعا من هذه المسائل الرئيسية :

١ - مسألة الحاكمية : أى من ذا الذى يبوئه الدستور الاسلامى منصب الحاكمية ؟ فيؤكد بأن القرآن يجيب على هذا اجابة قاطعة واضحة ، فالله هو الحاكم الحقيقى فى واقع الامر ، ولا يستحق هذه الحاكمية الا هو .

ويفسر المؤلف مدلول هذه الكلمة : (( الحاكمية )) ؛ فهي باصطلاح الناس اليوم السلطة العليا أو المطلقة ، وحكمها فى نظرهم هو القانون ، والقانون يسن بارادة صاحب هذه الحاكمية ، وتجب طاعته على الافراد ، وليس من قانون يقيد الحاكم ، ولا يسأل عما فى قانونه من خير أو شر .

وما تصور الحاكمية بأقل من هذا للتصور ، ولكن الحاكمية تبقى فرضا ، ما دامت لا تستند الى حاكمية واقعية أو سياسية . ومثل هذا التصور للحاكمية مفقود فى هذه الايام ، فمهما كان الحاكم مطلقا فى كل أعماله ، فسنجد بعد تحليل سلطانه أن هنالك أكثر من عامل خارجى ,

لا يخضع لصلاحياته .

وقد أوضح القرآن أن الله هو القائم بهذه الحاكمية ، الغالب المطلق الاعلى ( فعال لما يريد ) . ولا يحل لأحد غير الله أن ينفذ حكمه فى عباد الله ، فهذا الحق لله وحده ، لأنه هو خالقهم (( وقد عبر - القرآن - عن الانحراف عن حاكمية الله القانونية بالكفر الصريح فى آية ثالثة حيث قال : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ))

وممثلو هذه الحاكمية القانونية لله تعالى فى الارض هم الانبياء والرسل ، وهؤلاء هم الوسيلة التى نعلم بها ما وضح لنا شارعنا من قانون أو شريعة . لذا فطاعتهم واجبة ، ثم هم مرجعنا الاخير فيما نختلف فيه ، وهكذا فالحاكمية القانونية التامة هى لله ولرسوله ، صلى الله عليه وسلم ، ويتبع هذا أن الحاكمية السياسية لله تعالى وحده . ذلك لان أى وكالة تقوم بتنفيذ حاكمية الله بالقوة السياسية لا يمكن أن يقال لها بلغة السياسة حاكمية ، ولا يمكن أن تكون حاملة للحاكمية ، والكلمة التى يعبر بها عن هذه الوكالة هى : الخلافة .

٢ - الحدود العملية للدولة الاسلامية : وقد اتضحت بعض الشئ عندما شرح المؤلف كلمة الخلافة ، فاذا كانت هذه الدولة خلافة من الله وتسليما بحاكميته ، فلا بد أن تكون صلاحيتها محدودة فى ضمن ما قد وضع الله لها من حدود .

ومعنى ذلك أنه لا يحق للدولة مطالبة الشعب باطاعة احد ، اذا كانت منسلخة عن الله والرسول (( فلا طاعة لمن عصى الله )) و (( لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق )) .

٣ - الحدود العملية لاركان الدولة : وفى حديثه عن هذه الحدود ، يبحث المؤلف

أركان الدولة الثلاثة ، وهى التشريعية والتنفيذية والقضائية .

فالمجالس التشريعية ليس الا ما كان يصطلح عليه (( بأهل الحل والنقد )) وفى الدستور الاسلامى لا يجوز للمجلس التشريعى أن يضع ولو باجماع أعضائه قانونا يخالف كتاب الله وسنة نبيه ، أما وظيفتها فتتحدد بأمور منها : وضع القواعد واللوائح لتنفيذ الاحكام الواضحة القاطعة عن الله ورسوله ، وأن يرجح هذا المجلس التأويل الذى يراه مناسبا للقانون اذا كان هنالك أمور تحتمل الاحكام فيها تأويلات عديدة ، ولهذا يجب أن يشتمل المجلس على رجال من أرباب العلم يصلحون لتأويل الاحكام . ويشترط فى هذا التأويل أن لا يتخطى حدود التعبير ويدخل فى دائرة التحريف . ومنها كذلك أن الامور التى لم ترد فيها أحكام يحق للمجلس أن يضع لها قوانين جديدة على هدى من المبادئ الدينية .

أما الهيئة التنفيذية فمهمتها هى تنفيذ الأحكام الالهية وتهيئة ظروف البلاد والمجتمع لتنفيذها ، وهذه الهيئة هى ما يعبر عنها القرآن (( بأولى الأمر )) وما يعبر عنه فى السنة (( بالأمراء )) ، وطاعتهم واجبة ، ولكنها مرتبطة باتباع أولي الامر أو الأمراء ، أحكام الله ورسوله .

