الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

تزكية العاطفة القومية،

Share

منذ خمس سنوات خلت - فى اواخر ديسمبر 1957 بالضبط - حظيت بشرف نادر اذ شاركت في " الندوة الدولية للاسلاميات " التى انعقدت بعاصمة لاهور الجميلة . وها هى ذى الظروف السعيدة تابى الا ان اشارك اليوم فى هذا المؤتمر الفلسفى الذى يعقده ببشاور " المجلس الفلسفى الباستانى " . ) 1 (

بالامس غير البعيد كانت المواضيع التى طرحت على النواب المشاركين فى ندوة لاهور تشمل عشرا من القضايا الهامة . هى بالضبط القضايا التالية :

1 - امكان مساهمة الاسلام فى اقرار السلام العالمى

2 - العناصر الاساسية فى الثقافة الاسلامية

3 - البناء الاقتصادى للمجتمع فى الاسلام

4 - دور الاجتهاد فى الاسلام .

5 - الاسلام والعلاقات بين الاديان

6 - مفهوم الدولة فى الاسلام

7 - موقف الاسلام من العلم

8 - تاثير الغرب الاقتصادى فى الافكار الاسلامية

9 - اثر الاسلام فى تاريخ الغرب والثقافة الغربية

10 - موقف المجتمع الاسلامي من الافكار ، والقيم الاجتماعية الحديثة

اما اليوم فان المجلس الفلسفى القومى الباكستانى يعرض علينا فى مؤتمره السنوى العاشر قضيتين فحسب هما هاتان القضيتان

1 - معرفتنا شؤون العالم الخارجى

2 - تطور العاطفة القومية .

ولست اذكر لكم ما عرض بالامس القريب . من المواضيع على الاعضاء المشاركين في ندوة لاهور وما يعرض - اليوم - على اعضاء مؤتمر بشاور للتنظير بين المؤتمرين من حيث ان المؤتمر الاول عالج من القضايا اثناء جلساته اكثر مما نعالج فى جلسات هذا المؤتمر . لا ولا اريد ان اميز بين ما حدا باولئك الذين سهروا على تنظيم ندوة لاهور من الجشع وما حدا بالساهرين على تنظيم هذا المؤتمر من القناعة

لا . لم اذكر لكم ما ذكرت رغبة فى ان اميز بين اولئك وهؤلاء ، فابارك اصحاب الجشع لجشعهم واذم اصحاب القناعة لقناعتهم او العكس . .

وانما الذى حملنى على ان اذكر لكم ما ذكرت فمالى من صادق الرغبة فى أن اوحد بين اولئك وهؤلاء في ذات التوفيق الذى حظوا به جميعا حينما تخيروا ما تخيروا من المواضيع ! فسواء أكانوا أصحاب جشع او أصحاب قناعة فانهم لم يتخيروا من المواضيع الا المواضيع الحية ، الهامة ، الرئيسة التى تشغل بال ذوى العقول بالدول الجديدة - وخاصة الدول الاسلامية التى تجهد نفسها - موفقة حبنا ، غير موفقة احيانا - فى سبل تعزيز ذاتها المجددة بتعزيز اركانها الجوهرية

فالموضوعان اللذان نحن مطالبون - اليوم - بالعطف عليهما ، عطف النظر والتحليل والكشف عن مختلف جهاتهما - ومواضيع ندوة لاهور مشتقة من عين المنجم : اعنى منجم الحرص على " مجابهة " قضايا لا بد لنا من العطف عليها بكل ما اوتينا من نور الحدس وصدق الهمة ، وسمو النظرة حتى زفت الامكان " أمام الاخلاص الحي لذاتنا الحيه المجددة فنستأنف السر بعزم هو عزم الحياة المجددة - اقوياء ، سالمين . وحتى يضحى فى امكان كلا واحد منا ان ينشد مع شاعر لبنان الدكتور سليم حيدر انشاده اذ قال :

" احب فى كنه ذاتى  رفيف ماض وآت " !

فى الحق ، فلست أعجب أن يحظى ذرية اقبال بهذا التوفيق فى تخير المواضيع التى يعرضونها على ذوى العقول والارادات الصادقة . وليس من باب الصدفة المحض ما نشاهده من امارات ذلك التوفيق فيما يعقدونه من الندوات والمؤتمرات . فروح اقبال يتجلى فيها . وعين اللهب الذى اضطرمت به نفسه الكبيرة يضطرم فيها !

ولا غرو . فاقبال قضى حياته العامرة فى تنغيم اشواق الضمير الاسلامى وتنغيم ما يهمهم فى اعماقه الجامحة من ارادة البعث فكان حريصا - كنه الحرص - على أن يوفر له - فى هذا العالم الذى لا ينفك يتجدد ويتطور ويستحيل - كل الاسباب التى من شانها ان تجعله قادرا على ان " يجابه - من جديد - قضايا الوجود الانسانى بنور هو النور ، وبقوة هى القوة وبزكاة هى الزكاة : لا ما ورثناه من عهود افلاس حقيقة الذات من شتى الانظار والعادات والتقاليد المتحجرة بضيق افقه ، او يحد من اقتداره ، او يهشم اندفاعه ، لا ولا ما يجد فى عهدنا المضطرب من مختلف الانقلابات فى اى ميدان شئت من ميادين النشاط الانسائى ينسبيه مطلق اخلاصه الاصيل لاصيل اشواقه فى حلبة الحق ، والعدالة ، والخير

وقلها باختصار : فاشواق اقبال تتلخص فى هذا الشوق : ان يرد الفكر الاسلامى أو الضمير الاسلامى الى نفسه ، والى مقتضياته ، والى متحدد طاقاته حتى يقوى - من جديد - على علاج كل ما ينجم فى هذه الحياة من المشاكل فى مستوى الافراد ، وفى مستوى الجماعات فى ميادين الاحساس ، والنظر والعمل ! . . .

وانت لا تنظر فيما عرض بالامس القريب على اعضاء مؤتمر لاهور وما يعرض اليوم على اعضاء مؤتمر بشاور من مختلف الاغراض والمواضع الا وتجد خلال حروفها والفاظها عين الشوق المضطرم . وهو شوق عيل صبره ان يبقى مجرد السراب " يتربع " فى الاذهان لانه شوق يريد أن " يجسم " في الواقع الصلب حقيقة حية من حقائق " الخلق " عن طريق " المخاض " الهائل الاليم النبيل ! . .

ولئن كان لك رغبة حينما تشيم هذا التوفيق الذى هو توفيق ذرية اقبال فيما لا ينفكون يثيرونه من القضايا العقلية التى من شانها ان تعين ذلك " المخاض " الهائل العظيم على ان يتحقق فيعرضونها على العقول ، ويطلبون الجدل حولها والنقاش ، ويجعلون منها الشغل الشاغل عند الخواص قبل العوام - فانما هى الرغبة فى ان يسرى مثل هذا الروح الصادق ، الجدى ، النير

بجميع الاقطار الاسلامية . فهو " روح المجابهة " - على نحو ما يجب أن يكون المجابهة - لقضايا الذات : صدق فى العزيمة ، وتجرؤ على اشوك المسائل ووضوح فى النظرة !

