كثر التحدث عن الدعايات المغرضة التى قامت بها الأحزاب الصهيونية في الولايات المتحدة ، ضد تسلح الدولة العربية السعودية ، وعن اتفاقهما فى هذه الأيام الأخيرة ، حتى كان من آثارها ، حظر إرسال الدبابات الثمانية عشر المدفوع ثمنها ، ثم رفع الحظر بعد ما كادت تسوء الحال بين الدولتين ، مما هو معروف من قريب .
والذي أثار دهشتى فى هذا الحادث ما ذكره بعض الوافدين ، أن دعايات الأحزاب الصهيونية ، كانت تبدو فى ألوان شتى ، من مظاهرات فى الشوارع ، الى توزيع منشورات على الجماهير ، الى شراء ضمائر بعض الكاتبين ، الى اجتماعات متوالية بالزعماء السياسيين للتأثير عليهم .
وأغربها التنادى بأن الحكومة السعودية شعارها القرآن القائل " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم . . . "
ومفهوم أنهم يعلنون أن المقصود من عدو الله وعدوكم هم الأميركان كأن الأميركان هم مشركو العرب الذين كانوا وقت نزول الآية الكريمة . ونقضوا عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونابذوه القتال مرارا ، ومع كل ذلك ، نجد أن الله ، كما أمر رسوله باعداد العدد للإرهاب فى هذه الآية الكريمة ، أمره فى
الأيات التالية اذا التقى بهم فى معركة أن يخيفهم حتى يفروا ، رجاء أن يعودوا الى رشدهم فيؤمنوا بالمثل الانسانية العليا التى أوحاها الله : " الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة وهم لا يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون " .
وهم يتعمدون أن يحرفوا ترجمة الآية الكريمة ، لتبدو مخيفة مرعبة منفرة . . .
وقصدهم أن يخيفوا الأميركان ، من عواقب تسلح الحكومة العربية السعودية بالعدد الحديثة ، لتظل ضعيفة عزلاء يمكن القضاء عليها . متى أرادوا ..
ولو وجد من يفهم زعماء الساسة الأميركان ، بعض مافي الآية الكريمة
من مثالية ، تسمو بالتسلح الى مثله الأعلى ، وغايته الكريمة ، لفطنوا إلى الأراجيف التى تحاك حول تسلح الحكومة العربية السعودية .
والواقع أن الآية الكريمة تهذب غريزة الدفاع عن النفس ، وتعطى السلاح ، معنى السم الذى يضاف الى الأدوية ليكون وسيلة لحفظ الحياة لا للقضاء عليها ، ولاضاءة منائــر العدل لا لطمسها .
وتوفر الاسلحة الثقيلة الحديثة بيد الامة التي تؤمن بمثالية الآية ، أضمن للسلام العالمي ، وأخلق بكف التسلط والعدوان من سواها . .
ولو اتخذت الدول الكبرى بإيمان المثالية العملية التى جاءت بها الآية الكريمة من أجل الإعداد المتفوق وركزت عليها جميع القوانين الفرعية في مؤتمراتها ، ولو لم تصرفها عنها رعونة الذات الملوثة بتقاليد العصر الحجرى لساد التفاهم والسلام وعاش الجميع في رضا ، ما بعده رضا .
ولأجل بيان حقائق المثالية العليا في الآية الكريمة اذكر ما يلى :
١ - الاعداد المثالي :
كان الناس قبل نزول الآية الكريمة ، يتخذون كل اعداد متفوق . للعدوان والتسلط والاغتصاب وفرض السيطرة والقضاء على الحريات . لأنهم لم تكن لديهم مثل عليا مقدسة عامة تهيمن على أعمالهم ، وتوجهها الى العدل وتكبت غرائزهم . . فلما نزلت الآية فرضت أن يكون الاعداد المتفوق للذود عن حقوق المثل العليا المقدسة
وصيانتها من العبث والتداعي .
أجل انزل الله المثل العليا المقدسة على خاتم الرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وفي الوقت نفسه أنزل الآيات الفارضة مثالية الاعداد المتفوق : للذود عنها ، وكل دعوة الى نزع السلاح ، لا تتحقق الا في عوالم القصص ، ولو كان تحقيقها يمكن , مع بواعث الغرائز الانسانية ، لأمر الله به ، لأنه أعلم بالوضع الذى خلق عليه الانسان .
وواضح أن الوحى الآلهى أنزل ليسمو بالانسانية إلى المعنويات الراقية المهذبة التى تدخل فى امكانيات الانسان العملية .
هب أن دولة كبرى انسلخت من بواعث غرائزها الفطرية ، وأخذت تنزع سلاحها ، أو وقفت به عند الحد الذى انتهت عليه ، فهل فى استطاعة الدول الأخرى أمثالها أن توافقها عمليا ، هذا محال ، وخديعة الموافقة في الظاهر لا تقدم ولا تأخر في الوضع الراهن .
