وفى سنة 1972 نشر غارسيا ماركيز مجموعة قصص قصيرة : بعنوان : (( قصص حزينة لا تصدق عن البريئة أرينديرا وجدتها القاسية )) وملخص القصة التى تستمد منها المجموعة عنوانها ان ارينديرا تحرق دون عمد منزل جدتها فتطردها الجدة انتقاما منها وتصبح الفتاة مومسا تتجول فى القرى وفى الاراضى الجرداء لتجمع مالا تعوض به عن الخسارة من جراء الحريق كما شاءت الجدة . وكل القصص الاخرى .. لها ابعاد اسطورية وفيها خيال شاسع .. تبرهن على أن المؤلف يريد ان يرى ما هو غريب وعجيب ويريد أن يعطى الواقع صورة اللاواقع ، وان يعمق صلته بعوالم السحر .. والغرابة .
وفى أواسط السبعينات أصدر رواية أخرى عنوانها : ((خريف البطريرك)) وهى وصف لحياة دكتاتور سافل .. وخبيث .. وأنانى .. وحقود .. عمره يتجاوز القرنين . وهى دراسة لواقع أمريكا اللاتينية التى عرفت قادة من هذا النوع .. وفى هذا العمل يربط غابريال غارسيا ماركيز (( التاريخ بالطبيعة والانسان بالجيولوجيا والشعر بالفلسفة فى غاية ملحمية ذات شمولية رمزية وحدث لغوى مثير يقول غابريال غارسيا ماركيز فى احد المقاطع : كان على ساعة البرج الا تدق الثانية عشرة فى الساعة الثانية عشرة لكى تبدو الحياة أكثر طولا ويسترق المرء السمع دون ان يتريث لحظة ودون استراحة عدا ساعة هدوء الظهيرة ومحصورة فى أقبية ضيقة ضئيلة ومائة سنة من العزلة حدث نادر جدا . انها عمل عصرى ذو منزلة أدبية عالية يستطيع فهمه كل واحد وهو متعة لكل واحد )) .
اننا نستطيع مقارنتها بتلك الاعمال الكبيرة التى تؤسس المستقبل .. وتكون المراحل الاساسية فى تاريخ الآداب .. تماما مثل دونكيشون سرفننتس والجريمة والعقاب لدستويفسكى . والمحاكمة لكافكا . والصخب والعنف لفولكنر . والبحث عن الزمن الضائع لبروست . ويوليسيس لجيمس جويس . وهذه الرواية تتحدث عن قصة تأسيس مدينة ما كاندو من قبل أسرة جوزيه اركاديو بونديا وزوجته أورسلا ايغوران كما أنها تروى قصة أسرة بونديا وستة أجيال من الحرب الاهلية والاوبئة والصعود والرخاء ثم السقوط فى النهاية والدمار الذي يشمل قرية ما كاندو كلها وهو دمار شبيه بذلك الذي اتى ذكره فى الكتب السماوية والاسفار القديمة .. والشخصية الروحية التى تمد ظلها على كامل الرواية شخصية تظهر وتختفى .. ولكنها تؤثر فى كل الاحداث وهى الماضى والحاضر .. والمستقبل .. وهى السر ، وهى الحياة والموت .. وهى الرخاء والبؤس .. كما انها الصعود والسقوط .
ان الشيخ الغجرى ميلكيادس . ساحر يرى العزلة فى الموت امرا لا يطاق فيعود الى الحياة ليعلم أفراد الاسرة القادرين على تفهم حقيقته . وهو يحمل معه أوراق الرق الغامضة التى جمع فى داخلها كل القصص والطرائف التى تجمعت لمدة قرن من الزمن . والرواية بهذا المعنى تلوح ملحمة من أعظم ملامح هذا العصر .. اذ أنها تجمع بين كل المتناقضات .. وتتدفق هادرة مثل نهر كبير .. يحمل فى أعماقه كل شئ فى البداية حينما يحل بها جوزيه اركاديو بونديا تكون ماكندو قرية شبيهة بالالدوراد الاسطورية فلا أحقاد ولا حروب ولا مجاعات ولا أوبئة . ولكنها حين تنفتح على العالم الخارجى وتتوغل فى الحضارة شيئا فشيئا وتشارك فى الحروب الاهلية تصاب بالداء القاتل .. وشيئا فشيئا تتدهور أوضاعها .. وتحل بها الكارثة الكبرى . والاب المؤسس خوزيه اركاديو بونديا . يهرب من قريته الاولى بعد أن قتل أحد الاشخاص .. وذلك انه فى كل ليلة كان يتخيله واقفا أمامه .. والدم يقطر من جسمه . وعندما استقر بها راح يمارس السحر مع الفجر .. ويقوم باكتشافات فى مجال الكيمياء والفلك وعندما يحاول (( التقاط صورة الله دون ان يلحظه )) يصاب بالجنون وينقطع عن عالم الاحياء وتضطر عائلته الى تقييده الى شجرة فى فناء الدار وعندئذ يبدأ فى القاء خطب ومواعظ بلغة غريبة لا يفهمها أحد . ويظل كذلك حتى الموت .
