الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

تذكير وتنبيه ، في ذكرى، هجرة الرسول، صل الله عليه وسلم

Share

قبل      بعثة خاتم الانبياء والرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، غشي العالم موجة من الشرك والجهل ، وسادت فيه الفوضى والاضطراب ، وخيم عليه الظلم والظلام والفساد ، وطغى فيه المنكر على المعروف ، والرذيلة على الفضيلة ، واستولى على مقاليد الامور نفر من الناس لا خلاق لهم ولا ذمة ، همهم التسلط على الشعوب واستضعافهم واستعبادهم وسومهم سوء العذاب ، حيث انتزعت الرحمة من نفوسهم وقست قلوبهم كالحجارة أو اشد قسوة ، وبذلك اسدلت الظلمات استارها على اقطار الارض ، وانصرف الناس عن عبادة الله الواحد القهار الى عبادة الاصنام والاوثان والطواغيت .

   وفي هذه . الحقبة من الزمن تجلت الضرورة الى ظهور من يرد هذا المجتمع الذي نخر فيه الفساد ومزقته الاحقاد ، وعاش فى متاهات الشرك والضلال والالحاد - الى طريق النور والهداية والرشاد ، ومن لهذه الرسالة الكبرى سوى نبي آخر الزمان وخير البرية والانام ، محمد عليه افضل الصلاة والسلام ، وقد بعثه الله ليقوم باكمل واعظم اصلاح للمجتمع الانساني ، وليحرر العقول الآسنة من اسارها ، ويطهر القلوب المريضة من احقادها ، ويطلق النفوس الضعيفة من

اصفادها ، وينشر عدالة السماء في ارجاء المعمورة ، ويسمو بالانسانية الى أعلى مدارج الرقي ، وأوحى الله سبحانه وتعالى الى نبيه الكريم رسالة السماء ليخرج الناس من الظلمات الى النور وينقذهم من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة .

  وخرج النبي في بطاح مكة المكرمة ، وبدأ بدعوة التوحيد ، واقتلاع الشرك من جذوره ولا سلاح له فى ذلك الا ايمانه بالله واخلاصه وثباته في دعوته واخذ نبي الهدى يدعو الى الاسلام سرا وجهرا ، ولكن قومه ناصبوه العداء ، وتنكروا له وأعدوا له العدة ليصدوه عن السبيل ، وحشدوا كل طاقاتهم وامكانياتهم وما لديهم من قوة وبطش وغدر ليحولوا دون انتشار هذا الدين الجديد ، وذلك بعد أن يئسوا من الوصول الى ما يريدون بطريق اغراء الرسول عليه الصلاة والسلام بمغريات الحياة ، لعله يكف عما هو بسبيله . وما دروا ان ما عرضوا عليه انما هو متاع الحياة الدنيا ، وهو نعيم زائل ، والآخرة خير وابقى ، ونعيمها دائم لا وفني . هكذا سار الرسول الكريم في دعوته ، مستعينا بالله ، مستمدا منه القوة والعزم والثبات . ولكن قريشا طاشت عقولهم ازاء هذه العزيمة الجبارة ، ونمت احقادهم وراحوا يضعون في سبيل دعوته كل العقبات

والمصاعب ، ويتفننون في ايذائه والنكال به ، ويحاولون النيل منه ، وممن اتبعه من اقربائه وعشيرته ، حتى ان مشركي قريش في سبيل التخلص من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن دعوته ائتمروا به ليقتلوه وعذبوا أصحابه العذاب الاليم ( وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والارض والله على كل شئ شهيد ) ولكن ما كان شئ من ذلك ليضعف من عزيمته ، أو يثنيه عن دعوته ، وما زال ينال اصناف الاذى في نفسه ، وفي اتباعه حتى لقي أهل البيعة الاولى من شباب المدينة المنورة في موسم الحج ، فحببوا له الهجرة الى المدينة ووعدوه بمناصرته ومؤازرته ولما اذن الله له بالهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه ابي بكر الصديق رضى الله عنه من مكة المكرمة الى المدينة المنورة تخلصا من ايذاء قريش ، ورغبة فى نشر الرسالة الخالدة بين أحضانها ، وما أن أقبل الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة حتى خرج اهلها عن بكرة أبيهم لاستقبال النبي الكريم ، وها هم يحتضنون دعوة الاسلام وينهضون بالعب بنفوس رضيية وقلوب عامرة بالايمان . وقد عز على قروش خروج محمد صلى الله عليه وسلم من مهبط الوحي دون أن ينالوا منه ويئدوا دعوته في مهدها . فشدوا قبضتهم على من بقي من اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ، وصاروا يناصبونهم العداء السافر ، ويتربصون بهم الدوائر ، ولم يكتفوا بذلك بل اخذوا يؤلبون قبائل جزيرة العرب على الرسول واتباعه ، ويعقدون معهم المواثيق والاحلاف ، للقضاء على هذه الدعوة الكريمة ، بيد ان الله سبحانه وتعالي يابى الا ان ينصر نبيه ، ويتم نوره ، ويظهر

دينه ، ويعلي كلمته ، وينشر عدالة السماء فوق اديم هذه الارض ، ولو كره المشركون .