أما السلطة القضائية ، فهى تنشأ لتنفيذ القانون الالهى فى المحاكم لا لمعارضته أو محاربته ، ودائرة عملها يعينها مبدأ الحاكمية الالهية القانونية .

ورغم انه لم تكن هنالك أحكام صريحة فيما جاءنا من الشريعة ، تحدد العلاقة بين هذه الأركان الثلاثة ، فان تتبعنا لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون ، يجلى لنا المسألة ، ونعلم أنه

، حيث الرئاسة ، لا يكون رئيسا لهذه الشعب الثلاث الا رئيس الدولة نفسه , ولكن أهل الحل والعقد كانوا رجالا بمشورتهم تدبر شؤون البلاد ، وكان الامراء آخرين غيرهم ليس لهم تدخل فى التشريع ، وكان القضاة من رجال آخرين غير هؤلاء وأولئك ، وليس عليهم شئ من المسؤولية عن شؤون البلاد الإدارية كذلك ليس للخليفة أو غيره التدخل فى أمر القضاء ، بل عليه أن يمثل أمامه اذا رفع عليه شخص ما قضية أو دعوى .

ومن الممكن تعديل وتحديد مسؤولية رئيس الدولة ، فان كان الخلفاء الراشدون قد جمعوا بين السلطات الثلاثة ، فاننا فى هذه الايام لا نجد من يمثل أبا بكر الصديق ، ويؤيد هذا التعديل (( أنه لا توجد فى الشريعة قاعدة من قواعد الدستور الاسلامى تقيدنا بضرورة الجمع فى شخص رئيس الدولة بين منصب رئيس القضاء والحاكم الأعلى لادارة الحكومة )) .

ولكن هل يسمح الاسلام للقضاء بأن يرفض بعض ما يصدر عن المجلس التشريعى من القوانين على أنها مخالفة للكتاب والسنة ؟ . . .

يجيب المؤلف بأنه لم يقع على مثال واحد فى هذا الباب ، لأن أهل الحل والعقد يومذاك كانوا ممن لهم بصيرة نافذة فى الكتاب والسنة ، ولا يمكن بحال وضع شئ يخالف الكتاب والسنة .

ثم ما هى منزلة المجلس التشريعى الحقيقية فى الاسلام ؟ . . هل هو مستشار لرئيس الدولة ؟ . . وهل لرئيس الدولة أن يقبل مشورته أم يرفضها ؟ . .

وملخص اجابة المؤلف على ذلك أنه بالرغم من أن الاسلام يحتم على رئيس الدولة

المشاورة . الا انه (( ليس مفيدا بأن يعمل بما يتفقون عليه - كلهم أو أكثرهم - من الآراء ، وبكلمة أخرى انه يتمتع بحق الاعتراض ( Veto ) بازائهم . ويمثل لذلك من سيرة أبى بكر الصديق ، برأيه فى انفاذ بعث أسامة بن زيد ، وبرأيه الآخر فى قتال المرتدين )) .

واذا حاولنا فهم حق الاعتراض هذا على ضوء فهمنا فى هذه الايام ، فقد نسئ فهمه ، فقد نشأ هذا الحق فى بيئة خلت من الاحزاب ومؤتمراتهم ، وما يسمونه بالمعارضة فى هذه الايام .

٤ - الغاية التى تقوم لأجلها الدولة : أى ما هي الاغراض السياسية التى تقوم لأجلها الدولة الاسلامية ، وتعمل على تحقيقها ؟

وهذه الغاية هى كما بينها القرآن فى مواضع كثيرة (( أن تعمل على ترقية الحسنات التى يريد الاسلام أن يحلي بها الانسانية ، وتستنفد جهودها فى استئصال السيئات التى يريد الاسلام أن يطهر منها الانسانية )) ، وهذا ما تتميز به الدولة الاسلامية عن غيرها من الدول .

٥ - كيف تتشكل الحكومة لتدبير شؤون الدولة التى تقوم على هذه الأسس ؟ وأهم مسالة فى هذا الصدد هى مسالة رئيس الدولة .

لم يأمر الرسول حين وفاته بأحد ليكون خليفته ، وعندما مرض أبو بكر استشار الصحابة واحدا واحدا فيمن يصلح للخلافة ، وعندما دنا أجل الفاروق عين ستة أشخاص كانوا اهل الحل والعقد يومئذ ، ليكون الخليفة من بينهم ، ولما دخل الصحابة على علي بعد وفاة عثمان ، وطلبوا منه أن يصبح الخليفة رفض هذا الامر ، ولم يبايعهم الا

بعد أن أصروا على ذلك ، وفى المسجد أمام الناس كافة .

