كنا نشرنا فى جريدة صوت الحجاز وفي المنهل لسنواته الماضية ثلاثة فصول عن اعلام العلم والأدب في جزيرة العرب ، ونشرنا الفصل الرابع من هذه السليلة فى الجزء الماضي من المنهل وها نحن نوالى ذلك البحث بهذا المقال
الأستاذ رشدى الصالح ملحس ، احد اعلام العلم والتحقيق فى هذه البلاد ، فهو الرجل الدائب على الانتاج العلمى المفيد ، وانتاجه العامى من النوع الذى يمتاز بالوضوح والنضج والامتاع مع دقة فى الملاحظة واستيعاب فى البحث ، وحسن ترتيب واجادة تبويب واخراج
والرجل على علمه وانهماكه فى البحوث الطريفة لا يعنى بالشهرة ، ويحاول جهد المستطاع ان يظل وراء الستار حيال مايخرجه للناس من علم وبحوث ، فيحسبه ان ينتفع الناس بالعمل ، من غير ان يدركوا العامل ؛ وذلك شان العلماء المخلصين ، والعاملين المحسنين
ولقد شارك الاستاذ وضرب بسهم وافر فى النهضة العلمية الحديثة لهذه البلاد ، وحلى فى كثير من البحوث الدقيقة التى تتطلب ذهنا واعيا ، وجلدا ثابتا ، وعقلية مستوعبة منتجة . وما زلت اذكر له بكل تقدير ذلك الاثر العلمي الخالد وتلك الطرفة الادبية الرائعة ، التى اخرجها فى بيان ناصع متاججة بالوطنية العربية الشماء فى وقت لما تصل فيه نبضة العروبة الى ما وصلت اليه الآن من استحكام وانتظام ، فوضع بذلك بادىء ذي بدء لبسة فى صرح هذه النهضة بأحياء ذكرى البطل العربى المغوار " عبدالكريم الريفي " محللا سيرته ومدونا جهاده ، وموضحا قدره واهميته فى حقل العروبة والأسلام
ولقد كان ذلك الكتاب من اهم الاسانيد التى اثرت فى نفسيتنا ونحن ناشئة وكان له من فضل التوجيه الشئ الكثير .
ويمضى الاستاذ بعد ذلك فى جهاده وتمضى به همته فاذا هو يصبح " دائرة معارف " متحركة ، فقد عرف بالتخصص فى تاريخ هذه البلاد قديمه وحديثه ، فالقديم منه يحلله على ضوء العلم الحديث ، والحديث منه يرده الى مقوماته الأولى بعد الفحص والتحليل ، كل ذلك فى بيان طابعه السهولة والوضوح والانسجام . وقد نشر فى جريدة " ام القرى " حينما كان يتولى ادارتها ورئاسة تحريرها عشرات البحوث الطريفة من هذا النوع ومن ذلك النوع على السواء . وقد برز في ميدان التاليف القيم النافع ؛ المغذى للافكار والأرواح فاذا به يقوم فى هذا المضمار بعمل مجيد تنوء به العصبة اولو القوة في البيان والتحقيق وذلك بإخراجه و " بعثه " كتاب " اخبار مكة ) ١ للازرقى ذلك الاخراج الحافل بالتدقيق الفنى والعلمي والشرح والإيضاح والتعليق ، فربط حلقات الماضى السحيق بحلقة الحاضر فى خطط هذا البلد الأمين ، فكان مجددا وكان باعثا . . فهذه الاعلام من اسماء الجبال والاماكن والمنازل والآبار والمواقع كلها قد كانت مجهولة غامضة فنفخ فيها الاستاذ من روح التوضيح ماجعلنا نتفهمها كما كان يتفهمها من عاشوا في القرن الثاني والقرن الثالث الهجري . وتلك منقبة تستحق الاشادة والتنويه
ولم يكتف الاستاذ رشدي بتلك المفخرة وحدها بل مضت به عزيمته في طريق " البعث والأحياء " ولم تمنعه مشاغله الكثيرة الكبيرة ولم تحل بينه وبين الأهداف التى يسغي اليها من ذلك فشرع فى تاليف " موسوعة " ضخمة عن " البلاد العربية " باسم " . معجم البلدان العربية " . وهو المعجم الذي ما زال الاستاذ يقوم بتاليفه ، وقد نشر مقدمة كتابه هذا فى العدد ٣١٣