فالعالم الاسلامى برمته مهما تنوعت اجزاؤه ، وتغايرت ملامحه ، وتباعدت أقاليمه ، وتباينت أجواؤه المادية والعقلية - واحد أمام تلك القضايا .

ومهما كان التفاوت بين أجزاء العالم الاسلامى فى الصحة او الاعتلال . وفى الشعور او الذهول ، وفى التقدم او التاخر ، وفى التصميم النير على مجابهة الحال او التخاذل امام ارهاق المجابهة - رهن ذلك المخاض العقلي الهائل . . .

وليس من شك عندى فى ان ما يعترض - اليوم - الشعوب الاسلامية كافة من متنوع المشاكل فى الميادين الاقتصادية ، والصناعية ، والفنية حينما تحرص - حرص البر - على تاسيس اسس اقتصادها ، وصناعتها وتقدمها الفنى لتتلافى ما فاتها أيام انحطاطها - وما أكثر ما فاتها أيام انحطاطها - ليس من شك عندى فى ان ذلك كله - على خطورته - لا شئ غار يذكر بجنب ما يجب عليها ان تابجهه من المشاكل العقلية بوجه الاجمال ! فبناء العقول الاسلامية - جديد البناء عصريه - هو الشرط الاساسى الاول المهيمن على الشروط الاساسية الاخرى كلها . وهو هو الكفيل بان " يفجر لنا من جديد - شآبيب الاخلاص الحى للذات الحية فى صولة اقتدارها وفى نظام صمودها بدروب ما شئت - وشاء الاخلاص ! - من مشاريع الحياة فى عالمنا الذرى الجديد ! . . .

ولست اذكر لك جديدا ان انا ذكرت لك ان " تهافت العقول " - وهى عبارة مرادفة عندى " لتهافت الضمائر " - هو اصل كل تهافت . . وما تشيمه من الوان الخراب في شتى الاوضاع المادية بالاقطار التى تسمى اليوم بالاقطار المتخلفة ليس الا ناشئا عما بشاهد من امارات الخراب الشامل فى حلبة عقولها ! . .

فتجديد العقول بتجديد بنائها هو الذي يضمن لك - اذا - تجديد كل بناء في الافق الانساني : سواء أكنت فى الميادين العلمية أو الفنية أو الصناعية او الاجتماعية او السياسية او الخلقية او الدينية او الروحية على الاطلاق !

فبفضل اخلاص بعض العقول لبعض ما تكنه فى قراراتها من خفي الطاقات امكن لى ان اقطع - على ظهر الطائرة - وفى بضع ساعات المسافات السحقه التى تفصل بين تونس وبشاور . . ولم يكن اجدادنا ليفوزوا بقطع مثل هذه المسافات - على ظهور جمالهم - الا فى عديد الشهور المتوالية وفي نطاق ما يمكن لك ان تتصوره من العنت والارهاق ! . .

ولا تظنن ان تجديد بناء العقول ينحصر فى امر التربية والتعليم فى محدود آفاقهما " الصناعية " او فى محدود الافاق التى تعودنا ان نفهم فيها التربية والتعليم . . .

فشؤون البشر معقدة ، وشؤون البشر دقيقة الاسرار ، وشؤون البشر لطيفة الجوهر ، وشؤون البشر متداخلة تداخل اخفى خيوط الحرير وادقها

وآية آيات هذا التداخل العجيب تضامن لا اشمل منه ، ولا اشد صرامة . ولا اوكد اقتضاء !

وبالرغم من انك - ساعة التحليل - تفصل بين الشؤون المادية ، والشؤون الاقتصادية والشؤون الصناعية والشؤون الفنية ، والشؤون العسكرية والشؤون العائلية ، والشؤون السياسية ، والشؤون العقلية ، والشؤون الدينية ، والشؤون الروحية او ما شئت من شؤون هذه الشؤون وغيرها ع اختلافها المدهش - فلا بد لك - فى آخر الآخر - من ان تعتبرها " كلا " عجيبا واحدا متماسك الاجزاء ، سحرى التماسك ، ويسرى فى هذه الاجزاء - على اختلافها " روح واحد " هو هو " الروح " الذى يجعل لكل حضارة من الحضارات البشرية المخلصة لذاتها : وحدة الملامح ، او وحدة الحقيقة او وحدة العبقرية !

وليس يمكن لك ان تدرك ادنى جزئية من جزئياتها - بله وظائفها السامية - او اجهزتها المركبة التى تحتل فى نطاق " نظامها " جليل الرتب - الا بالعودة الى الاصول الجوهرية التى هى اصول ذلك " الروح العبقرى " الذى يحدوها جميعها !

ذلك ان تلك الجزئيات ، وتلك الوظائف ، وتلك الاجهزة ليست في الحقيقة الا " السنة " تنغم اشواق عين " الروح العبقرى " الذى هو روح تلك الحضارة مثلما ان مختلف الالات الموسيقية - النبيلة والوضعة - تنغم بقدر اقتدارها وثروتها - وفى نطاق عين السنفونية - اشواق عين العبقرية الموسيقية التى نسقت انغامها !

كانت نفسى تزدحم بمثل هذه المشاعر لما كنت على متن طائرة تفرى الاجواء فريا فتقطع فى الساعة الواحدة اكثر من ثمانمائة ميل بارتفاع عن الارض يبلغ نحو عشرة آلاف متر !

وكنت لا افكر - بين الفينة والفينة - فى امر هذه الطائرة ، وفى امر ارتفاعها العجيب ، وفى امر سرعتها المدهشة - الا خطر ببالى انها اصدق امارة على توفيق من سماها فاحسن التسمية ) IV Comet ( اذ خلع عليها رتبة النجوم فى تألقها . وانها لاروع اشارة حسية الى ما يجب أن تتسم به انظارنا من سعة الافق ونوره عندما نعنى بمعالجة قضايانا الجوهرية

كنت افكر بالخصوص فى امر " العاطفة القومية " وفى امر تزكيتها بالدول الجديدة التى كافحت - مر الكفاح احيانا - قبل ان تسترجع مقاليد امورها وحرية الانفاس !

فما اكثر ما يكتنف قضية العاطفة القومية من الشبهات وضروب اللبس وما اكثر ما ينجم عن انطماس معالمها او عن طغيائها على النفوس من الشرور !

وما اكثر ما يرتطم الحريص على تزكية جودها وتفجير خيرها فى عديد الصعوبات !

وما اشد تنوع ما يحيط به من كل جانب من الافخاخ والاخطار والمزالق والمتناقضات ؟

ولست تبالغ فى شىء ان انت اكدت ان تزكية العاطفة القومية - كتزكية اختها العاطفة الدينية - جزء هام من تزكية العقول او بنائها . وتتطلب من الراغب في العطف عليها نظرة فلسفية اصيلة تشمل جميع جوانب الحياة البشرية على الاطلاق فتدرج شؤونها احكم التدريج فى سلم دقيق هو هو سلم القيم البشرية على الاطلاق كذلك

وان انت اكدت ان تزكية العاطفة القومية او بناءها - جزء هام من تزكية العقول - او بنائها - فالمهم المهم ان تنتبه لضرورة تحديد مكانة هذا الجزء من الكل او لضرورة تحديد " النسبة " التى بين هذا الجزء وهذا الكل وبدهي ان العدل يقضي - والعدل قضاؤه لا يرد - بان تعطى ذلك الجزء

حقه كاملا لا منقوصا ولا مزيدا فيه ! فلا غيرتك على الكل تحملك على الاجحاف بالجزء ولا غيرتك على الجزء تنتهى بك الى الجور على الكل !

