كنا قد نشرنا في عدد المحرم ١٣٩٠ ه - مارس ( آذار ) ١٩٧٠ م من هذه المجلة رسالة ومقالة لفضيلة العلامة الشيخ محمد الشاذلى النيفر بتونس ، يستحثنا بهما فى تجلية ترجمة السيد عباس رضوان ، واماطة اللثام عن حقيقة المرجانى مؤلف كتاب (( بهجة النفوس والأسرار فى تاريخ دار هجرة المختار )) ..
وها نحن فى هذه العجالة نقدم في هذا العدد - أولا - ترجمة السيد عباس رضوان وسنتبعها ، بحول الله ، فى العدد التالي بتجلية ما توصلنا اليه حيال مؤلف كتاب (( بهجة النفوس والأسرار )) على ضوء استحثاث فضيلة الاستاذ النيفر .. فنقول :
ان السيد عباس رضوان هو أبو محمد ابن محمد بن أحمد ابن السيد رضوان الأزهرى ، وقد قدم جده : (( رضوان الازهرى )) من مصر الى المدينة المنورة وتوفي فيها سنة ١٢٥٥ ه ودفن بالبقيع .
ويفيدنا المؤلف السيد عباس رضوان عن والده بما نصه : ( توفى - أى والده محمد رضوان - رحمه الله تعالى مغرب يوم الاربعاء الثامن والعشرين من ربيع الثانى سنة ألف وثلاثمائة وثلاث عشرة عن ثلاث وستين ودفن بالبقيع ) وقد قدم لنا السيد عباس رضوان سنة ولادته فى هذا الكتاب اذ قال عقب النص السالف ذكره مباشرة : ( ولى - أى له سنة وفاة والده - تسع عشرة سنة وأربعة أشهر اذ ولدت - بضم الواو والتاء -
آخر ذى الحجة من سنة ألف ومائتين وثلاث وتسعين (١)
أما وفاة السيد عباس رضوان المدنى ، فقد حققها لنا شقيقه الأصغر المرحوم السيد أحمد محمد رضوان اذ كتب بخط يده على هامش النسخة الخطية التى ألفها السيد عباس من (( ثبته )) الذى سماه : ( العقد الفريد ، المنظوم مما تناثر من فرائد جواهر الأسانيد )) .. ونص ما كتبه شقيقه
المذكور هو : ( توفي - السيد عباس رضوان - رحمه الله في ليلة الثامن عشر من رمضان سنة ١٣٤٦ ه ، سته وأربعين وثلاثمائة والف ) ( وكتبه ) شقيقه أحمد محمد رضوان )) . ولم يذكر مكان وفاته .
أما ترجمة حياته الحافلة .. فانى أعرفه كان مدرسا بالمسجد النبوى الشريف , وليس لديه كثير من الطلبة ، وأعرفه ويعرفه المعاصرون رجلا عالما متواضعا منطويا على نفسه ، منكبا على التأليف ليل نهار . وكان يعنى عناية بالغة بطبع ما يؤلفه في المطابع ، فان وجد امكان طبع ما ألف في مصر طبعه بها ، أو فى سورية فعل ، وحتى المدينة المنورة قد طبع بمطبعتها بعض مؤلفاته مما سيرد بيانه ..
ولم يكن له نسل .. نسله هو مؤلفاته .. ما كان منها مطبوعا وما كان منها مخطوطا .. وتمتاز مؤلفاته بالوجازة والصغر ، ولم اطلع له على مؤلف يبلغ مئات الصفحات .. كلها رسائل فى مختلف الفنون والعلوم . نظمية ونثرية وشروح لها ..
وقد أفادنى الشيخ جعفر فقيه المدنى , وهو ابن الشيخ ابراهيم فقيه المدنى ، أفادنى في ليلة الجمعة ١٩ المحرم ١٣٩٠ ه وأنا فى رحلتى الى المدينة لتقصى ترجمة السيد عباس رضوان ، وترجمة المرجانى ، مؤلف (( بهجة النفوس والأسرار)) أفادنى - وكنا فى منزله بعد المغرب :
السيد عبيد مدنى وراقم هذه السطور - بأن المترجم له كان أقام بمصر فى أيام الحرب العالمية الاولى ، وان أصل أسرته من مصر . استقدم محمد علي باشا ، جدهم ، وأخاله السيد رضوان الازهرى ، الى المدينة المنورة وعينه مدرسا ضمن المدرسين بالمسجد النبوى . وكان السيد عباس خلال مقامه بمصر اذ ذاك قد برح به الحنين الى المدينة المنورة ، وفي خلال دعوة أقامها له القارئ الشيخ محمد الجهنى بالقاهرة فاضت دموع السيد عباس وجدا لموطنه بلد الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، وكانت المدينة المنورة حينئذ تعانى من المسغبة والجوع والحصار الكارب ..