اما اورلياند بولديا فكان منذ البداية ميالا إلى العزلة .. فى مرحلة البلوغ خشن صوته واصبح يميل الى الصمت والوحدة التامة )) .
وتزداد عزلته قساوة وحدة بعد ان ماتت ريميديوس التى أحبها حبما جارفا .. (( لقد بذل جهودا يائسة فى التركيز المكثف وتسليط قوة ارادته كى تخضع الفتاة لرغبته فتلبى نداءه ولكن ريميديوس لم تستجب . بحث عنها فى مشغل أختها وخلف ستائر النوافذ فى بيتها وفى مكتب أبيها لكنه لم يجدها الا فى تلك الصورة التى تملأ فراغ وحدته الذاتية المرعبة )) . وشيئا فشيئا تزداد شفتاه انطباقا بفعل العزلة والتأمل واتخاذ قرار لا رجعة فيه . وربما يكون ذلك احد العناصر التى دفعته الى ان يتحول الى متمرد .. وان يحارب الى جانب اللبراليين . ولكن الفشل يتابعه حتى فى هذه المرحلة من حياته : (( لقد نظم الكولونيل أوريلياند بوينديا اثنين وثلاثين تمردا مسلحا خسرها جميعا وانجب سبعة عشر ولدا من سبع عشرة امرأة مختلفة وأبيد ابناؤه جميعا واحدا بعد الآخر فى ليلة واحدة وقبل أن يبلغ أكبرهم الخامسة والثلاثين ونجا من أربع عشرة محاولة اعتداء على حياته ومن ثلاثة وسبعين كمينا ومن اعدامه بالرصاص ولم تقتله كمية من الاستركنين وضعت فى قهوته وكانت كافية لقتل حصان ورفض وسام الاستحقاق الذى انعم به عليه رئيس الجمهورية )) .. واركاديو الثانى قضى حياته متخصصا فى قتال الديكة واستيراد العاهرات .. وهو حماسى مثل الكولونيل ومثل جده . وفى ذهنه شيئان ثابتان : الذكرى الثابتة لتنفيذ حكم الاعدام الذى أراد أن يحضره وهو طفل والقطار المحمل بالجثث وتصفه أورسولا قائلة : ((انه يعيش فى عالم اشباح اختراعه أصعب من اختراع عالمها . عالم اشبه فى تنائيه وعزلته بعالم جده الاكبر . والشخصيات الاخرى كلها تتقاسم هذه الغرابة .. فهم لينون وحالمون وهم ايضا عنيفون ومجانين ومتمسكون برجولية مضحكة فى بعض الاحيان . وبخلاف ذلك فان النساء فى الرواية يرمزن الى تواصل الاسرة .. والى وجهها الرصين .. أو العقلانى .. و (( كلما تفاقم جنون رب الأسرة أحكمتهن قبضاتهن على زمام الامور )) . ان أورسولا هى مستودع ذكريات العائلة وهى مصير الاسرة بأكملها . وتلعب بيلار تيرنيرا دور قارئه الطالع وشبه العاهرة .. وهى تعوض أورسولا بعد مماتها فى حفظ أسرار الاسرة .