وهذا سبب اخفاق مؤتمرات نزع السلاح ، أو تحديده فى كل مرة ، بل الذى كان يلاحظه المراقبون السريون أن التسابق كان يزداد بزيادة اهتمام المؤتمرات المعقودة لهذا الغرض .
ومهما يكن الامر ، فلن يكون الإعداد مثاليا . الا اذا كان لوقاية المثل العليا المقدسة .
وكم من اعداد متفوق . لوقاية استعباد الشعوب الضعيفة . ولوقاية الدساتير الجائرة ، ولوقاية الشركات
الاستثمارية الظالمة . لأن المثل العليا محال أن تكون لحرية أمة وقوتها واسعادها دون أخرى ، لأنها مبنية على قوله عليه الصلاة والسلام : " الخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم اليه انفعهم لعياله " .
والواقع أن الآية الكريمة . هي المثل الأعلى فى فرض الإعداد المثالى ، فاذا لم تؤمن به الدول ذات الشأن ، فانها تكون حكمت على نفسها بالاعدام ، وكل ذلك بين فى الامر الالهى : " واعدوا لهم ما استطعتم . . . "
٢ - بذل الطاقة من أجل الاعداد :
بذل الطاقة من أجل الإعداد هو واجب استمرار الحياة ، وحفظها من الابادة والتسلط فاذا أنت لم تعط كل امكانياتك للاعداد المتفوق اعطاه إياها سواك ، وسلبك امكانياتك وأضافها إلى نفسه . وسوى ذلك , لن يكون ، ما دام الانسان هو ذا . . وما دامت الغرائز هى هذه . .
والاعداد لن يكون في استطاعته الوقاية . الا اذا قدمت له نهاية الأمكانيات وهذا واضح في الآية . : " واعدوا لهم ما استطعتم . . . "
٣ - الأساس القوة :
لن يكون التسلح مثاليا متفوقا يحقق المقصود ، الا اذا لم يرتبط بلون خاص من الأسلحة ، ولو كان المقصود اللون الخاص . لجاء ذكر الرماح والسيوف والمنجنيقات المتعارفة وقت نزول الآية .
وواضح لغة أن اطلاق القوة وتنكيرها فى الآية . لم يكن الالتشمل كل القوى المتجددة ، على مدى
الأجيال ، والقوى دائما فى تجدد . وهذا المعنى الكبير المتطور لمعنى القوة فى الآية هو من اعجاز القرأن المعنوى : " واعدوا لهم ما استطعتم من قوة . . "
٤ - القوى المعنوية الخالدة :
الاعداد المثالى كما يفرض بذل الطاقة فى إيجاد كل ما يدخل تحت لفظ قوة من العدد المتجددة ، يفرض أيضا الاحتفاظ بالقوى التى لا تتبدل ، كالقوة المعنوية فى نفوس الجند . وكالإخلاص للروح العسكرية . وكالطاعة للقيادة ، وكالتضحية للمثل العليا ، وهذا كله داخل في كلمة : " ومن رباط الخيل . . "
ولا ريب أن وجود كتائب الفرسان من ضرورات الاعداد المثالى الحديث . وتخصيصها بالذكر فى الآية من اعجاز القرأن ، فقد شاهدنا الحرب العالمية الثانية ، كيف استعان فيها الروس بكتائب الفرسان ، حين جمدت الآلات وتحجر البترول من شدة البرد وبذلك كسبوا الانتصار .
وما وجدت أبعد عن فهم الاعجاز المراد في الآية ، من الذين يخرجون بألفاظ القرآن عن مدلولاتها في لغة العرب ، الى مدلولات وهمية ما أنزل الله بها من سلطان .
خذ مثلا الذين فسروا رباط الخيل برباط القلوب ، ظنا منهم أن الخيل لم تعد صالحة للحروب الحديثة . ولو يـمكن أن يأتي جيل من الأجيال يستغني فيها عن الخيل لأهمل الله ذكرها فى الآية .
ومهما تطورت المخترعات الحربية ، على تداول الأجيال . فإن وجود الخيل
سيظل من الضرورات ألا ترى إذا أبادت قوى الذرة والهيدروجين الحضارة الحديثة وعددها الهائلة , فهل يبقى سوى الخيل ؟ ! على أن معاقل تدريب الجنود الفرسان منتشرة فى جيوش الدول الكبرى إلى اليوم .
هذه النمسا ما كادت تنتهى من الإحتلال الروسي في هذه الأيام ، حتى سارعت فافتتحت مدرسة الفروسية الحربية الأسبانية فى فيينا عاصمتها ، بعد إغلاقها مدة الاحتلال الروسى عشر سنوات . وتسميتها بالاسبانية نسبة إلى المدرسين الأسبان الذين اتقنوا شتي أنواع الفروسية من العرب . ونقلوها إليها بوساطة سلائل الخيول الأصائل ، التى كانت تصل الى أسبانيا من جزيرة العرب عن طريق شمال افريقيا خلال الفتح العربي الذى دام ثمانية قرون .