وان انت تجاوزت البداهة ولم تقنع بها اكدت لك ان " سلامة " العقول لا تتم الا بزكاة العاطفة القومية مثلما ان " سلامة " العاطفة القومية لا تتم الا بزكاة العقول نظرا لما بين " الجزء " و " الكل " من الانسجام المكين . وطغيان العاطفة القومية على العقول تجنيس لها وتجنيس للعقول . وانتفاؤها من العقول انتحار لها ومسخ للعقول فالضدان - هنا - يجتمعان باوثق ما يكون الاجتماع من حيث ان الافراط والتفريط كليهما ذميمان !

فما قولك مثلا فى " السمفونية العبقرية " لو طغت عليها - دفعة واحدة - آلة من آلاتها لحيادها عن " دورها " الحقيقى فى نطاق السمفونية ؟ او ما فولك فى السمفونية لو خانتها - اثناء العزف - بعض الآتها الجوهرية فلم تسمع رناتها الى جانب رنات اخواتها ولم تنسجم معها على نحو ما كان " مقدرا أن تنسجم معها فى نطاق العزف الشامل ؟

ولا تظنن انى اجنح الى المجاز او التشبيه طلبا لرخيص وسائل البيان او البلاغة . فالمثل الذى اضربه لك اصدق مثل يضرب لتقريب القضية الدقيقة التى نحن بصددها الى الاذهان ! وهو اصدق وصف واوفاه " للماساة " التى هى ماساتنا جميعا ان قليلا او كثيرا فى ميدان العاطفة القومية !

فالعاطفة القومية - فى عرف اصطلاح علماء النفس المحدثين من " العواطف " المركبة ! معنى ذلك انها " مزيج سحرى " من المشاعر . بناؤها صعب عزيز المنال ، وفى حاجة الى " هندسة " دقيقة الاسرار والاصول نادرة الوجود !

ويجب عليك أن تخوض من القضايا الفلسفية الشاملة غمارا وغمارا قبل ان تهتدى الى الكشف عن اسرارها ، واصولها الجوهرية

فهذه أصول نفسية أو عقلية ، وهذه أصول خلقية ، وهذه اصول اجتماعية ، وهذه اصول تاريخية ، وهذه اصول سياسية ، هذه اصول مذهبية ، وهذه أصول ثقافية حضارية ، وهذه أصول انسانية على الاطلاق وان انت اهتديت الى جميع تلك الاصول كان لا بد لك من الالتجاء الى كل

الوسائل والمناهج التربوية الفنية الدقيقة حتى تراعى فى الاسرة ، وفى المدرسة ، وفى المجتمع ان انت رمت بناء عاطفة قومية صادقة نيرة . .

الذي يجب ان تنتبه اليه هو انك لن تنتهى الى تزكية العاطفة القومية او الى بنائها فتكون على ما ترغب فيه لها من الحرارة ، والصدق ، والنور ما لم تغذ النفوس التى تريدها مضطرمة بضرامها بما يجب ان تغذى به من معارف معينة ، وحقائق معينة ، وفنون معينة فتنشأ على ما يجب ان تنشأ عليه من القابلية للاهتزاز القوى ، المنغم ، العادل أمام كل ما يجب أن تهتز له النفوس الحرة والشاعرة بجسام مسؤوليات الحرية على الاطلاق !

ولئن اكدت لك - منذ حين - ان العاطفة القومية من العواطف المركبة للانها تتركب - فى الحقيقة - من عواطف عدة !

فالعاطفة القومية ليست - كما يظن الناس بيننا - مجرد الاحساس بالانتماء الى قوم او مجرد الغيرة على اولئك القوم او على شؤون اولئك القوم . فهذا الى العصبية القبلية اقرب منه الى العاطفة القومية النيرة بدليل تشعب البحوث فى حقها باجواء الفكر الغربى : فهذا يجعل المرجع في شؤونها الى اساس الجنس ، وهذا الى اساس اللغة ، وهذا الى اساس الدين وهذا الى اساس وحدة المصالح ، وهذا الى اساس وحدة العوامل والحدود الجغرافية ، وهذا الى اساس وحدة المصير والى ما تشمله وحدة المصير من وحدة الالام والمحن ، ووحدة فى الانتصارات والامجاد ، ووحدة فى الاشواق والمثل ، ووحدة فى الرغبة فى العيش فى كنف تلك المثل .

ففى الرحاب الفسيحة الارجاء التى هى رحاب العاطفة القومية النيرة ، المتفتحة تنسجم - ابدع الانسجام - جميع العواطف التى نسميها - على الاطلاق - عواطف الحرية : فمن شعور باستقلال الذات ، الى شعور بحرمة الذات وبخصائصها الجوهرية ، الى شعور يضرورة الدفاع عن الذات ، الى شعور بضرورة تزكية الذات فى نطاق الصدق والاخلاص وصفاء النظرة ومضاء الهمة ، والحرص على العزائم العظيمة والمشاريع الخلاقة فى جميع الميادين ، والجرأة على الاحداث والانظار والعادات التى تخنق الذات ، الى شعور عارم مكين بالتضامن العجيب الذى يربط بين الفرد المستقل والطبيعة والكون باسره !

وقد لا تغالى فى شىء ان انت اكدت ان ادق الصعوبات التى يرتطم فيها الراغب في تزكية العاطفة القومية انما هى صعوبة الاهتداء الى الطريقة الكفيلة

بأن تحمل الفرد الشاعر باستقلاله الفردى - أو المتوهم الاستقلال - والميال جبلة الى الانطواء فى حدود ذاته الفردية ، وحدود انانيته الضيقة - على الكشف عما يربط - بالفعل والحقيقة - بينه وبين الكائنات على اختلافها من ضروب التضامن

فالعاطفة القومية لا تقوى ولا تستقر فى ذاته ولا تزكى ، ولا تستنير الا إذا ما فزت باخراج الفرد من مستواه الحيوانى الطبيعى فحملته على ان يعرج الى مستوى البشرية العاقلة الرافة اخلاصا للمثل العليا البشرية !

وليس يمكن ان تفوز بهذا الا اذا ما فاز هو - اثناء نضج عقلي يشمل اطوار عدة - بالكشف عن الروابط ، والشعور بحقيقتها ، والشعور بالخصوص بان ذاته لا تزداد الا قوة ، ونموا ، وتفتحا ، وسعة ارجاء كلما تحررت من الانانية الحيوانية الضيقة الافق ، واتسعت أجواؤها شيئا فشئا الى أن أصبحت تسع الكون باسره !

