التعليم (*) يمكن النظر فيه والاشتغال به من حيث هو صناعة أو فن يرجى منه تزويد الطفل بجملة من المعلومات وتيسير العلوم والمعارف على ذهنه وتقريبها من عقله وتحبيبها الى نفسه مما يثير مسألة المناهج والتعرف الى أيها انجع وأبسط والصق بطبيعة الطفل وكل ذلك تجده مفصلا مستقصى فى كتب فن التعليم وأساليب التربية .
والتعليم يمكن التفكير فى شأنه باعتباره واسطة لمعرفة العالم وكشف اسراره والسيطرة عليه وتسخيره لفائدة البشر ، فهو من هذه الناحية سبيل الى ان يتجاوز الافراد والجماعات منزلتهم ويغيروا ما بهم . هو سبيل الى ذلك كله ولكن الامم اختلفت فى تصورها له وتباينت فى تخطيطها إياه . فجهاز التعليم وتنظيم البرامج ووضع المواد وتوزيعها وصورة تنسيقها فى البلاد الجرمانية مثلا يختلف عنها في البلاد اللاتينية . ومن الامم من طبعت تعليمها بطابع " الانسانيات " فعظم حظ اللغات القديمة فى برامج مدارسها وتضاعف الاعتماد على الذاكرة ، ومنها من ادخلت تحويرا جوهريا على التعليم القديم فنقصت من العلوم النظرية وزادت في الدروس التطبيقية بحيث يستطيع المتعلم ان يعلم وان يستغل علمه .
ونحن فى تونس قد ورثنا تعليما قديما فى اصنافه اعترف الجميع اليوم بوجوب تحويره وتبديله وتلقيحه . فأى السبل نسلك وأى الاساليب نتبع ؟ ...
والتعليم يمكن البحث فى أمره أيضا باعتباره مشكلة قومية أو بشرية فهو بهذه الصورة حق لجميع المواطنين واجب الحكومات والمنظمات القومية والدولية ان توفره للجميع حتى تشع الشمس على الجميع . لذا نفكر اليوم جميعا فى تعميم التعليم وفي رفع الامية وفي التربية الاساسية ونفكر أيضا فى كيفية تذليل ما قد ينجم من مصاعب فى طريق تحقيق تلك الاغراض الحيوية بالنسبة للافراد والجماعات .
التعليم كل ذلك وغير ذلك ومن الضرورى أن تعالج جميع جوانبه وان نبحث عن حلول تلك المسائل الشائكة التى تعترض طريقنا اليوم ونحن في مفترق الطرق نريد ان نبنى قواعد حياتنا الفكرية على أسس ثابتة .
غرضنا فى هذا المقال أن نبين ان التفكير فى تلك المشاكل والتوفق الى حلها وان كان ضروريا فهو غير كاف . فقد نعرف طريقة التعليم المثلى وقد نهتدى الى البرامج المثالية وقد تتحقق المعجزة الكبرى فيعم التعليم وترفع الأمية فى وقت قصير ... قد يكون كل ذلك وتبقى أم المشاكل ونقطة الاستفهام الكبرى ؟ ..
ذلك ان التعليم وسيلة لا غاية . هو وسيلة لتكوين المواطن أولا والانسان ثانيا فالطفل يولد على الفطرة والمجتمع يكونه وينمى ملكاته ويصقل عقله ويهذب ذوقه ويرهف احساسه وانما يفعل ذلك بواسطة المدرسة . المعلم لا يروم تزويد الطفل بالمعلومات ولا يسعى الى تلك " الخزائن المتنقلة " وانما هو يستخدم الحساب وتفسير النصوص والتاريخ ... ليكون الطفل عقليا وشعوريا ويعده لمجابهة الحياة ...