وحين صدرت (( مائة سنة من العزلة )) سنة 1969 فى بيونس ايرنس احدثت ضجة كبيرة وبيعت منها عشرون ألف نسخة فى ظرف شهر واحد . وركز الناس فى جميع انحاء العالم ابصارهم على قرية ماكاندو .. القرية الخيالية فى الرواية . وقرية ماكاندو ليست سوى قرية أراكاتاكا التى قضى فيها غابريال
غارسيا ماركيز طفولته ... ويبدو ان كل ما سمعه فى صباه من حكايات وقصص عن الموتى ... والاحياء ... وعن الحرب الاهلية وعن سنوات الرخاء والبؤس فى القرية ... قد وضعه فى تلك الرواية الضخمة وصور من خلاله طموح و فشل الانسان فى المنطقة الامريكية الاستوائية القاسية . يقول اعتدال عثمان الناقد المصرى : (( ان كاتب هذه الرواية مثقف عصرى يتمثل التجربة الانسانية ويتضمن عمله العديد من التداعيات الفلسفية المعاصرة . وبقدر ما ينطلق فى تعامله مع واقعه من موقف محدد فانه لا يكف - فى صياغة هذا الموقف - عن الافادة من كل انجازات القصة فى العالم المعاصر . وبقدر ما يجمع بين الخاص والعام فانه يغوص فى الاسطورة والسحر ليجعل منها مستوى تحتيا دالا يساعد فى كشف بقية مستويات الرواية . وروايته من هذه الناحية - درس فى الاصالة التى تجمع انقى ما فى التراث الخاص لتمزجه بانضح ما وصل اليه العصر فى صياغة متميزة جعلت من الرواية واحدة من أهم الروايات فى الادب المعاصر )) .
اما الروائى والناقد الكبير فارغاس لولوزا .. الذى عاشر غابريال غارسيا ماركيز طويلا فهو يقول : (( ان مائة سنة من العزلة رواية كاملة تقف مباشرة فى ابعادها وراء مؤلفات عظيمة تتنافس معها فى الواقع بنفس المستوى وتجابهها فى غرض غزارة الحياة وتعمد الجوانب والابعاد اللانهائية بنفس القيمة نسبيا . وهذه الشمولية تتضح اول الامر بكثرة تنوع الرواية التى تشابه كما يبدو ما هو متناقض بين المعاصرة والارتباط بالتقاليد وبين الطابع المحلى والعالمى وبين الخيال والواقع . كما يعبر ايضا عن شموليتها حقيقة أنها سهلة المتناول لكل واحد . فكل يستطيع قراءتها . وهى تقدم لكل واحد غزارة تختلف بين واحد وآخر سواء للمثقف أو للقارئ البسيط أو القارئ الجلد الصبور أو القارئ غير الصبور . فمادتها تهم كل واحد . ان روح عصرنا الادبية بصورة عامة متحيزة ومضطهدة المدينة التى هرب فيها الى انصاف ظلال الخليلات )) . ويقول فى مقطع اخر واصفا بيع الدكتاتور للبحر : (( يا صاحب السعادة .. اما ان يأتى مشاة البحرية أو نأخذ نحن البحر معنا . وليس هناك اختيار آخر يا صاحب السعادة ولم يكن هناك اختيار آخر . وبذلك تأخذون فى نيسان معكم الكاريبي وتأخذون معكم مهندسى البحرية التابعين للسفير ايفينج كاجزاء مقطعة مرقمة ومع خفوت ضوء مدننا . كان علينا ان نذهب الى الشارع ونصرخ .. اخرجوا يا معدومى الخبرة .. لكى تمنح الاستيلاء على الاراضى لكن لم يذهب احد الى الشارع يا سيادة
الجنرال )) ان هذا الدكتاتور .. مريض .. ومقعد .. وهو محموم تماما مثل المناطق التى انجبته .. وهو يبيح لنفسه ارتكاب كل الجرائم .. دون ارتعاش أو خوف .. وهو قاس وعنيف . ويبدو وكانه قادم من عصور اخرى بعيدة .. ومن مناطق أخرى غير مناطق الارض يقول غارسيا ماركيز : (( لقد قلت لكم لا تهتموا . قال ذلك وجر قدميه فى الممرات المغطاة بالرماد بما فيها من بساط ممزق وستائر عبثت بها اطراف النيران غير انهم يواصلون العمل كما أوضح أحدهم وقد قيل لهم ان كرات اللهب لم تكن الا انذارا بأن الانفجارات ستحدث أخيرا . ان الجنرال يقطع الحديقة بخطاه دون ان يستمع الى أحد . ماذا نعمل ايها الجنرال ؟ لقد قلت لكم لا تهتموا أبدا . لقد ذهب . يا للشيطان ! أتوه كل يوم فى نفس الساعة للاشراف على الحلب . بحيث ان الثوار أتوه كل يوم وفى نفس الساعة رأوا عربة البغل المحملة بستة أطنان حليب من اصطبل الرئيس قادمة من ثكنة الدوق وعلى صدر العربة جلس السائق المألوف برسالته الشفهية : هنا يرسل اليكم جنرالى الحليب رغم انكم تبصقون على اليد التى تقدم لكم الطعام . صرخ ببراءة بحيث أن الجنرال باربوزا أمر بتسلم الحليب بشرط أن يتذوقه سائق العربة أولا للتأكد من سلامته من السم . والآن فتحت الابواب الحديدية وشاهد الثوار الالف والخمسمائة الواقفين على الشرفات الداخلية عربة الحليب تسير حتى وسط الساحة الداخلية المبلطة كما شاهدوا ضابط التنظيم يصعد الى صدر العربة ومعه جرة ومجرفة ليذوق السائق بها الحليب . شاهدوه يسحب سداد البرميل . شاهدوه يسبح فى وهج اللهيب الساطع خلال القرون والقرون من الاعوام فى حرارة بركان البناء المتعطش للموت المتكون من ملاط أصغر لم تزدهر فيه زهرة ومن انقاضه خلال الانفجار الجنونى جراء ديناميت بوزن ستة أطنان كانت معلقة فى الاهواء دون حركة )) .