وكان هذا قبيل الحرب العالمية الاولى .. وبالمناسبة فقد نظم السيد عباس الابيات التالية يشرح فيها عوامل حنينه وآثار هذا الحنين المبرح فى نفسه .
فقال :
لقرص شعير تافل غير مالح
بغير أدام ( والذى يسمع النجوى )
مع الفقر في دار الحبيب محمد
ألذ على قلبى من المن والسلوى
على اننى فيها على كل حالة
غنى بتيسير الأمور كما أهوى
وبعد انتهاء تلك الحرب العالمية الاولى عاد إلى المدينة وأقام فيها الى أن توفي فى داره المعروفة في محلة درب الجنائز )) هذا ما قاله لى الشيخ جعفر ، وهو مخالف لما رواه الشيخ محمد الحافظ لنا : السيد عبيد وأنا ، عن مكان وفاة الشيخ عباس رضوان الذى هو بمصر ..
والمترجم له كان منقطعا للعلم ، وكان همه تقريب ما يؤلف فيه متنا أو شرحا الى أذهان الطلاب والباحثين ، فهو - رحمه الله - اما أن يختصر مطولا أو يؤلف أصلا , أو ينظم منثورا ، وقد يشرح هذا أو ذاك . ثم يدفع ما أمكن دفعه من مؤلفاته الى المطبعة فى وقت كان الطبع فيه عسير المنال فى هذه البلاد ، وكان يوزع مؤلفاته على طلبة العلم وقد نالنى منها حظ وافر أيام صغرى وطلبى للعلم ، بالمسجد النبوى الشريف ..
حيث كانت سارية تدريسه قريبة جدا من السارية التى كان يدرسنا أمامها شيخنا الشيخ محمد الطيب الانصارى - رحمه الله - ونثره لا تعقيد فيه ، وكل ما في الامر انه يلتزم السجع فى أسماء مؤلفاته على النهج الذى كان سائدا فى ذلك الظرف وفيما قبله ، وذلك قبل أن تهب رياح التجديد فى الاسلوب على هذه البلاد بآن وجيز ..
فهو فى الاسلوب النثرى والشعرى من رجال العهد الماضى وأما أسلوبه فيما ينظم أو يقصد فهو السهولة السهلة والوضوح التام .. وفيما عدا أسماء الكتب ومقدماتها وخواتيمها كان يهجر السجع دفعة واحدة ويأتى بالكلام المرسل الواضح .
ومن نثره ذى السجع في مقدمة ( ثبته )
المشار اليه آنفا ، والذى أشار اليه العلامة النيفر فى رسالته المنشورة بمنهل المحرم ١٣٩٠ ه :
( أحمدك اللهم يا من أكرمت هذه الأمة بالاسناد ، وجعلته خصوصية لها من بين العباد ، وجعلت العلماء دعائم دين الاسلام ، وصيرت ذكرهم تاجا على مفرق الايام ، وأشهد ان لا اله الا انت وحدك لا شريك لك يا ذا الجلال والمجد الرفيع ، وأشهد ان سيدنا محمدا عبدك ورسولك أفضل مشفع وشفيع ) الخ ..
وقد زين الصفحة الاولى التى عليها اسم هذا الثبت بأبيات من شعره ، هى :
ثبت به ثبتت دقائق حجة
خص بها عن سائر الاثبات
وحوى نفائس لا تحيط بها النهى
منها تراجم سادة أثبات
نزه لطرفك في بديع رياضه
تجن المنى منها بحسن ثبات
لم لا وأسفارا حواها كافيا
رحالة الأسفار للاثبات
وادع لعباس وكن له عاذرا
ان حاد يوما عن سبيل ثبات
فالوقت قد أبدى خطوبا أدهشت
لب اللبيب وفارس الوثبات
والله اسأل أن يمن برفعها
ويحل من رحل الهوى بثبات
وينيلنى حسن الختام بطيبة
ويثيبنى منه الرضا بهبات
ويلاحظ ما يلى :
أولا - ان الشطرة الثانية من البيت الاول لا تخلو من علة عروضية ، والشطرة الاولى من البيت الخامس كذلك .