ولو انك اردت ان ترمز لتفتح ذاته - هذا التفتح التدريجى العجيب الخلاق - لما كان فى امكانك أن تجد رمزا أصدق ، ولا ابين ، من دوائر داخل بعضها ذات مركز واحد

فكل فرد يشعر بانه المركز الذي يجب ان تضاف اليه كل الاشياء في حالة انانيته الاولية . فهو " سجين الانانية " وتحريره لا يتم الا تدريجيا وباكتشافه - شيئا فشيئا - ما يربط بينه وبين الكائنات من مختلف الروابط - روابط التضامن : فهذا تضامن الافراد داخل الاسرة . وهذا تضامن الافراد داخل المهنة . وهذا تضامن الاجيال داخل المجتمع القومى وهذا تضامن الافراد والشعوب داخل البشرية جمعاء في زحفها الدائب المتصل نحو مزيد من القوة ، ومزيد من الاقتدار ، ومزيد من سعة الافق ومزيد من النور !

والفرد الذى ينتهى الى مثل هذه القمم من التفتح العجيب للعالم باسره بفضل ما فيه من مواهب الطبع - . . يصبح اشد شعورا بالروابط الخفية " العنكبوتية " التى تربط بينه وبين الكائنات باسرها فى نطاق تلك الدوائر التى فتح معانيها وقيهما - الدائرة بعد الدائرة . مثلما يصبح اشد شعورا بذات الكنز الخفى الذى هو كنز ذاته الحية فيتفجرا شآبيب جودها الاصيل سواء أكانت من شآبيب الجمال أو من شآبيب الخير أو من شآييب الحق .

وليس يمكن ان تجد فى التاريخ بطلا من الابطال ، ولا حكيما من الحكماء ، ولا قديسا من القديسيين ، ولا مواطنا صالحا من المواطنين الصالحين الا كان " نمطا " فريدا ممتازا فى نطاق اسلوب هو اسلوبه من ذلك الفرد المتطور هذا التطور الناموسى الكامل

ولاخص خصائص تلك " النماذج " الفريدة من البشرية الممتازة انما هى فى كون العاطفة القومية سمت لديهم الى اعلى درجاتها فاستحال نسيجها الى حرير هو انفس حرير ناهيك انه انتهى الى التوفيق العجيب بين مقتضيات الذات الفردية ومقتضيات الذات الجماعية او القومية ومقتضيات البشرية على الاطلاق فكان آية ساطعة من آيات الخلق الربانى : اشعاعها هو الاشعاع . ومفعول قولها او فعلها او انجازها - مهما يكن جنسه - هو " السحر الخلاق " الذى يلهب النفوس - خاصة نفوس الشباب - فيدعوها - الدعوة الملحة - الى انتهاج سبل التفانى وراء تحقيق انبل المثل فيخدمون بذلك اعمق مطامحهم الفردية مثلما . يخدمون ما يهمهم فى اعماق الذات الجماعية من اصيل الاشواق . . فيكسرون بفضل ذلك سدودا ، ويفتحون للبشرية آفاقا جديدة مما لاعين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . .

وان انتم سمحتم لى - فى مثل هذا المؤتمر الفلسفى - ان اتناسى الى حين ما بين الهند والباكستان فى الساعة الحاضرة من نزاع سياسى ارجوه موقوتا وارجوه منتهيا الى الحل العادل - وليس يمكن الا ان تسمحوا لى ما دمت ارى فى هذا المؤتمر - جنبا الى جنب فلاسفة من الهند وفلاسفة من الباكستان - ذكرت لكم ان مجد القارة الهندية فى العقود الاخيرة كان انبل مجد ، لمجرد ايوائها بين احضانها ثلاثة عقول جبارة من ذلك الطراز العجيب : اعنى المحاطما غاندى ، وربندارنات طاغور ومحمد اقبال ! فكان كل واحد منهم ينغم - ما شاء له الاخلاص ان ينغم - اروع اشواق العاطفة القومية فى ارحب اجوائها وابدع رناتها . .

ولعل كتاب طاغور : " الدار والعالم " ) 1 ( اروع آية فنية كتبت فى عالمنا المعاصر فى ذات المشكل الجوهرى الذى هو مشكل العاطفة القومية فى انجذابها - أبدا - الى قطبين متناقضين فى الظاهر : هما قطب " الانحصار " فى الذات القومية الضيقة - " الدار " . وقطب التفتح الى افسح ارجاء البشرية الشاملة - " العالم " !

وانك لتخطئ فهم الكتاب ان انت ظننت انه يجب علينا فى نطاق العاطفة القومية ان نختار بين هذين القطبين : فحيوية العاطفة القومية الخلافة ف " توترها " الحى ، المفزر ، الاليم - توتر وتر القوس المشدود - بن ذيبك القطبين كليهما ، وفى حرصها - حرصها على القوة ، والسلامة ، واليقظ - على القطبين كليهما : لا هذا يذهلها عن ذاك ولا ذاك يذهلها عن هذا

والمهم المهم ان تنتبه الى ان حياد العاطفة القومية الحق عن صارم سنن ذلك " التوتر الحى " السبب من الاسباب - من شانه ان يجعل تلك العاطفة عرضه لشتى الامراض والانحرافات التى تتاخم - حقيقة لا مجازا ولا مبالغة . الامراض العقلية التى تعالج بالمارستانات . . وقديما قال الاثر : من قارب الحمى وقع فيه ! ) 1 (

وليس يمكن ان تنتشر فى مجتمع ما تلك الانحرافات التى تنخر العاطفة القومية من دون أن تعرضة لضروب من الاخطار : أركانه تتصدع ، ولحمته تتفتت وتتلاشى ، وقيمه ومعاينه تنطمس معالمها او يعروها الكسوف الجزئى او الكلى ويصبح المجتمع يترصده افلاس الحقيقة مثلما يترصده الغزو والمحق !

ولما كانت القضية التى نحن بصددها على هذا الجانب العظيم من الخطورة بالاضافة للافراد وبالاضافة للجماعات فى عين الحين وحب ان نشر - مجرد الاشارة الخاطفة - الى الضربين المتقابلين اللذين يقضيان على " التوتر الحي " الذى هو توتر العاطفة القومية الحق فيكونان سب مسخها او نضويها او تلاشيها . .

ويتجسم هذان الضربان فى جمود العاطفة على " قطب الدار " او فى جمودها على " قطب العالم " على حد اصطلاح طاغور

فجمود العاطفة القومية على " قطب الدار " ينضب معينها او يجنسها ابشع تجنيس فتستحيل " عصبيته ظلامية " من جنس العصبية القبلية الجاهلية فتضحى " جبرية " قهارة تختنق فى جوها النفوس او تتعفن فتهوى من عليائها الانسانية الى حضيض الغريزة ونزواتها واهوائها وفقرها المدقع

مثل هذه العاطفة القومية عجزها هو العجز فى ميدان الخير . وصولتها هى الصولة فى ميادين الهدم والشر

هى العقم المريع !