ويقال : إن هذا الحاكم انجب خمسة آلاف طفل غير شرعى ولد كل طفل منهم فى الشهر السابع وبقى على قيد الحياة بعد بديله وبعد محاولات اغتيال عديدة . وحاول دون جدوى الحصول على لقب القديسة لوالدته الميتة وطرد من البلاد رجال الكهنوت واتفق معهم بعد ذلك تلبية لرغبة احدى زوجاته . انه صورة بشعة للحاكم الغارق فى انانيته . وهو الذى يجمع بين الجلاد والضحية .
ان رواية خريف البطريرك محاولة لكتابة تاريخ امريكا اللاتينية تحت الأنظمة الديكتاتورية ولكن بطريقة المبالغة التى تصل إلى حد الاسطورة .. أو ليست الخرافة شكلا من أشكال الواقع .
وبعد هذه الرواية أصدر غابريال غارسيا ماركيز (( حكاية غريق )) فى البداية كانت هذه الرواية مجرد روبورتاج صحفى قام به المؤلف بعد حصول حادث فى بحر الكاريبي .. وقد توصل الى مقابلة احد البحارين نجا باعجوبة. واستطاع بعد أيام من العذاب .. الوصول الى الشاطئ .. غير ان هذا الروبورتاج الصحفى العادى يتحول عند غابريال غارسيا ماركيز الى عمل روئى جميل .. ذلك أنه توصل الى وصف مشاعر الرجل . وهو يسبح فى اتجاه ساحل النجاة .. جائعا .. باردا .. خائفا . كما انه استطاع ان يغوص فى نفسية رجل كان على حافة الموت .. وكان فى كل لحظة يتعرض لخطر يهدد حياته ..
وفى سنة 1982 أصدر غابريال غارسيا ماركيز رواية احدثت هى الاخرى ضجة كبيرة وعنوانها ((وقائع موت غير معلن عنه)) وهو يقول عنها : إنها أروع رواياته .. ذلك ان الموضوع الذى تطرق اليه شبيه بموضوع بوليسى .. ولكنه استطاع ان يسيطر عليه .. وان يتحكم فيه ويحوله الى شئ مشبه بتراجيديا اغريقية . وتعود احداث هذه الرواية الى ثلاثين سنة . والبداية كانت حادثا بسيطا وواقعيا : جريمة قتل فى احدى القرى الكولومبية ، فى ذلك الوقت لم يشعر غابريبال غارسيا ماكيز انه امام موضوع يستحق الاهتمام . ولكن شيئا فشيئا راح يلح عليه .. وراح ينمو فى داخله كما النبات الشوكى حتى أصبح غير محتمل . وعندئذ شرع فى كتابته وذلك بعد وفاة كل الذين عايشوا هذا الحادث .
سانتياغو نصار هو بطل الرواية . شاب عربى جميل يعيش فى احدى القرى الكولومبية ويوما ما .. يتعرض لحادث قتل .. ومن خلاله يخوض الكاتب فى أعماق عالم قديم .. متداع .. حالم بالخوف والحقد .. والجريمة . وهو هنا يبدو بعيدا كل البعد عن التكتيك الروائى الغربى .. وقريبا من عالم الخرافات وألف ليلة وليلة .
وهكذا نرى ان الموت هو العنصر الاساسى فى كل أعمال هذا الكاتب الكبير . ولكن الموت لا يعنى بالنسبة له الفناء والدمار الاخير بل هو الصراع الابدى بين الانسان والطبيعة والمقاومة المستمرة للانسائية من اجل البقاء .