هذا ما حدث فى كيفية تولي الخلفاء الاربعة الأول الخلافة الاسلامية ، وسبب ذلك هو سكوت النبي فى باب الخلافة . ويثبت من هذه السابقة ان انتخاب رئيس الدولة متوقف على رضاء عامة المسلمين , ويجب أن يجرى هذا الانتخاب من غير ما عنف ولا تدليس .

أما كيفية انتخاب مجلس الشورى (( فالقاعدة الكلية التى تستنبط من تعامل الصحابة فى عهد الخلافة الراشدة ، بل من الاسوة النبوية نفسها ، أن الخليفة لا ينبغى له أن يشاور فى الامر من يشاء ، أو أن ينتخب هذا الذى يشاور بنفسه ، بل يجب عليه أن يشاور فى أمر المسلمين من يكون حائزا لثقتهم ، ويكون الناس على اطمئنان من اخلاصه ونصحه وأمانته وأهليته )) .

ولا يمكن أن يختار اليوم لهذا المجلس نفس الطريق الذى اختاره المسلمون فى بدء الاسلام ، فيجوز لنا أن نستخدم على حسب أحوالنا وحاجاتنا كل طريق مباح ، يمكن به تبين من يحوز ثقة هذه الامة ، ومن هذه الطرق الانتخاب (( بشرط أن لا يستعمل فيها ما يستعمل من الحيل والوسائل المرذولة )) .

ولكن ما هو شكل الحكومة ونوعها فى الاسلام ؟ . .

كان المسلمون الاول يبايعون الخليفة على السمع والطاعة ، فى كل أمر من أمورهم ، فكان الخليفة رئيس الدولة ورئيس الحكومة ، ويحق له حضور البرلمان وترؤس جلساته ، ويشارك أعضاءه فى مناقشاتهم وبحوثهم ، ولم يكن هناك حزب للحكومة ،

وحزب معارض ، والخليفة مسؤول أمام الناس عن كل أمور الدولة ، ولا بد أن نقتبس من سيرة هؤلاء مبادئ أساسية تأخذ فى افراغها فى قالب العمل على حسب أحوالنا وحاجاتنا ، ومنها : كل من يتحمل مسؤولية فى الحكومة أو الدولة يجب أن لا يكون على اتصال مع ممثلى الجمهور فحسب ، بل على صلة بعامة الاهالى ايضا ، ولا يدير شيئا بالمشاورة فحسب ، بل يكون مسؤولا عن أعماله ايضا . ومن هذه المبادئ أن نتخلص من النظام الحزبي ان وجد ، فهو يدنس نظام الحكومة بأنواع من العصبية الجاهلية ، ومنها أن لا يقام نظام الحكومة على ضوابط ملتوية يعزبها على القائمين بالأمر أن يقوموا به ، وعلى المحاسبين أن يحاسبوا ويعينوا أسباب الفساد . ورابعها وأهمها أن يكون صاحب الامر وأهل الشورى ممن يمثلون الاسلام فى أنفسهم عقيدة وعملا .

٦ - صفات أولي الامر ومؤهلاتهم : أهمها الاسلام والرجولة ثم العقل والبلوغ ، وسكنى دار الاسلام ، فغير أهل للمنصب من يطلبه ويسعى اليه ، لأن مناصب المسؤولية أمانة يجب أن تؤدى الى أهلها ، كذلك لا يجوز للمرأة أن تتولى المناصب الرئيسية فى الدولة ( ١ ) .

٧ - المواطنة : يقسم الاسلام سكان دولته قسمين من غير غش ولا خديعة ، وهما : المسلمون وأهل الذمة . وأهم أسس مواطنة المسلمين

هى : الايمان وسكنى دار الاسلام أو الانتقال اليها ، فالاسلام بدون الانتقال أو سكنى داره يرفع عن صاحبه أهلية دار الاسلام ، أما المؤمنون الذين يقطنون فى دار الاسلام ، فهم من أهل هذه الدار ، وهم متساوون فى حقوقهم وأولياء فيما بينهم .

ويلقي الاسلام على هذا القسم تبعة حمل نظام كله ، (( ويخولهم وحدهم الحق فى أن ينتخبوا أولي الأمر لهذه الدولة ، ويشتركوا فى البرلمان - مجلس الشورى - المدبر لشؤونها ، وأن تسند اليهم مناصبها الرئيسية )) ، ودليل المؤلف فى ذلك عهد النبوة ، وعهد الخلافة الراشدة .