من ام القرى وابان فيها طريقته فى التأليف ولا شك في انه متى انجزه واخرجه فانه سيكون " دائرة معارف هامة عن البلاد العربية " فالأستاذ واسع الاطلاع دقيق الملاحظة . وقد احسن حينما انتزع لنا منه ذلك الجزء اللطيف الذي اسماه ) بحث المعادن ( . وقد انجز الاستاذ تاليف كتاب ) حغرافية المملكة العربية السعودية ( وهو معد للطبع فى هذا العام ان شاء الله وسيكون مع خرائطه
وهناك كتاب اخر سائر في طريقه من حيث التأليف وهو من صنع الاستاذ ومن حسن اختياره وقد خصصه لموضوع شائق رائق لم نطلع من قبل على كتاب يضاهيه في هذا التخصص ، فهو من هذه الناحية أول كتاب من نوعه . الا وهو ) معجم منازل الوحى ( الذي تفضل الاستاذ فاختص هذه المجلة بنشر فصول منه تترى كانت موضع حفاوة القراء من شرقيين وغربيين وطالما تقاطرت على الادارة رسائل التقدير . من الشرق والغرب لهذا الاثر القيم النفيس يرجو كاتبوها . موالاة نشر تلك الفصول ويقدرون كاتبها حق . التقدير ويتلهفون على انجازها واخراجها فى سفر مستقبلي لضمان الافادة . والتنوير . وللاستاذ كتاب ) منازل المعلقات ( وهو مخطوط جمع فيه ما يقرب من تحقيق ١٥٠ منزلا من المنازل المذكورة فى المعلقات العشر . وهناك كتب اخرى قيمة كان الاستاذ فيها نسييج وحده ومع ذلك فلم يشأ نكرانه للذات ان يوضع عليها اسمه واندل عليها طابعه وعلمه ، ونحن نرى من امامة العلم أن نصرح بانها من تأليفه وإخراجه . ومن هذه الكتب : كتاب ) مساحات الطرق فى المملكة العربية السعودية ( . . هذا الكتاب الذي وضع حدا لجهل الناس بهذه المسافات هو من تاليف الاستاذ رشدي وفي الحق انه قد سد بهذا الصنيع فراغا ملموسا .
ومن تلك المؤلفات أيضا ) تقويم الأوقات ( للمملكة العربية السعودية ان هذا التقويم النفيس المطبوع بمطبعة الحكومة فى ام القرى هو ايضا من مؤلفات الاستاذ رشدي .
واذا كان زميله " مسافات الطرق " تقويما للمسافات ، وهى ابعاد الامكنة بالمملكة العربية السعودية فليكن له زميل يكمله من ناحية اخرى ؛ وليكن . هذا الزميل ) تقويما ( لمسافات اخرى هى ابعاد الازمنة في هذه المملكة وبهذا جمع الاستاذ بين طرفي البحثين المستعين ؛ فعرفنا بتقويم المسافات المكانية فى هذه البلاد كما عرفنا تقويم المسافات الزمنية فيها . وقد كان حصيفا فى كلا البحثين حيث جمع لنا معرفة ما يحيط بنا من طرفي الزمان والمكان . و ) تقويم ام القرى ( . لعلنا لا نذيع سرا مجهولا لدى اقلية القراء إذا جهرنا لأكثريتهم بأن هذا التقويم الثمين الذي حاز شهرة عالمية بما يحويه من الطرف والتحف النادرة وبمايجمع من الفوائد الجزيلة والحكم والامثال الرائعة وبما كان له من حسن الاخراج ، هو من ) تصميم ( ومن ) تاليف ( الاستاذ رشدى فهو جامع عقود حكمه ومرتبه وهو مبوبها وهو منظمه طيلة الاعوام التى اخرجته فيها مطبعة الحكومة والى الآن .
وبعد فهذه الناحية من نواحي الاستاذ هي التى هدفنا الى تحليلها في هذا المقال لأنها الناحية التى تمت بصلة الى مبدأ هذه المجلة . وهناك نواح اخرى من حنكة الاستاذ الادارية واعماله الهامة التى يضطلع بها في الحقل الحكومى حقلت بالتنظيم والتقويم وكان فيها مثال النشاط الحميد الرتيب والكفاءة الملموسة . ولأنها لا تدخل في نطاق بحثنا اكتفينا بهذا القدر الذي نرجو ان نكون قد جلوناه وحللناه بما فيه الكفاية