٥ - الحرب الباردة الإرهاب :
من طبيعة تنازع الحياة الخُــلف حول المسائل المتنازع عليها ، وأصعب شئ على النفس أن ترضخ للحق . إذا لم يكن في جانب مصلحتها . ولن ترضخ إذا لم يكن ما ترهبه ، ولن يكون إرهاب بغير قوة متفوقة ، والإرهاب أكبر أنواع الحرب الباردة .
والآية الكريمة انتقلت بالاعداد من الحرب الحامية الى الحرب الباردة . الا لدى الضرورة . ولن يتم الانتصار على مظالم الناس وطغيانهم بالارهاب فى الحرب الباردة . الا إذا كان الاعداد المسلح متفوقا .
ومؤكد أن الاعداد المتفوق ينتج
الارهاب ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينتصر بالرعب من مسيرة شهر . . ولا يستعمل العدد الحربية إلا إذا استحال كف عدوان المعتدين بدونها . . والمقصود من ذلك الرعب هو حل المشاكل بدون حرب مبيدة . . ومن أجل ذلك ما كان يبدأ أحدا فى قتال . حتى يكون هو المبتدئ . وقد قال سيدنا على كرم الله وجهه : " البادى في القتال باغ . وعلى الباغي تدور الدوائر " . .
إذن فقصد الإرهاب من الاعداد المتفوق مثالية انسانية سامية ، ترفع كوارث الحرب عن البشر ، وهذا عين ما تلفيه فى الآية الكريمة : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به . . "
٦ - الانسانية رحم :
وحي الله يعلن أن الانسانية رحم : " يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، إن الله كان عليكم رقيبا . . "
إذن فالرحم أصيلة بين الناس ، وليس بين فرد وفرد . وجماعة وجماعة من عداوة فطرية . وإنما العداوة طارئة بسبب فساد العقيدة والمظالم والأطماع ، والحسد . ولئن كان من الحق عداوة الظالم لمظلومه . فان من الباطل عداوة الظالم لمظلومه .
والانسان الكامل . لا يعادى من أجل نفسه . وإنما يعادى من يعادى المثل العليا التى أوحاها الله لإسعاد
الجميع ، واستقامة أمر الجميع .
هذا عمر بن الخطاب يطلب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عقب معركة أحد ، أن يدعو على قومه ، الذين فتكوا بصحبه ، وشجوا وجهه وكسروا رباعيته ، فيرفع يديه ، ولكن لا ليدعو عليهم بل ليدعو لهم بقوله : " اللهم اغفر لقومي ، فانهم لا يعلمون " .
فهل بعد هذه الشفقة شفقة ؟ ! والله يقول فيها : " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، إن الله عليم بما يصنعون " .
والمسلمون على قدم الأسوة الاعظم ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . لا يحملون من عداوة لأحد ، ولكن لديهم مثل عليا أوحاها الله لخير الإنسانية جمعاء ، فمن عاداها ، فهم أعداؤه ومن أحبها فهم أحبابه ، إذن فالذين يعادون الله أى يعادون مثل وحيه العليا المشتملة على نجاتهم وسعادتهم وهداهم . هم أعداء المسلمين .
وهذا هو العداء المثالي الكريم المفعم بالإشفاق والحسرة والأعداء المثاليون كمثل الأطباء الذين يحملون الدواء الشافى للمرضى . والمرضى لا يكفون على كراهيتهم ، والكيد لهم ، وإعداد العدد للفتك بهم . فكراهيتهم لهم حماقة ، وتحاملهم عليهم ظلم ، وتربصهم بهم طغيان .
من أجل ذلك أضاف الله عداوتهم اليه ، قبل أن يضيفها للمسلمين .
فالآية إعلان من الله عز وجل بأن المسلمين ، لا يعادون أحدا إلا لإفادته ورجاء إسعاده . . ومثل هذا العداء المثالى الكريم محال أن ينتج العدوان والطغيان والظلم والاستعباد ، مهما تراكمت العدد لدى أهله .
ويكفي المسلمين شرفا وانسانية وسموا أن ليس لهم من عدو سوى عدو الله ، وهل يكون عدو لله . وفى قلبه مثقال ذرة من خير . .
" واعدوا لهم ما استطعتم من قوة . ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم . . ."
هذا بعض ما قبسته من ينبوع الآية الكريمة المتدفق ، ليعلم الاميركيون أن تسليح الحكومة العربية السعودية بالعدد الحديثة ، لا يضرهم أبدا ، بل ينصفهم لدى الشدائد فالعرب أوفياء ، وما خانوا قط من عاهدوه . والتاريخ أكبر شاهد ، فكسب صداقتهم ذخر ، والعمل على اضاعتها خسارة لا تعوض ، ولايجهل أحد أن لهم وزنهم في الحروب وأبواب الصداقات مفتوحة أمامهم على مصراعيها ، فلا تضطروهم على ولوجها . وانظروا ماذا تعملون .

