يا قطة صغيرة ... سعيتك فى الطريق يوم عز الرفيق ... يا قطة شخماء ... لونها خضراء ... ليس لها مخالب وكلها وداعة ورقة ودلال ...
فتحت باب الشقة ودلفت الى الداخل ... من عادة الصغار أن يسرعوا لاستقبالى ... فهم وحدهم بالبيت ليس لهم رفيق ... ونظرت أمامى فرأيتهم على المقاعد جالسين ، عيونهم بها كلام كثير ... تبرق بريقا وابتساماتهم تترقب كلمة صغيرة لتظهر بريئة ... فاتنة . وتساءلت فى حيرة :
- ما بالكم ... ؟ لا بأس ؟ - لا بأس .. لا بأس .. - اذن اتركوا المقاعد وهيوا الى .. فأين عادتكم ؟ وهل نسيتم الترحيب .. هل انتم جياع ؟ هل اصاب احدا منكم ضر .؟ هل اقترفتم ذنبا ؟ ماذا وقع ؟ أجيبوا !
- لا شئ ! ! - لا شئ والله ! ! - لم يحدث شىء سوى ... - سوى ماذا ؟ - جلبنا قطة ... جلبها خالد من الشارع .. - قطة ! قطة جديدة .. حسنا ! حسنا ! !
ونويت امرا .. كنت سأثور وقتها وأقول لهم بالله عليكم .. الشقة صغيرة والقطة تبول وتوسخ فى كل مكان .. وليس لنا من ينظف البيت وأنا أكره الروائح النتنة ... أكره النتونة .. لقد حذرتكم ... رميت بالقطة الاولى فى الشارع وها انتم تأتون بأخرى ..
سكت أمامهم وعزمت ان أتخلص منها فى الغد .. اثناء غيابهم ... ثم عدلت عن الرأى لماذا لا أتخلص منها الآن ...؟
- من أتى منكم بها ؟ .. - خالد يا أبى .. - خالد .. خذها سريعا وانزل الى الشارع وابتعد قدر ما تستطيع واتركها ... في اى مكان كان .. فاهم .؟ أسرع !..
اخذ خالد القطة وهو ينظر الى بطرف عينيه . لونه أسمر .. وبسمته العذبة اختفت بين شفتيه الرقيقتين ومال برأسه الى أسفل طائعا ... ملتاعا .. كنت مشفقا عليه ... ولم افكر فى التراجع .. وتنازعنى نفسى أن أتراجع .. أن أتركها .. وتصدمنى النتونة فى أنفى .. وأصر على طردها ... وفتح الباب ببطء ومر منه ببطء .. وكأنى به بقى يترقب وراءه والقطة بين يديه .. كلمة واحدة منى : .. (( ارجع .. ارجع بها ! )) ولكننى تقدمت واغلقت الباب .. ثم توجهت الى الشرفة لأنظر اليه خارجا من باب العمارة وهو يخطو خطوة خطوة وقرب جدار قديم امامنا وضع القطة وبقى ينظر اليها برهة ثم رجع ..
فتحت له الباب ، فلدخل والتحق بأخيه وأخته .. كنا وحدنا ... انا وهم الثلاثة .. كان وجومهم يؤلمنى ... كانت عيونهم الحيرى تخزنى صباح مساء .. ها أنا معكم أقدم لكم الأكل ... أقدم لكم الحلوى .. ألاعبكم أحادثكم .. لكن شيئا ما ينقصهم .. شيئا ما يغمرونه بعطفهم أكثر ... يكون طوع أوامرهم أكثر ... شيئا ما يحبونه حقيقة حب الصغار ... يتسلون به ... شيئا ما وقد حرموا اشياء هامة عديدة ... ولماذا لا تكون قطة ... ولماذا لا أوافق على رجوع القطة .. ولماذا لا أحدثهم فى الامر .. هل سيبدو السرور على محياهم ؟ هل سينتفضون ؟ هل ستلمع عيونهم .. عيونهم الصغيرة ؟ وقبلاتهم الحارة ؟ هل ستلامس خدى ؟ واذرعتهم الرقيقة .. هل ستطوق عنقى ؟.. هل يأكلون بشهيه لو تركت لهم القطة ؟
- هيا أليس لكم ما تفعلون ؟ ماذا تريدون أن نتعشى ؟ بيضا فى الصلصة ؟ مقرونة بالصلصة ؟ صحفة لبلابى من عند ولد حنيفة ؟ انت خالد ... ماذا تريد ..؟
- لا اشعر بالجوع ... - وأنت سيدة ..
- لا أريد شيئا الآن .. - وأنت طاهر .. - أريد القطة .. - على شرط ..
. . . وانتفض الثلاثة . . . ما هو الشرط ؟
- أنت تذهب غدا للنجار . . عبد الرزاق . . أتعرفه . . حسنا . . هذه مائتا مليم قل له يصنع لك صندوقا واطئا تملؤه ترابا وتضعه فى الشرفة الصغيرة . . وتعود القطة على الاستراحة فيه وتغير ترابه عندما يتسخ .