(( والمراد بأهل الذمة جميع أولئك الذين يقطنون فى داخل حدود الدولة الاسلامية من غير المسلمين ، ويقرون لهم بالولاء والطاعة )) ، فهؤلاء يضمن لهم الاسلام المحافظة على دياناتهم وثقافاتهم وأموالهم وأعراضهم ، وينفذ فيهم قوانينه ، وتعطيهم هذه القوانين ما تعطيه للمسلمين من حقوق سواء بسواء ، وتفتح لهم جميع أنواع الوظائف الا الرئيسية منها ، ونصيبهم من الحرية المدنية هو نصيب المسلمين ، ولا يعاملون فى الشؤون الاقتصادية الا بما يعامل به المسلمون ، ثم هم يعفون من تبعة الدفاع عن الدولة ، فهذه التبعة من اختصاص المسلمين .

الدستور الاسلامى يقرر كل هذا بوضوح ، ولا يسلك تلك الطرق الملتوية التى تتبعها الدول فى هذه الايام ، حيث ينص دستورها على أمر ، وتفعل هى ما تريد ، ثم ينظر من ينكر هذه القسمة الى الدول التى تحمل فكرة معينة ، فهى تعامل من لا يؤمن بهذه الفكرة معاملة وحشية .

٨ - الحقوق المدنية : الدستور الاسلامي يحافظ على نفوس وأموال وأعراض سكان دولته ، ولا يؤاخذهم الا لأسباب قانونية شرعية  , وخطبة الرسول فى حجة الوداع شديدة الدلالة على هذا .

ثم هو يحافظ على حريتهم الشخصية ، فلا يحل أن يسلب الفرد حريته من غير أن يثبت عليه جرم ، وحينذاك يسمح له بالدفاع الحر عن نفسه .

ثم هو يحافظ على حرية ابداء الرأي أو المبدأ ، وقد أوضح على بن أبى طالب هذا الحق فى رسائله الى الخوارج ، ولكن لهذه الحرية حدود ، وهى أن لا يحاول أصحابها ترويج مذاهبهم هذه بالطرق الارهابية : فهنا تتدخل الدولة وتجازيهم على أعمالهم .

ثم ان الاسلام يكفل الحاجات الانسانية اللازمة لكل فرد من أفراد البلاد ، لذا فقد فرض الزكاة ، وأهل الذمة سواء مع المسلمين فى هذا الحق .

٩ - حقوق الدولة على الأهالي : وأولها الطاعة (( المصطلح عليها ( بالسمع والطاعة ) فى الاسلام )) ، وثانى هذه الحقوق الاخلاص للدولة وهو ما عبر عنه فى الكتاب والسنة بكلمة (( النصح )) فالاسلام يلزم سكان دولته بالتعاون معها ، ولا يقعدوا عن بذل سعي أو تضحية بالنفوس والاموال فى سبيلها .

هذه هى معالم دستور الدولة الاسلامية والمؤلف لا يصر على مصطلح معين لاسمها ،

وللغير أن يسميها بأي اسم شاء ، ولكنها اسلامية وكفى .

ان المحاولات التى يقوم بها العلماء والخبراء المسلمون لوضع خطط اعلامية سواء فى السياسة أم الاقتصاد ، أم الاجتماع ان هذه المحاولات ستبقى حبرا على ورق ما لم يلابس وضعها قيام مجتمع اسلامى يكون قادرا على الاخذ بها .

ان حاجات المجتمع الاسلامى ومشاكله تتبع أصلا من صميم وجوده ، وليست سابقة على هذا الوجود ، ذلك أنه بعد قيام هذا المجتمع تنهض المشاكل والمصاعب , وتتولد القضايا التى تلابس حاجات هذا المجتمع ، وبقدر اسلامية هذه المشاكل والمصاعب والقضايا تكون الحلول الاسلامية لها ناجحة وموفقة ، لأن هذه الحلول تتفهم طبيعة هذه المشاكل فى المجتمع المسلم الناهض .

وهذا البحث الذى قام بوضعه الاستاذ المودودى وعرضته فيما سبق من صفحات ، لا يدخل ضمن الحلول المفترضة للمشاكل غير الموجودة ، ذلك أن الباكستان كانت قد أنشئت حديثا ، أي قد برز مجتمعها الاسلامى الى الوجود ، وأخذ هذا المجتمع يطالب بدستور اسلامي نهجالحياته ، ولكن الكثيرين لم يكونوا على معرفة بهذا الدستور ولا بالكيفية التى يدون بها ، فكان هذا البحث الذى ألقى على شكل محاضرة كما ذكرت . ( الدمام )

اشترك في نشرتنا البريدية