اما جمود العاطفة القومية على " قطب العالم " بدعوى التفتح لاوسع الارجاء فهو " انخلاع " عن شروط الذات وعن خصائص الذات ، وهي كفر بنواميس الحياة . . ذلك انه مطلق الذهول عما يمكن ان نسميه " مبدأ التقمص " فلئن كان الروح لا بد من ان يتقمص فى بدن فكذلك الفرد ، جسما وروحا ، لا بد ان يتقمص فى حقيقة جماعية منها يستمد الغذاء وبعض الخصائص . .

فلا عجب اذا ان ترى جمود العاطفة على " قطب العالم " لا يعتم ان يفقدها " عصب الحياة " و " دم الحياة " وجهم كفاح الحياة فتستحيل احلاما ، وخيالات ، واوهما متبخرة ، وعجزا ، وفرارا من كل المسؤوليات .

وان انت وقفت امام هذين الاصلين الجوهريين اللذين هما اصلا كل انحراف او مرض يعرو العاطفة القومية - بالدول الجديدة - فتتبعت فروعها العديدة ومظاهرهما المتنوعة وعواقبهما التى لا تحصى عدا - ادركت ان ما تشكوه الدول الجديدة - وهى هى الاقطار التى تسمى بالاقطار المتخلفة . من مختلف الادواء فى الميدان القومى ، وفى مستوى العاطفة القومية - ليس ناجما الا عن ذينك الاصلين

فما اكثر ما تطالعك العاطفة القومية من وراء اقنعة الدماغوجيا وظلمة الانظار والعصبية الجارفة التى لا تعرف لسنن الواقع معنى أو وزنا لفقدانها " الحاسة " التى تسمى بحاسة البصر بشؤون الواقع !

وما اكثر ما تجد إلى جنب ذلك - الانتهازيين او الوصوليين على اختلاف كتائبهم يستغلون القومية ويتطفلون عليها ولا رغبة لهم - من وراء ذلك - الا اشباع مطامعهم الفردية الاشعبية ونزوات الانانية الجامحة

وما أكثر ما تجد - الى جنب هذا وذاك - الفاقدين كل احساس قومى - صحيحا كان أو غير صحيح - فتراهم منطوين على ذواتهم متهاونين بكل واجب او بكل مسؤولية .

ولا تسل عن الاغلبية الساحقة ممن تراهم اقرب الى الحياة الغرزيه الحيوانية منهم الى الحياة البشرية لكونهم فريسة المرض ، وفريسة العرى ، وفريسة الفقر المدفع ، وفريسة العادات والتقاليد والخرافات التى لا توصف لتحدي كل وصف . وان أنت أبيت الا أن تجد لهم نعتا أو وصفا فلست واحدا عبارة أصدق

من قولك عنهم انهم " أهل الكهف " ناموا دهورا فى كهفهم فى معزل مطلق عن تطورات الدنيا ثم ابت صروف الزمان الا ان تجرفهم الى عهدنا هذا - على حالهم القديمة - فلا هم من هذا العهد ولا هذا العهد منهم

هم " الهباء من الافراد " على حد لفظ بليغ من الفاظ محرر الامة التونسية الحبيب بورقيبة .

وهو لفظ يشير - بليغ الاشارة - الى ان المجتمع الذي هو مجتمعهم تفتت لحمته فاتئثر افراده انتثار حبات عقد مزق خيطه . فلا هم يحسون بان ذواتهم تتجاوز ذواتهم الى ذات جماعية شاملة ولا الذات الجماعية الشاملة تتمتع بوحدتها العضوية من حيث هى ذات جماعية شاملة

شان ذلك " الهباء " المنثور شأن بعض الجزر المشتتة هنا او هناك بالمحيط فى شهادتها على انها كانت جزءا من قارة مترامية الاطراف زلزلت زلزالها فغمرتها مياه المحيط !

وفى الحق فلا عجب فى ان يكون الامر كذلك بل العجب فى الا يكون الامر كذلك !

فان أنت حصرت النظر فى الاقطار الاسلامية - دون بقية الاقطار المتخلفة . وجب عليك ان تذكر اى انحطاط عقلي ومادى كان انحطاطها فى القرون الاخيرة فتجرا عليها الغزاة من كل جانب واضحت مستعمرات المستعمرين على اختلافهم . وبقى شانها هذا الشان عقودا متوالية تجاوزت عقود القرن بالاضافة ، لبعضها . .

ولم تسترجع مقاليد امورها الا بفضل كفاح مرير اضطلع باعبائه المرهقة قلة من الافراد ممن حظوا فى نطاق احتكاكهم بالغرب والغربيين بالعروج الى مستوى " العقول المبنية " محكم البناء

فهؤلاء امكن لهم تنظيم صفوف الجماهير فى نطاق ما لم تعرفه من قبل من عمل جماعى منظم صبور ذى اهداف معينة مرسومة . وامكن لهم ان يضطلع باعباء ضروب من الكفاح الصامد وراء المطالبة بحقوق الذات ، وشرف الذات ، واستقلال الذات ، فى نطاق فلسفة واعية باهدافها ومبادئها وطرقها الناجعة فى الكفاح وانما امكن لهم ذلك لانهم كانوا " الضمائر الحية " التى تعرف المسؤولية

البشرية ووزنها وعظمتها وبرها ، تدرك معانى الجهد والصبر على المكاره ولا تتردد فى خوض اقسى المغامرات والتضحيات لعجزها عن كل شئ . . الا عن القيام بمرهق الواجبات . .

اليس معنى هذا ان اصحاب تلك الضمائر الحية الذين لم يتقيدوا الا بقيود مقتضيات الضمائر الحية يجب عليهم اليوم بعد ان خرجوا مظفرين من معركة الاستقلال - ان يخوضوا معارك اخرى هى المقصودة بالذات من وراء كفاحهم الاول . وهى معارك " الرهان " فيها من باب " الخلق " ناهيك انها ترمى الى " اعادة الروح السليب " الى مجتمعاتها المهشمة من جميع النواحى المادية والخلقية والروحية لتهشم " الاعمدة الثلاثة " التى ينهض عليها كل مجتمع اعنى : مذهبها فى الحياة ، واسرتها ، ومدرستها !

وهنا تدرك خطورة هذه القضية التى تطرح علينا اليوم فى هذا المؤتمر : كيف تزكية العاطفة القومية او الروح القومى حتى يمكن لكل فرد ان يشارك مشاركة الضمير الحى - فى حياة المجتمع الجديد فتطرد وظائفه على اختلافها فى نطاق ما يتطلبه العصر الذرى من عزة الذات وضمان البقاء فى نطاق ما يتطلبه العصر الذرى من عزة الذات !

ولاصحاب الضمائر الجديدة فى الدول الجديدة تدرك - واعية فى ادراكها - ان هذه المعارك الجديدة التى يجب عليها خوضها - خوض الصدق ، والبصر بحقائق الامور ، والعزيمة الثابتة - معارك حياة او موت بالضبط والتمام !

ولما كانت القضية - مترامية الاطراف فلا بد لنا من حصرها فى بعض النقاط الجوهرية  هى هى النقاط التى تعتبرها الشروط الاساسية " لنجوم " عاطفة قومية سالمة شاملة بالدول الجديدة . . .