- حسنا . . هل أذهب وآتى بها ؟ - نعم . . اذهب . .
وخرج الثلاثة يتسابقون . . ورجعوا فى لحظة . . كل يريد احتضانها . . كل يريد اخذها . . وبعد دقائق معدودات سألت السؤال التقليدى . . ماذا نتعشى الليلة ؟ هل جعتم الآن . .
- صحفة لبلابى بابا .. - أتأكل معنا اللبلابى يا طاهر .. - نعم . . نعم . .
تعود طاهر منذ الصغر على احترام عهوده . . وما سألته عن أكل اللبلابي الا لأنى أعرف أنه لا يستسيغه ومع ذلك فالفرحة بالقطة جعلته يوافق على كل شئ . . وجعلته يقهر ذوقه بل يقهر كرهه لبعض الاصناف ويوافق على تناولها . . انها الفرحة العارمة . .
لم أنس القطة أنا بدورى . . وبينما كنت فى غرفتى أدخن وأفكر فى لا شئ وفى كل شئ . . تصورتها قطة من بنات الشوارع . . . كلها أوساخ وجراثيم . . تصورتها متشردة بثياب رثة ومكروبات جليلة وتساءلت اين هي الآن يا ترى ؟
ونزلت من فراشى وفى غرفة الاطفال وجدتها بين ذراعى طاهر ؟ نائمة نوم الهناء . . فأخذتها برفق ودخلت بها بيت الاستحمام وأسلت الماء الحار ووضعتها تحته ودلكتها بالصابون . .
كم أنت محظوظة يا قطة شخماء . . لو تعلمين من اين جاءك الحظ . . لأشفقت على نفسك . .
بعد ما دعكتها دعكا . . اخرجتها من الحوض وهى مستغربة حائرة . . ووضعتها على الارض وخرجت واغلقت الباب ورائى . . هكذا تجف وفى الصباح تكون صالحة للاستعمال ..
واذكر اننى فى يوم من الايام وضعت لها سائلا فى عينيها وكان الدواء هو الدواء الذي نستعمله لعيوننا . . كنت كثيرا ما أراقبها هل انها تكح أم لا .. ومن حسن حظها انى لم اسمعها مرة واحدة .
الجزار صاحبنا أصبح لا يبخل بقطع من الرئة كلما طلبناه سواء شرينا لحما أم لم نشر .
الاطفال سعداء . . ذهبت أمهم وعوضتها قطة ولو ذهبت أنا هل يعوضنى قط ٠٠ ؟
يا للفظاعة ! يا للفظاعة !
كثيرا ما يغادر الاطفال الشقة الى المدرسة وأبقى وحدى فى البيت . . . فتتجول القطة بين الغرف وتموء نواحا محزنا . . . هل اعتادت حضور الاطفال ؟ هل تتألم لفراقهم ..
وأقدم لها الماء . . . وبعض الغذاء . . ولكنها لا تسكت الا حينما آخذها بين يدى وأقبلها اعترافا بجميلها . . هى تحب أبنائى . . شكرا لك . . شكرا . .
ويكثر الخصام قبل النوم . . من تكون القطة من نصيبه الليلة . . وكثيرا ما أنحاز مع فتاتى الوحيدة . . ويتنرفز الصغير . . . وينام سريعا وقد غطى كامل وجهه وعانق وسادة عريضة .
أما الكبير فانه يتظاهر بالنوم وما أن تغفو أخته حتى يستل القطة من بين ذراعيها ويضعها تحت الغطاء بين رجليه وعندئذ ينام هنيئا . .
وتعلقت شيئا فشيئا بالقطة . . وأصبحت أداعبها فى غياب الاطفال وكانت تعرف اننى انا الذى آتى لها بقطع الرئة فى القفة . . فما أن أدخل حتى تمسك بتلابيبى وتلاحقنى أينما انتقلت فى المطبخ وكنت أدوسها خطأ . . فتعوى وتهرب قريبا ولا تلبث ان ترجع تتمسح ببنطلونى . .
وكنت أبقى وحدى ساهرا الليل الطويل نافثا الدخان . . متجرعا القهوة . . وتقتلنى الوحدة . . واذهب الى بيت الاطفال وأسرق القطة .
أريد أن أحادثها كما كنت أحادث زوجتى أن اقبلها . . أن اضمها الى صدرى بقوة ان اضغط على صدرها بيدى بقوة . . وتئن وتئن ولا تستطيع الافلات ٠٠
هى أيضا لم تفهم ان تلك علامات الحب والهيام هى تحاول ان تتملص منى وتزيد فى الأنين وتجبرنى على تركها وتهرب . . يالناكرة الجميل . . انت ايضا يخيفك الحب العنيف . . انت ايضا . .
نسيت ان اذكر ان قطتنا سميناها تراكى . . تيمنا . .
وانتهى صاحبى من حكايته وبكى . . الأبله ! بكى من أجل قطة شوارع . .