وهكذا استمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة ثلاثة عشر عاما يناضل بالحجة ويدافع بالدليل ، ويحاكم بالعقل ، وينشر في الناس الفضيلة ، وما فتئ يدعو الى ربه بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، ويجادل بالتي هي احسن وقد اخذ اعداء الله والدين يلاحقونه في مهاجره ويبسطون اليه والى اصحابه ايديهم بالشر ، ويسخرون من دعوته العظيمة حيث لم يتركوا بابا من ابواب النقمة والعداء الا فتحوه ، ولا سبيلا من سبل المكر والخداع الا سلكوه ، ولا طريقا من طرق الايذاء الا ولجوه ولم يزل الامر كذلك حتى اذن الله له بالنضال والجهاد ، للدفاع عن الدين والنفس بالقوة بعد الصبر والجلد ثلاثة عشر عامنا ، حيث نزل عليه في الكتاب العزيز : ) اذن للذين يقائلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير . الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوى عزيز ، الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور).

حد فاصل

في السنة الثانية من الهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى بين المسلمين والمشركين وهي أول معركة تنشب بين المسلمين والمشركين . وقد كانت الحد الفاصل بين الحق والباطل ، وقد قتل في هذه المعركة صناديد المشركين

وغلاتهم في الكفر والباطل والضالون في الحقد والضلال ، وكان لهذه المعركة اثرها العظيم في نفوس المسلمين ، حيث قويت شوكتهم وعلا صوتهم ، وهكذا انبثق نور الاسلام وما زال ، يعلو ويتسع رويدا رويدا ، حتى عم ضياؤه معظم بقاع الارض

  بعيد هذا اليوم بقليل وفي ربيع الاول بالذات ومنذ الف وثلاثمائة وسبعة وثمانين عاما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم الى المدينة المنورة تاركا دياره وأمواله واهله ، فارا بدينه باذلا كل مرتخص وغال في سبيل تحقيق دعوته ، حينما لم تجد الحجة والمنطق والبرهان والدليل آذانا صاغية وقلوبا واعية لدى كثير من المشركين وحين اتخذوا من صبر الرسول واصحابه ذريعة لاشعال الفتن وسلب اموال المسلمين وايذائهم ، عندئذ لم يكن للرسول ولمن اتبعه من المؤمنين الا منطق السيف والقوة لاقناع المشركين بحد السوف بتحقيقه لهذه الدعوة واهدافها ومبادئها وفي سبيلها سل السيوف مع اصحابه ، واقتحموا الوغي وخاضوا المعارك دفاعا عن الدين والنفس حتى جاء نصر الله وزهق الباطل ، وحطموا الاصنام والاوثان المحيطة بالكعبة وبدأ الناس يدخلون في دين الله زرافات ووحدانا ، ثم وصلت جحافل المسلمين الى بلاد الصين شرقا ، والاندلس غربا ، وبلاد القوقاز شمالا وافريقية جنوبا ، واخذت راية التوحيد ترفرف في معظم بقاع العالم ، وبات الناس في ظل هذه الراية امنين على اموالهم واعراضهم ، شاعرين بالعزة والكرامة ، بعد الذلة والمسكنة ، وهم متساوون في الحقوق لا وضيع بينهم ولا رفيع ، ولا حقير ولا عظيم

ولا تفاوت بينهم الا بتفاوت اعمالهم : وجهودهم ، ولا تفاضل الا بنسبة التقوى لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، لا فرق بين مسلم وغير مسلم في الحقوق والمعاملات في ظل مبادئ الاسلام حيث امر الاسلام بالتسوية بين المسلم وغير المسلم ، قياما بالعدل ، وتحقيقا للانصاف . وبذلك اطمأنت نفوس غير المسلمين الذين عاشوا في المجتمع الاسلامي وشهد المنصفون منهم بان هذا الدين السماوي قابل للتطبيق ، في كل زمان ومكان ، وفي كل المجتمعات الانسانية ، وذلك لمرونته ولما يحويه من مبادئ سامية ، ومقاصد حكيمة وعدالة شاملة .