النقطة الاولى : الشعور الحاد العنيف من قبل القادة المسؤولين - بانهم ما تقلدوا مقاليد الامور الا ليقبلوا على عملية جراحية هائلة مرهقة لهم ارهاقها للمجتمع العليل الواجبة معالجته . وتتطلب منهم من الصدق ، ومن الخبرة الدقيقة بالمسائل اشكالا والوانا .

وهى عملية معقدة ما امكن التعقيد ومشحونة بالقضايا والمعطيات المتناقضة ، ويحف بها من الافخاخ والاخطار صنوف لا تحصى عدا . وهى عملية ترمى - على وجه الاجمال - : اولا الى ترميم المجتمع من جميع

النواحى المادية : الفلاحية ، والصناعية والفنية والتجارية والمالية حتى يمكن استغلال جميع الثروات الطبيعية وتحسين نظام المعيشة للعباد فى نطاق " القدر الادنى " الذى يتفق والعدالة الاجتماعية والحرمة البشرية

وهى ترمى ثانيا الى ما سميته " ترميم النفوس القديمة " حتى يمكن لها الانسجام بعض الشىء - مع مقتضيات العهد الجديد !

وهى ترمى ثالثا وبالخصوص - الى بناء نفوس النشء الجديد - جديد البناء - حتى يمكن استغلال " الثروات الانسانية " استغلالنا الثروات المادية اعنى الى اقصى الحدود

فنشر التعليم وتعميمة بين البنات والذكور على حد السواء من الشروط الاساسية بل قل الحيوية لا اكثر ولا اقل !

وكذلك نشر اصول حفظ الصحة وتعميمها بجميع انحاء المجتمع لانقاذ المجتمع من كل الامراض التى تفتك به فتكا ذريا .

وهو ميدان لا يمكن فيه الاكتفاء بمحدود الجهود او بمحدود العلاج : اما على سبيل الدعاية ، او على سبيل ذر الرماد فى العيون او على سبيل مجرد الاحسان - على نحو ما كان يجرى فى عهود الاستعمار . .

ولنلاحظ عرضا - ان هذا العلاج الشامل لشؤون الصحة له مفعول جبار فى علاج " معنويات " الافراد و " معنويات " الامة باسرها : ذلك انه ينقذ الضمائر من عبء وصمة العار والخجل امام فاحش المناظر وامام كل ما يثير فى النفوس الاشمئزاز والتقزز والقرف . . .

النقطة الثانية : الشعور الحاد العنيف من قبل القادة المسؤولين بان امكانيات المجتمع الجديد محدودة من الناحية المادية - اعنى المالية ، والفنية ومن الناحية الانسانية ، اعنى من حيث عدد " النخبة " - الحق ! - من ابناء المجتمع الجديد ممن حظوا بثقافة عصرية حق تمكنهم من الاضطلاع بالمهام الجديدة فى سبل ترميم المجتمع من الناحية المادية اولا ومن " ترميم النفوس القديمة " ثانيا ومن بناء العقول الجديدة ثالثا !

وهو شعور ثمرته ضرورة استغلال جميع الامكانيات الموجودة في نطاق " الاقتصاد الحكيم " وضرورة اجتناب كل تبذير ! ثمرته - بالخصوص - ضرورة معرفة ما يجب تقديم معالجته من الامور على غيره للفوز بأنجع النتائج

فى اقصر الآماد ! وفى هذا من المتناقضات اشكال سيما إذا ما اعتبرت " وزن " الاهداف المادية او الادبية المطلوبة لما بين " وزن القيم " و " وزن الشؤون المادية " من التغاير المدهش

النقطة الثالثة : الشعور الحاد العنيف من قبل القادة المسؤولين بضرورة تصفية حساب التراث العقلي الجماعى - وخاصة فى الميدان الديني - لانقاذه مما تراكم عليه من شتى الاوهام الظلامية اثناء عصور الانحطاط حتى يمكن الربط الوثيق بين الماضى الحى ومقتضيات العقلية العصرية لقطع دابر كل دماغوجيا وتوفير اسباب " الاخلاص الحى " للذات الحية المجددة واستئناف السير فى نطاق " وحدة الذات التاريخية " لا فى نطاق ما يعروها الان من ضروب التصدع من جراء ما لا يزال السواد الاعظم من الناس يشعرون به من شديد التناقض بين عقلية أمسنا - وهى عقلية ما زالت بيننا ! - وعقلية يومنا ! . . .

وهو هو الامر الذى جعله المفكر الاسلامى محمد اقبال - فخر الباكستان - برنامج حياته اذ عنى - بالجد الذى كان جده - بما سماه بحق " تجديد بناء التفكير الاسلامى " . وهو تجديد لا يمكن ان يتم الا على اساس محاسبة الضمير دقيق المحاسبة فى نطاق مضطرم الصدق : ولهذا العامل - ولهذا العامل وحده ! - احدثكم فى هذا الصراحة الغليظة المطلقة فى غير ما احتياط او حذر !

هذا من الناحية المذهبية الشاملة عامة ! اما من ناحية العاطفة القومية خاصة فلا بد لنا من الاعتناء - جدى الاعتناء ! - بتصفية حساب الانظار المتناقضة فيما بين " مفهوم الامة الاسلامية " على نحو فهم القدامى له - وما يروج الان من الانظار الغربية فى شان القومية وفى شان " الشعوبية " - فى معناها النبي اعنى الاممية

وهو مشكل ليس بالعسير حله على ضوء ما ذكرنا لك من الانظار سابقا عما يربط بين الكائنات افرادا وامما - من مختلف ضروب التضامن الحى المكين فى نطاق صفاء النظرة والاخلاص الحى للحقيقة البشرية - لا فى نطاق ظلمة العصبية ، وصراع المنافع والاطماع وضروب الهيمنة

ومما يزيد هذه القضية خطرا على خطر ان كان اكثر الناس " يحلمون " عند معالجتهم اياها . فلا يقيدهم في ذلك قيود الواقع ولا مقتضياته ونواميسه ولا صرامة الاحداث ولا صرامة المنطق

فلا هم يحتاجون ولا هم ينتبهون الى ان " تجسيم " الحلم قد يضطرهم الى قطع مفاوز ومراحل !

فبناء الامة الاسلامية بناء الوحدة ليس بالامر السهل فى نطاق ما ورثناه عن عهود افلاس الحقيقة وعن عهود الاستعمار من شتى الرسوم الدراسة ، والانقاض والاوضاع المادية والعقلية النخرة !

