الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

تربية الانسان الجديد، تأليف : الدكتور محمد فاضل الجمالى

Share

تشكو المكتبة العربية فقرا ملحوظا فى مادة التربية فليس فيها من مؤلفات فى هذا العلم سوى بعض المترجمات والمقتبسات التى لا تحوى فى بطونها سوى علوم الغرب وتجاربهم والتى لا تعكس صفحاتها سوى شخصية الانسان الغربى بما فيها من عقد وتعقيد ومركبات وبما تعانيه من مشاكل هي وليدة ظروف اجتماعية ومادية وروحية معينة .

فهذه الكتب تقدم لمطالعها العربى فى الجملة معلومات وضعت لغيره وتجارب اجريت على غيره فجاءت نتائجها من الصعب بل لعله من الخط احيانا ان تطبق عليه او ان يربى عليها وهو فى ظروفه وملابساته الراهنة التى لا تزال - وقد تبقى - مخالفة لظروف الاجنبى وملابساته . وقد انتبه بعض المربين العرب الى هذه الامور فحاولوا ان يؤلفوا كتبا تربوية عربية لا فى اللغة فحسب بل وكذلك فى المادة وفي المعلومات والتجارب

وقد حاول ذلك فى تونس جمع من المربين مثل السادة المحجوب بن ميلاد وعبد الرحمان بللونة ومحمود الشبعان فأخرجوا كتبا هامة رغم تواضعها ومفيدة رغم بساطتها .

ولعل آخر ما ظهر من هذه الكتب التربوية كتاب اخرجته الشركة التونسية للتوزيع فى هذه الصائفة وهو كتاب " تربية الانسان الجديد " للدكتور العراقي والمربى التونسى محمد فاضل الجمالى

والدكتور الجمالى الذى ولد فى الكاظمية بالعراق سنة 1903 والذي استقر بتونس منذ سنة 1962 هو احد المربين العرب النادرين الذين وصلوا في علم التربية الى درجات سامية عززوها بتجارب تربوية جليلة اكتسوها من تقلبهم فى وظائف التدريس والادارة . فلقد تحصل محمد فاضل الجمالى من جامعة كولمبيا بامركا على ما جستر فى التربية ثم على دكتوراه في فلسفة التربية .

كما قلدته كلية المعلمين بجامعة كولمبيا ذاتها وسام الخدمة الممتازة فى التعليم .

ولقد عزز الدكتور الجمالى منزلته التربوية هذه بتجارب كثيرة وكبيرة توفرت له فى المناصب التربوية العديدة التى اضطلع بها طيلة اربعين سنة فقد عمل الدكتور الجمالى معلما فاستاذا بدار المعلمين الابتدائية فاستاذا محاضرا بدار المعلمين العليا فى العراق فمديرا عاما للتربية والتعليم في وزارة المعارف العراقية وهو الان استاذ محاضر بالجامعة التونسية .

هذا فضلا عن الوظائف السياسية - وما السياسة الا نوع من التربية - التى شغلها الدكتور الجمالى فقد كلف بوزارة الخارجية فى العراق ثمانى مرات برئاسة المجلس النيابى العراقى مرتين وبرئاسة الوزارة مرتين وبرئاسة وفود العراق الى الامم المتحدة والجامعة العربية والمؤتمرات الدولية مرارا عديدة .

كل هذه العوامل ساعدت على تكوين شخصية الرجل وعلى طبع انتاجه بطابع خاص تجلى بوضوح حتى فى مؤلفاته العلمية مثل المؤلفات التربوية .

ومن هذه المؤلفات كتابه " محاضرات فى اتجاه التربية الحديثة في المانيا وانقلترا وفرنسا " وقد طبع فى بغداد وكتابه " الفلسفة التربوية في القران " وقد طبع فى بيروت وهو يعد للطبع هذه الايام كتاب " آفاق التربية الحديثة " .

واما كتابه " تربية الانسان الجديد " الذي ظهر اخيرا والذى نعرضه لكم هذه المرة فهو مجموعة المحاضرات التى القاها على جماعة من المعلمين التونسين وهى تمثل كما قال فى مقدمتها " خلاصة دراست ( ه ) وتفكير(5) فى نوع التربية الذى يصلح لزماننا ويوافق احتياجات شعوبنا وينسجم مع اهدافنا وامالنا فى بناء حضارة جديدة حضارة تحفظ خير ما ورثناه من اسلافنا وتنميه بما تتفق عنه عبقريتنا الخلافة وجهودنا البناءة " وان نزعة الرجوع الى ما ورثناه عن اسلافنا واضحة وجلية في هذا الكتاب ومختصة بجل محاضراته بل هى العمود الاساسي لكل محاضرات الكتاب

فلقد خصص الدكتور الجمالى اهم محاضراته لاستعراض " تطور الفكر التربوى عند اليونان " فى سبرطه واثينا وعند سقراط وافلاطون وارسطو

وللحديث عن " فلسفة التربية القرآنية " من خلال اهدافنا ومناهجنا واساليبها .