والتعليم وسيلة أيضا تهيئ الطفل ليتفاعل مع مجتمعه تأثرا وتأثيرا وتنفخ فيه روحا وتغرس فى قلبه مثلا عليا تنير حياته وتكسب اقواله واعماله معنى . فنظرة الانسان للدنيا وموقفه ازاء الحياة ازاء الوجود ازاء القضاء على الموت والغيب كل ذلك ثمرة المدرسة بل ان ثورة الشباب على المدرسة وعلى ما تغذى به فى المنزل والشارع والفصل ما كانت لتكون لو لم يتكون عقليا ولو لم يتهيأ بالتربية الى ذلك .
التعليم وسيلة اذن بها نربى الطفل ونخلق الانسان . كيف يجب ان نربية ؟ ما هى القيم العليا التى نريد ان نغرسها فيه ونحمله على التعلق بها والسير على هداها ؟ ما هى فلسفة التعليم او ما هى روح التربية ؟ ذلك هو المشكل الذي يفرض علينا اليوم نفسه ويلح إلحاحا .
والحقيقة ان من استقرأ مذاهب التربية على ممر الاجيال وفي كافة الاصقاع يلاحظ ان التربية في أى مجتمع انما هي مرآة تنعكس عليها فلسفة القوم واخلاقهم ونظرتهم الى الحياة .
وليس للتيقن من ذلك كالنظر فى ما يطرأ على برامج التعليم من تغييرات جوهرية حالما يتغير النظام السياسى فى دولة من الدول او تنشب ثورة مذهبة كالتي نشبت فى روسيا سنة 1917 أو فى الصين أو فى الهند الصينية الشمالية فى هذه السنين ؟ بل انظر الى البرامج في المدارس الالمانية في عهدها الفاشيستي تحت زعامة " هتلر " وانظر اليها اليوم وتأمل ايضا في روح التعليم باثينا الديمقراطية أربعة قرون قبل المسيح وقارن بينها وبين روح التعليم بجارتها " سبارتا " العسكرية النظام ! وفى أيامنا هذه نشاهد المربين وذوى الاختصاص بروسيا ينكبون على برامج التعليم ومواده مراجعة وتحويرا وحذفا وزيادة ... ذلك انه حدث تغيير فى الاتجاه المذهبى الماركسى بعد وفاة " ستالين " فوجب ان يتغذى الشباب الروسى بروح المذهب الجديد .
ونحن اليوم بتونس نحيا ثورة تختلف عمقا باختلاف الميادين ونمر بفترة تحول تضاءلت فيها قيم وبانت أخرى فى الافق . ونحن لا نزال نبحث عن انفسنا من الوجهة المذهبية ولا نزال نتعرف الى حقيقة جوهرنا وسر طابعنا .
فمن الواجب إذن ان تتسع نظرتنا الى ابعد من برامج تحور او لا تحور ومن طرق تربوية تناسب او لا تناسب ومن تعميم تعليم يمكن او لا يمكن وان امكن فهو لا يحل المشكلة الا من حيث الكم لا الكيف . . يجب ان تتسع نظرتنا إلى ابعد من ذلك وان نفكر جديا فى مصيرنا كأمة وفي فلسفتنا كبشر حتى لا نتلعثم وحتى لا نتفسخ فى غيرنا فنكون آلة أو نقلد غيرنا فنكون على الغير عالة .
ان التربية إنما نطلب اليها ان تنشئ جيلا يكون صورة للأمة التى نريد فما هى مقومات الأمة التونسية وما هى مشخصاتها ؟؟
ذلك ما يحسن بمفكرى هذه البلاد العطف عليه ومن واجب وزارة المعارف التى هى عين الأمة على التعليم ان تقرأ لهذا الامر حسابه وان تسهر على التعليم وعلى مواده ويرامجه واتجاهه بحيث لا يبنى عقولا فحسب بل يكون المواطن الصالح والانسان الصالح أيضا .
أما كيف يكون ذلك فهذا من وظيفة الاخصائيين وأهل الصناعة .