اليس يجب ان نقضى فترة من الزمن يمكن ان نسميها فترة معالجة الادواء على اختلافها - وتضميد الجروح وتعزيز اركان الذات على اختلافها ؟

السنا فى حاجة الى " نقاهة " قبل التفكير فى التوحيد ؟ اليس احسن ان نضم " وحدات " قومية سالمة بدلا من " وحدات " تشكو صنوفا من الالآم

ألسنا بذلك تجنب أنفسنا أشكالا من الانفجارات والخيبات المرة ، والعثرات التى قد تقضى على " الحلم " القضاء الحاسم النهائى

ومما يدل على خطورة القضية وعلى خطورة العقلية  - غير الواقعية - التى تعالجها فى غير ما انتباه لمتجدد الخيبات وفى غير ما اقامة وزن لكل الصعوبات الناجمة فى الطريق - انك لا تتعرض لذلك بالتلويح او بالتحلل من دون ان تلصق بك شتى التهم ! وما درى المتهمون ان " الدول العصرية ليست مجرد " القبائل " ذوات النظام القبلى البسيط ! وانما هى تنهض على " اجهزة " فنية ومادية وعقلية وانسانية من اعز طراز . وان بناءها مما يتطلب عقودا من الجهود الفنية المتواصلة ممن بقوا دهورا - وما زالوا - على ابشع احوال الانحطاط العقلي والمادى . وهل شاننا غير هذا الشان ؟

النقطة الرابعة : ان انقلابا عقليا على هذا الجانب العظيم من الخطورة رهانه اجل رهان : حياة او موت بالاضافة لملايين من البشر كافحوا تحت قيادة ابطالهم البررة جهم الكفاح لكسر ما كان يخنقهم من الجبرية القهارة : جبر الحكم الاجنبى فابلوا فى ذلك البلاء الحسن المظفر

افلا يجب على ابطالهم البررة ان يقودوهم الان لخوض غمار كفاح جديد اثقل وطاة فى سبيل تحريرهم من جبرية اقوى واعمق مدى واخطر مفعولا اعنى " الجبرية الباطنة " التى تنخر النفوس والهمم بشتى الخرافات والاوهام والاحلام المتبخرة على وهج جحيم الواقع ؟

وللقلة القليلة من اولئك الملايين تدرك - دقيق الادراك - انه يجب عليها ان تخوض معركة اضخم واثقل من معركة التحرر من الحكم الاجنبى

وهى معركة اسميها " معركة الثقة " نواميسها أدق وألطف وأصعب من نواميس المعارك المادية .

وهي - على الاطلاق - أعز الشروط التى تشترط لتزكية العاطفة القومية في صدق اضطرامها فى عموم مواطنى الدول الجديدة . ولا غرابة . فاقباسها اقباس الخلق فى انصع آياته ؟

فالهباء الساطع المثور من افراد الامم المتخلفة لم يكن " الهباء " الا لان لنفوس فقدت كل ثقة . وفقدت كل طمانينة بما قاسته من الويلات والخيبات الانكسارات - طيلة الدهور - تحت سطو الفقر ، وتحت سطو الجوع ، وتحت سطو العرى ، وتحت سطو الجور ، وتحت سطو الذلة والمهانة ! . .

وليس يمكن ان " تلتهب " فتصبح " نفوسا آدمية " لها نبل اندفاعات النفوس الآدمية ، ولها نخوة المغامرات الآدمية الا إذا ما ارجعت لها " الثقة : وارجعت لها " الطمانينة " وارجعت لها " الايمان " بطهر المقاصد وزكاة المشاريع من وراء عظيم العزائم الجماعية

ولبعض زعماء الشعوب المتخلفة - امثال المحاطما غاندى بالهند والحبيب بورقيبة بتونس - يعرفون جيد المعرفة ما وجب عليهم ان يدفعوه من باهظ الاثمان ، وما وجب عليهم ان يبذلوه من مرهق المجهودات ، وما وجب عليهم ان يتحملوه من من التضحيات قبل ان يفوزوا بتلك " الثقة الغالية " وباطمئنان الجماهير اليهم فامكن لهم ان يقودوها فى ضروب من الكفاح كانت تبدو لاحظ لها فى النجاح نظرا الى انهم تجرؤوا على أعز الدول الغربية سطوة وجبروتا

ومع ذلك فبمثل ما فازوا به من " الثقة " المطلقة من قبل جماهير كان ينخرها الوسواس وسوس الشك امكن لهم ان يفتحوا " سبل الامكان " امام ما كان يبدو مستحيلا !

وهنا تدرك الوزن الحقيقي الذي هو وزن العناصر الادبية . فهي هي التي ترجع للنفوس قوتها - وصمودها وثباتها وتفانيها وصولتها واصل جبروتها ! وهو جبروت يوهن الحديد ! واليه تطأطئ كل الرؤوس

امن العجيب بعد هذا ان نؤكد لك ان تزكية العاطفة القومية ، وترسخ قدمها فى النفوس وتوجيهها حتى تتحمل اعباء شتى المسؤوليات والواجبات والتضحيات على اختلافها ليس يمكن ان يتم ما لم يقدم قادة الدول الجديدة - الف دليل ودليلا على انهم اهل لمثل تلك الثقة . بما يظهرونه من الحرص على الاستقامة ، والنزاهة ، وطهر المقصد ، والغيرة على المصالح الاجتماعية لتوفير اسباب العدالة الاجتماعية . .

وانه ليكفى ان يخامر الناس فى ذلك ادنى شك ، فى ظرف من الظروف ، او فى لحظة من اللحظات - لتنفجر انفجارات تحطم فى ثوان مساعى عديد السنين .

وليس من شك عندى فى انه يمكن لك على ضوء هذه الاعتبارات ان ندرك حقيقة المعانى التى تلوح اليها الكتب المنزلة عند ما تؤكد انه يكفى أن يوجد فى أمة عشرة من " الرجال العادلين " لينقذوها مما تشكوه من صنوف الشرور ويبعثوها حية - سالمة حسا وخلقا ومعنى

وهو اصل اصيل مما سميته آنفا " اصول ترميم النفوس " ! ولك ان تضيف اليه صنوه القرآنى : ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم !

وليس يمكن - البتة - ان يغيروا ما بانفسهم الا فى نطاق الصدق والعدل والبصر بحقائق الامور !

النقطة الخامسة : بالرغم من ان ضيق المجال الزمني المخصص لدراسات المؤتمر يضطرنى اضطرارا الى الايجاز والى التلويح الى العناصر بدلا من التحليل فلا بد لنا من الوقوف امام عنصر خطير هو من اخطر العناصر الحرية بتزكية العاطفة القومية بالاقطار المتخلفة . . واعنى بذلك جنس الجو السياسى الذى يجب أن يكتنف تلك الاقطار اثناء فترة اعادة بنائها وبناء حقيقتها المادية والاجتماعية والانسانية

وليس من شك فى انكم انتبهتم الى ان هذا العنصر السياسى طالعكم مرارا اثناء هذا الحديث خلال تلك الشروط المرهقة التى اشترطها على القادة المسؤولين عن مصائر الدول الجديدة فكلفتهم بما كلفتهم به من ضروب الشعور الحاد العنيف بشتى المقضيات التى هى مقتضياتها الحاضرة ومقتضيات بعث شعوبها قوية سالمة !