كما خصص جزءا كبيرا من هذه المحاضرات للحديث عن نشوء التربية الحديثة عند روسو وبستالتسى وهيقل وفروبل وهربارت وعند جون ديوى خاصة .

كما أضاف الى كل ذلك بعض الانطباعات عن " تطور الفكر التربوي في الاتحاد السوفياتى " .

على انه تعرض لكل ذلك بعد توطئة عامة حاول ان يعرف فيها كلا من المربى والمربى والتربية وقبل خاتمة عامة حاول ان يضبط فيها أهم نتائج محاضراته السابقة وان يجعلها " فصلا يجمع خيوط الفصول كلها ويوحد بينها " واعطاها عنوان الكتاب اى " تربية الانسان الجديد " . أو اعطاه عنوانها .

وعلى كل فرغم ان هذه الخاتمة حاولت ان تلخص الكتاب فان محاولة ذلك س جهنا لن يون عبتا فلنستعرض فصول الكتاب فصلا فصلا ولنحاول ان نستخرج منها أهم الاراء الاساسية التى تضمنتها .

ففي التمهيد ركز الدكتور فاضل الجمالى بحثه على المفهوم الجديد الذي ينبغى ان يكون للتربية فقال " ان الفلسفة التعليمية الصحيحة هي الفلسفة التى تبنى على قواعد الشمول والتوحيد والتطور " .

وهو يعنى بالشمول " درس ما فى الوجود درسا كاملا وعدم اغفال او إهمال اى ناحية منه " ويعني بالتوحيد " الوحدة والترابط والتفاعل بين أجزاء الوجود فلا يجوز الفصل بين أجزاء الوجود باعتبار ان كل جزء مستقل عن الجزء الاخر " .

وهو يقصد بالتطور " ان الوجود ليس جامدا بل هو متغير دائم التغير متطور دائم التطور ومن الجدير بالملاحظة هنا ان الدكتور فاضل الجمالي قد وجد فى برامجنا التعليمية فى تونس ما وافق رأيه واعتقاده مما جعله يستشهد بالتجربة التونسية فى محاضراته هذه المرات العديدة ومما جعله خاصة يقول فى اهداء الكتاب " الى فخامة المربى التونسي الاول . . . اعترافا بفضله فى توجيه التربية التونسية توجيها متسما بمبادئ الشمول والتوحيد والتطور "

ومن تحديده للتربية بهذا التحديد استخلص الصفات والخاصيات التى يجب ان تتوفر فى المربى والمربى خاصة وضبطها فى عناصر واضحة .

واما فى دراسته لتطور الفكر التربوى عند اليونان فقد ركز بحثه خاصة حول التربية القديمة التى كانت عند الاسبرطيين والاثينيين وحول التربية التى عقبتها عند بعض الفلاسفة اليونان وخاصة عند المعلم الاول ارسطو ففي التربية الاولى رأى الدكتور انها مجرد اعداد للجندية وللخشونة وخاصة فى إسبرطه ومحاولة للانسجام بين النفس والجسد وخاصة فى أثينا .

واما في التربية الثانية اى عند الفلاسفة فقد رأى الدكتور الجمالى انها تربية لها هدف سياسي واكبر أدلته على ذلك هو التعرض اليها مع السياسة والتأليف فيها فى المؤلفات السياسية كما كان عند ارسطو خاصة .

على ان هذه التربية مع ذلك كانت معتبرة للمراحل الجسدية والعاطفية والعقلية وان كان ما وصل الينا منها يقتصر على المرحلتين الاوليين

واما فى محاضرة فلسفة التربية القرآنية اى فى الفصل السابع والثامن والتاسع والعاشر من الكتاب فقد درس الدكتور الجمالى اهداف التربية الاسلامية ومناهجها واساليبها . وذلك من خلال القرأن الكريم الذى هو ( كما قال ( " للمسلم أعظم كتاب في فلسفة التربية والتعليم " فتبين له من خلال هذه الدراسة ان اهداف التربية الاسلامية تعريف الانسان الفرد بمكانته بين الخليقة وبمسؤولياته الفردية في هذه الحياة وكذلك تعريف الانسان بعلاقاته الاجتماعية وبمسؤولياته ضمن نظام اجتماعي انسانى وتعريف الانسان بالخليقة ) اى الطبيعة ( وحمله على ادراك حكمة الخالق في ابداعها وتمكينه الانسان من استثمارها

وتعريف الانسان أخيرا وخاصة بخالق الطبيعة وحثه على عبادته - هذه هى الاهداف .