أسباب الانحطاط

  وفي اثر تتابع الحقب أتى على المسلمين حين من الدهر تهاونوا في امور دينهم ، وتقاعسوا في تطبيق احكامه ، واهملوا اداء الصلوات واتبعوا الشهوات ، نسوا الله فنسيهم ، لم ينصروا الله فخذلهم وبذلك تداعى معاقل المسلمين معقلا اثر معقل وسقطت اوطانهم في يد اعداء الله واعدائهم فاصبحوا مسودين ، بعد ان كانوا هم السادة ، ومقودين بعد ان كانوا هم القادة واصبحوا تابعين بعد ان كانوا متبوعين ، لعدم تمسكهم بدينهم وعقيدتهم ومثلهم العليا كما اصبحوا مضغة في افواه اعدائهم ، لا يخشونهم ، ولا يحسبون لهم اي حساب يتقاذفونهم من كل جانب ، ويخرجونهم من ديارهم ، ويستبيحون اموالهم ، ويالفطاعة هذا الهول ، ويا للشر المستطير!!

    وأعدوا لهم

     وفي ذكرى هجرة النبي العظيم محمد عليه الصلاة والسلام وفي مطلع هذا العام الجديد يجدر بالمسلمين ان يتدبروا امرهم ويعودوا الى دينهم ، الذي ارتضاه الله لهم بعقيدة صادقة ، وايمان كامل ويتناسوا خلافاتهم الجانبية وتضامنوا ويتازروا ويتعاونوا على البر والتقوى ، ويقفوا بجانب بعضهم صفا واحدا لدرء الاخطار المحيطة بهم ، والمكايد التي تحاك من حولهم ليعودوا كما كانوا خير امة اخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، فالدين الاسلامي بقدر ما هو عبادة فهو ايضا عمل . . فبجانب اقامة الفرائض الدينية من صلاة . وصيام وحج وزكاة فالدين الاسلامي يحض المسلمين ، وحثهم على العمل الدائب المستمر ، والاستعداد الكامل بالقوة والعتاد والعدة ، لارهاب اعداء الله واعداء الدين الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر ، ويجب ان لا يغيب عن اذهاننا ابدا ان المسلمين لا يستطيعون ان يذودوا عن ديارهم ويحموا مقدساتهم الا بتمسكهم بالجوانب المادية والمعنوية من الدين الاسلامي . وذلك حسب ما جاء بالكتاب العزيز : ) واعدوا لهم ما استطعتهم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ( وهذا لا يمكن تحقيقه الا اذا اعتمد المسلمون على الله تعالى ، ثم على انفسهم ، دون غيرهم ، وذلك باقامة المصانع والمعامل لانتاج جميع انواع الاسلحة بما في ذلك الطائرات والدباات والمدافع الثقيلة والسفن الحربية والقنابل الذرية والهيدروجينية ، لمجابهة اعداء الدين بنفس

  القوة وبنفس العدة ، والا فسيبقى العالم الاسلامي تحت رحمة من لا يخافون الله فيهم ولا يرحمونهم فنحن حينما ندعو الى التسلح والاستعداد ، لا نقصد به الاعتداء على الغير ، ولكننا نقصد بذلك الدفاع عن حياضئا ، والذود عن اوطاننا والمحافظة على اعراضنا وأموالنا واولادنا ، ومقدساتنا ، ورفع الظلم عن اخواننا في الدين والعقيدة . . فاشهار السلاح في وجه الاعداء دون ما سبب ، او مبرر ليس من الاسلام في شيء ، حيث ان هذا الدين هو دين السلام ، دين الرحمة والرأفة ، ودين العدالة والانصاف ، والتكافل الاجتماعي وقد امر الله سبحانه وتعالى المسلمين بعدم الاعتداء ، حيث قال لهم تعالى : ) ولا تعقدوا ان الله لا يحب المعتدين ( .

لنسستيقظ !

وفي هذه الذكرى المتجددة في كل عام يجدر بالمسلمين ان يستيقظوا من سباتهم العميق ، ويصدقوا في ايمانهم ، ويخلصوا في اعمالهم ، حتى يستخلفهم الله في الارض ، كما استخلف الذين من قبلهم ، وليبدلهم بعد خوفهم امنا : وسلاما قال تعالى في كتابه المنزل الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا ( صدق الله العظيم

والله اسأل ان يسدد خطى المسلمين ويوفقهم لما يحبه ويرضاه .

     (الرياض)

اشترك في نشرتنا البريدية