ثانيا - سهولة النظم على المؤلف ، فابياته هذه وان لم تكن في روعة الشعراء
فهي من أجود ما ينظمه العلماء على طريقتهم العلمية الخاصة ، لتقريب ما يريدون تقريبا الى الاذهان وتسجيل ما يريدون تسجيله الخفيف على اللسان .
ثالثا - وكدأب المؤلف نجده يؤرخ لاكمال تأليفه هذا (( الثبت )) الذى يعتبر من أكبر مؤلفاته حجما .. فقد بلغت صفحاته في النسخة التى استعرتها من فضيلة الشيخ محمد الحافظ القاضى الشرعى بمحكمة المدينة المنورة - ١٧١ صفحة من الحجم المتوسط وقد نقلته من النسخة التى نقلها عن نسخة المخطوطة بيد محمود بن محمد الزاهد الطرابلسى الشامى سنة ١٣٣٦ ه في ٥ ذى الحجة .. أما تاريخ المؤلف لانهاء تأليفه هذا فهذا نصه :
( يقول مؤلف هذه العجالة : نجزت في الخامس من الثانى من السادس والثلاثين من الرابع عشر من الهجرة النبوية ) .. ومعنى هذا انه أنجز تأليف هذا الثبت في اليوم الخامس من صفر من العام ١٣٣٦ ه . . والى هذا يشير في أبيات تقريظه لكتابه
حين يقول :
فالوقت قد أبدى خطوبا أدهشت
لب اللبيب وفارس الوثبات
والله أسأل أن يمن برفعها
ويحل من رحل الهوى بثبات
وهو فى هذا يحدثنا حديثا مرموزا الى أهوال الحرب العالمية الاولى التى كان لظاها مستعرا في أيام قيامه بتأليف هذا الثبت وانجازه لتأليفه .. وهو ما يدلنا على روح العلم المسيطرة على مشاعره ، فبرغم الظروف القاسية المريرة المهولة التى يعيش فيها حينئذ لم يعقه ذلك كله عن المضى فى خطة التأليف فهو منهمك فيها ، وسائر فيها الى الامام الى آخر الشوط غير مبال بما
يحيط به ويحيط بالعالم يومئذ من أفدح المخاطر . مما يجعل مصيره ومصير كل البرية مهددا مضطربا وقلقا منزعجا ..
هذا وقد رأيت النسخة الخطية الاصلية من ( الثبت ) .. ولا تزال سليمة وان كانت هوامشها قد محى بعضها بفعل ماء أو مادة مائعة سقطت عليها .. واكثر ما فى الهوامش واضح وسليم ..
وما دمنا قد ذكرنا ما تمكنا من ذكره حيال ( ثبته ) فنحن نرى أن نتبع ذلك بايراد موجزات عما تحصلنا عليه أو شاهدناه أو لدينا من مؤلفاته المطبوعة والمخطوطة .
فمن كتبه عدا الثبت المذكور آنفا :
١ - ( مختصر فتح رب الارباب بما أهمل فى لب اللباب من واجب الانساب ) وقد أشار فضيلة العلامة الشيخ محمد الشاذلى النيفر ، في رسالته المنشورة بمنهل المحرم ١٣٩٠ ه الى هذا الكتاب ، وقال : ( ولم أقف على ترجمة ابنه - أى عباس رضوان المترجم هنا - الذى كان حيا سنة طبع مختصره وهى سنة ١٣٤٥ ه ) .
ونقول تعليقا على هذه الكلمة : ان المؤلف انجز تأليف هذا الكتاب فى ٣٠ جمادى الاولى ١٣٤٥ ه وطبع الكتاب فى نفس السنة بمطبعة المعاهد بجوار قسم الجمالية بمصر ، وجاء في الصفحة الاولى منه :
( حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ) ويقع فى ٧٠ صفحة من الحجم الصغير ، وقد توفي مؤلفه بعد ذلك بسبعة عشر شهرا وثمانية أيام . أى فى يوم ١٨ رمضان سنة ١٣٤٦ ه .
٢ - ( كتاب فرائد العقود الدرية ) وهو كتاب في سيرة سيدتنا فاطمة الزهراء
والحسن وعلي زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق والعباس عم النبي (ص) .
وقد أجراه على نهج الكتب القديمة ذات السجع والرجع وطبع بمطبعة السعادة بجوار محافظة مصر ، ويقع في ٤١ صفحة من الحجم الصغير ، وقد فرغ من تأليفه في ٢٧ جمادى الآخرة سنة ١٣٤٣ ه .