واما اساليب التربية القرآنية فقد عرفها الدكتور الجمالى بقوله " ان الاساليب المتبعة فى التربية القرآنية هى آية فى النفاسة واعجاز فهي اساليب تربوية تتفق مع أرقى ما توصل اليه الفكر التربوى قديما وحديثا ثم استعرضها بعد ذلك فاذا هي اسلوب القصة واسلوب العبر التاريخية واسلوب الجدال والمحاكمة العقلية واسلوب الاستجواب وضرب الامثلة واسلوب الترغيب والترهيب

وبذلك ختم الدكتور الجمالى حديثه عن اساليب التربية القديمة عند اليونان وفي القرءان

واما فى دراسته للتربية الحديثة والتى خصص لها جل محاضرات الكتاب فقد تعرض لاهم الاعلام ومن خلالهم لاهم المذاهب التربوية الحديثة .

فدرس جون جاك روسو ورآى انه " أبرز من اثر فى التفكير التربوي الحديث " وانه " خير ممثل لرجال الفكر الذين غذوا الثورة الفرنسية بآرائهم ونظرياتهم الاجتماعية " وانه " اول ثائر حديث على الانماط التربوية القديمة واول مؤسس لنظريات التربية الحديثة " ثم درس نظرية روسو التى ترى ان التربية يجب ان تبنى على الطبيعة والتى كانت أول نظرية تعنى بمراحل النمو

عند الطفل وكذلك درس بستالتسى السويسرى الذى عاش بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والذى كانت فلسفته التربوية اساسها " الايمان والمحبة " والذي كان يرى " ان التربية هى الوسيلة الفعالة لاصلاح المجتمع ومكافحة الشرور والاثام فيه والقضاء على الفقر والبؤس بين الناس .

وكذلك فعل الدكتور الجمالى فى دراسته لهيقل وفريديريك فروبل ويوهان هربارت قبل ان يتوقف عند احد أركان التربية الحديثة وعمدائها عند جون ديوى .

جون ديوى الذي يقول فيه " اما انا فقد درست فلسفة ديوى التربوية قبل اربعين سنة يوم كنت طالبا فى الجامعة الامركية فى بيروت ثم حضرت محاضرات ديوى فى فلسفة التربية يوم كنت طالبا فى كلية المعلمين بجامعة كلمبيا وكنت ولازلت ادرس وأدرس فلسفة جون ديوى التربوية اكثر من ثلاثين عاما " فلا غرو اذن اذا اطنب الدكتور الجمالى فى تحليل فلسفة ديوى فى هذا الكتاب ولا غرابة فى ان تكون جل محاضرات هذا الكتاب مصطبغة بصبغة ديوى من ناحية والصبغة الاسلامية من ناحية اخرى فهما الوجهان الحقيقيان للدكتور الجمالى تأثرت بهما محاضرات الكتاب وتوجهت بهديهما غاية المؤلف من محاضراته امام المعلمين ومن كتابه وهو ينشره اليوم لكافة القراء

على ان الدكتور الجمالى أراد ان تكون لكتابه فائدة اعم وأكثر بعدم اقتصاره على درس التربية الاسلامية والتربية الحديثة عامة والانقليزية ( او الامركية ( خاصة وعمم ذلك حتى الى التربية السوفياتية وان كانت دراسته لها مقتضبة .

وكذلك اراد ان يكون لكتابه انتشار أوسع بان جعل افكاره واضحة وعبارته سهلة وقد صدق عند ما قال " ان هذه المحاضرات القيت بلغة مبسطة بعيدة عن التعقيد الفلسفى وهى وان القيت على جماعة من المعلمين الا انها تصلح لكل من يعنى بالثقافة العامة على اختلاف مشاربهم واختصاصاتهم "

وعلى كل فليست بساطة اللغة هى فحسب خاصية الكتاب بل ان ارتباط البحث بواقع العالم الثالث خاصة واستعراض البحث لاهم المذاهب التربوية فى العالم واحتواءه على نظريات المدارس الحديثة عامة والانقليزية والسوفياتية خاصة اللتان نجهلهما نحن التونسيين المتشبعين بنظريات المدرسة الفرنسية او نكاد . كل ذلك يجعل من الكتاب مرجعا تربويا لا بأس به وعمدة لكثير من التجارب التربوية وعينا صافية لكثير من المثقفين

اشترك في نشرتنا البريدية