وانما كان الامر كذلك نظرا لجنس الوظيفة التى هى وظيفتهم الحقيقية فى ميدان السياسة فى الفترة الحاضرة : فهم بناة ضمائر الافراد والجماعات قبل أن يكونوا بناة الهياكل المادية والاجتماعية ! أو قل انه يستحيل عليهم ان يبنوا تلك الهياكل المادية والاجتماعية ان لم يستعينوا على ذلك ببناء الضمائر الفردية والجماعية مثلما انه يستحيل عليهم بناء الضمائر الفردية والجماعية ان لم يستعينوا على ذلك ببناء تلك الهياكل المادية الاجتماعية . .

هذا فى عرف المنطق هو " الدور " !

الا ان اعادة بناء الامم المتخلفة رهن فوزهم بكسر هذا الدور ! والى جنب هذا الدور أدوار أخرى عديدة . ولذلك أكدنا أن قضايا الاقطار المتخلفة - وخاصة فى ميدان تزكية العاطفة القومية - مشحونة بالمتناقضات

ولست فى حاجة الى ان تكون " فيلسوفا سياسيا " لتدرك ان تدريب العقول على الاضطلاع باعباء شتى المسؤوليات التى هى مسؤوليات الحرية - وهى فى صعيد يناقض بالضبط والتمام ما تعوده ابناء الاقطار المتخلفة من الاتكال الكسول ، والذلة ، والتخاذل ، والجبن العقلي ، وظلمة الاهواء ، وفوضى المشاعر ، مما يقضى على المسؤولين ان يلازموا ضربا مرهقا من اليقظة والحزم والتفانى فى سبل الاهداف النبيلة التى يسعون وراءها . فلا انت ترخص لهم فى ان يذهلوا لحظة عن تلك الاهداف ولا انت ترخص لهم فى ان يذهلوا عن خصائص العقول التى يجب عليهم " تحوير اتجاهها " جوهرى النحوير حتى تضحى قادرة على الاضطلاع بجسيم المهام فى ميادين الخلق والانجاز . . .

ولئن كان - في العربية - تصريف الافعال المعتلة ادق من تصريف الافعال السالمة فكذلك فى الميدان الانسانى فان سياسة العقول المنحرفة اكد - بما لا يقاس - من سياسة العقول السالمة

وقد انتبه لذلك الجاحظ الكبير - فى القديم - حينما لاحظ انه ليس أكد على ذوى العقول من سياسة العوام . اليس معنى ذلك ان زعماء السياسة فى الاقطار المتخلفة يجب ان يعتبروا ان " العدة العقلية " الوحيدة التى يعول عليها انما هو عدة " الضمائر الحية " اليقظى البصيرة الخيرة . . هذه العدة هى " النور " الذى يجب ان يضئ كل اعمالهم وكل حركاتهم وكل اقوالهم ان كانوا يرغبون حقا فى بعث شعوبهم البعث المنشود

وليس يمكن ان يكون التوفيق الكامل نصيبهم ما لم يدركوا ان شانهم بالضبط شان المربى من الاجيال الفتية التى يريد تربيتها . . نظرا الى ان مجتمعاتنا ليست فى الحقيقة الا " مدارس هائلة " يجب تنظيم النشاط بها تنظيم نشاط العقول غير الراشدة سعيا وراء بلوغها الرشدا ولا تظنن اني أقول هذا لمجرد التشبيه او للمبالغة . فانى اومن - ارسخ الايمان - بانه اصدق تخصيص واوفاه للواقع . . . واليه تجب العودة بالاضافة لكل من رام تسطير معالم سياسة رشيدة فعالة ناجحة بالاقطار المتخلفة . ومنه يجب أن تشتق كل المبادىء والاصول التى هى مبادئ السياسة واصولها

وللخطران الجسيمات اللذان يجب اجتنابهما فى هذا الصعيد ينحصران فى اعتبار ان القهر او الاكراه او الاستبداد من الامور الضرورية او فى اعتبار ضرورة الانتصار للديمقراطية والعمل باساليبها . .

فمهما تكن غيرتك على الديمقراطية وعلى مبادئها وعلى وسائلها وعلى اساليبها فلا بد لك من الاعتراف بان شروطها من اعز الشروط . وما دامت هذه الشروط غير متوفرة فالالتجاء الى المبادىء الديمقراطية ليس يمكن ان ينتهى الا الى الدماغوجيا والفوضى . .

وبدهى انه ليس بالقهر ولا فى الفوضى يمكن لك ان توفر الاسباب الكفيلة بالانتهاء الى هذه الغاية النبيلة : ان تستشعر النفوس عزة الحرية !

واذا فلا بد لك من التسليم بان السياسة الوحيدة التى تضمن للاقطار المتخلفة البعث المنشود فى نطاق القرار المنشود - ولا يمكن ان يتم البعث الا فى نطاق القرار المنشود - انما هى سياسة حازمة ، يقظى عادلة ، تحرص الحرص كله على مراعاة نواميس تطور النفوس التطور الحي السالم . . ففي نطاق مثل هذا الجو السياسى - وفيه وحده - يمكن ان تزكى العاطفة القومية على اكمل وجه !

النقطة السادسة والاخيرة : اذ كنا بصدد استعراض الاصول العامة التى يجب الا نذهل عنها فى شان تزكية العاطفة القومية فليس يمكن لنا ان نتناسى أصلا أشد تواضعا فى الظاهر ، ولكنه لا يقل خطورة عن سائر الاصول . وهو اصل تربوى صرف وينحصر هذا الاصل فى ضرورة " تغذية " العاطفة القومية فى النفوس

الفتية بنصوص ادبية او شعرية او تاريخية او فلسفية متخيرة منتقاة تدرس فى المدارس وتدرج حسب درجات التعليم ولا اريدها نصوص وعظ وارشاد وانما اريدها نصوصا فنية جذابة تغرى النفوس اغراء الوحى والايحاء فى حياة الابطال وفى تضحياتهم المرة النبيلة وفى اضطلاعهم الجهم بجسيم الامور وعظيم العزائم كى يسعد غيرهم

ولا باس ان تكون دروس التاريخ تشير الى العبر من الاحداث الحاسمة التى كانت " منعرجات " بناء الذات فى آلامها ، وفى أفراحها وفى مجدها ، وفى انكسارها ، وفى دموعها ، وفى ابتساماتها . .

فمثل هذه الدروس اقوى بما لا يقاس من اى ضرب من ضروب الوعظ او الارشاد او الدعاية .

وليس بخاف ان موروث الوعظ وموروث الارشاد وحديث الدعاية تنتهى دائما الى عكس النتائج المطلوبة منها لما يحف بها من الضجر والسآمة وشك الوسواس وظلمة العصبية . . .

وليس يمكن ان اختم هذا الحديث المرهق بطوله بغير الشكر الصادق لنظمى هذا المؤتمر فى شان قضية حيوية كهذه القضية .

في هذا المؤتمر وفي مثل هذا الجو من النقاش الصادق النزيه يحلو للارادات الصادقة أن تجابه اعوص المشاكل مع وطيد الرجاء فى أن تساهم - بقدر الجهد - في سبيل توطيد اركان مستقبل ثابت ، قار ، لا تزعزعه النوائب والمحن لانه مستقبل الايمان الصامد والعمل الخصب فى نطاق التفاؤل العريض !

اشترك في نشرتنا البريدية