٣ - ( اتحاف الاخوان بشرح قصيدة الصبان ) وقد طبع على هامش كتاب ( فتح البر بشرح بلوغ الوطر من مصطلح أهل الأثر ) للمؤلف أيضا .
٤ - ( نخبة فتح المنعم الوهاب بشرح عمدة الطلاب في علم أصول الفقه ) يوجد هذا الكتاب في المكتبة العامة بالمدينة المنورة ( مجاميع رقم ٤٢ ) وهو مطبوع ( بالمطبعة العلمية فى المدينة المنورة البهية فى ٢٥ شهر صفر ١٣٣٠ هجرية ) ويقع فى ٨١ صفحة عدا الفهرست . وهو بالحجم المتوسط . وحروف طبعه جميلة واضحة وكبيرة مثل حروف مطبعة الجوانب بالاستانة .
وأول الشرح : ( بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله على الوصول الى معرفة الأصول )
وأول النظم المشروح :
الحمد لله الذى قد جعلا
كتابه نورا به تفضلا
ثم صلاته مع السلام
على النبي مبلغ الأحكام
وآله وصحبه الهداة
الى طريق البر والنجاة
وبعد فالعبد الفقير الجانى
ذو العجز والتقصير والتوانى
المدني الشافعي الفانى
عباس من يعزى الى رضوان
يقول : ذى عجالة ضمنتها
أصول فقه وقد اختصرتها
سميتها بعمدة الطلاب
طالب توفيق من الوهاب
وأسال الله جزيل الأجر
بها ، وعفوا عن جميع الوزر
فهو الجواد ، جوده لا يجحد
ذو العفو لا رب سواه يعبد
وتلي المقدمة هذا التصدير وهى فى ١٦ بيتا من الرجز السهل الواضح وبعدها فصول الكتاب ..
وتمتاز طبعة هذا الكتاب بتشكيل المنظومة التى هى المتن .
٥ - ( ارشاد الأحباب الى أسرار كفاية الطلاب ) .
وهذا الكتاب في علم الفرائض . وقد طبع بمطبعة السعادة بمصر ، وتوجد نسخة منه في المكتبة العامة بالمدينة ( مجاميع رقم ٥١ ) .
وأول الكتاب : ( أحمدك اللهم على ما هديتنا اليه من معرفة فرائض الدين والأحكام ) .
والكتاب متن وشرح .. المتن نظم للمؤلف ، والشرح له أيضا .
واول المتن :
الحمد للمحيي المميت الباقي
مقسم الآجال والأرزاق
الباعث الوارث ذى الجلال
والكرم الباهر والتعالى
وآخره :
قد تم ما قصدته من نظمى
كفاية الطلاب في ذا العلم
في الحادي والعشرين من ذي الحجة
سنة ألف وثلاثمائة
ثمت سبع وثلاثين اعذر
ان خللا وجدته في الأشطر
فى مدة زهيدة نظمتها
عشرين ساعة وقد أحكمتها
فهي بقهر حاسدي الحاتمه
فادع لناظم بحسن الخاتمه
وتمتاز المنظومة المشروحة بالشكل والحروف الطباعية الجميلة ..
وتقع في ٨١ صفحة من الحجم الصغير على ورق أصفر ثخين وتم طبعها في ٢١ رجب ١٣٣٩ ه .
٦ - ( عمدة الطلاب في علم أصول الفقه ) سبق لنا ان تكلمنا عن شرح هذه العمدة .. ومتنها المطبوعين معا .. وقد طبعت مستقلة ، وتوجد في المكتبة العامة بالمدينة فى ( المجاميع رقم ٦٤ ) .
وقد فهمنا من هذه الطبعة ان المؤلف أنجز تاليف ( عمدة الطلاب ) هذه في غرة رجب ١٣٢١ ه ثم علق عليها بما هو موجود فى ذيول صفحات هذه الطبعة وأنهى ذلك فى ١٢ ربيع الاول ١٣٢٨ ه .
هذا وللمؤلف كتب ورسائل عديدة ..
لعلنا نتمكن من احصائها واستعراض محتوياتها فيما بعد ان شاء الله تعالى .
( المدينة المنورة في ٢١-١-١٣٩٠ ه )
( حاشية ) :
في العدد القادم ان شاء الله سننشر - كما أشرنا اليه سابقا - استعراضنا وتحقيقاتنا عن مؤلف كتاب (( بهجة النفوس والاسرار في تاريخ دار هجرة المختار )) للمرجانى ، استجابة لرغبة العلامة الاستاذ محمد الشاذلى النيفر بتونس الخضراء .
