لقد ذكرت مرة فى باب الحديث عن اللغة العربية (*) حاجتنا الى قاموس يضبط تطور معانى الكلمات العربية واكدت مدى الغنم الذى يمكن ان يظفر به الدارس للغتنا عندما ينظر الى حركية اللغة من خلال تدرج الالفاظ من مفهوم الى مفهوم وتقلبها من مدلول الى آخر . وإن هذا لا يفيد الاختصاصى فقط بل يجعل كل ناطق بهذه اللغة يعتقد امكانية ترقيتها والتقدم بها ويؤمن بمدى تأثير اهلها فيها بحكم ظروف عيشهم وتطور الحضارة عندهم ، وقد سرنى أخيرا أن سمعت بأن المستشرق بلاشير منهمك فى إعداد هذا القاموس .
واذا كان هذا العمل له أهميته فان عملا آخر لا يقل خطورة عنه ينتظرنا وهو ضبط تطور الجملة العربية من حيث الاسلوب والشكل عند الكتاب الخلاقين خلال العصور المتعاقبة . ولست أعنى هنا ما تعارف عليه الأدباء والباحثون سواء المستشرقون أو العرب من بعض الاشارات والتلميحات التى لا تفي بالحاجة وتبقى مبهمة غامضة ، مستنجدة تارة بنحو الجملة كما ضبطه العرب من قديم أو مخلدة الى تصور لعلم اللغة قد أخني عليه الدهر ، بل الذي أعنيه هو اخضاع الجملة العربية فى أطوارها المتعددة سواء النثرية منها أو الشعرية الى احدث نظريات العلوم اللسانية ( Linguistique ) وخاصة علم الاساليب Stylistique .
لقد كفانا ترديدا لما قاله الدارسون فى النصف الاول من هذا القرن من أن الجملة العربية وقع تطعيمها وتقدمت نحو النثر المبسط مع الكتاب المولدين وخاصة منهم الفرس مثل عبد الحميد الكاتب وابن المقفع كما أنها لانت وزادت روعة فى عالم الشعر وفجرت الاوزان القديمة محتفظة بروح الشعر العربي مع
بشار وابى نواس ، إن ذلك أصبح لا يغنى من جوع فى عصر خضعت فيه اللغة الى التجارب فى المخابر كما خضعت كل مظاهر الحياة الى الآلات الالكترونية والمقاييس التى يعجز الحدس البشرى والاستنباط العقلي عن ضبطها .
إن الذى يهمنا اليوم هو كيف تطورت هذه الجملة وما هى عناصرها في كل طور من أطوارها وماذا زاد كل كاتب فى تراكيبها وما هى إيقاعاتها المستحدثة ونبراتها المستجدة وأنواع التطعيم الطارئة عليها الآتية من روافد اجنبية مختلفة ؟
وهذا العمل وإن كان يبدو من قبيل الاختصاص فانه فى الواقع صالح لأن يبرر مدى حركيه هذه اللغة والاتجاه الذى يمكن لأهلها ان يتوخوه فى سبيل ترقيتها دون ان يخرجوا عن عبقريتها وان يمسخوها مسخا .
كيف يمكن ابراز تطور الجملة العربية فى نثر عبد الحميد الكاتب وابن المقفع وفي شعر بشار وأبى نواس والحال ان اسلوبهم وتراكيب جملهم بقيت تخضع الى النحو العربى والى عبقرية اللغة العربية وإن أقصى ما يمكن أن يحس به الدارس هو مجرد الاحساس بالجديد فى هذا الادب . وهو ما أشار اليه العسكرى عندما ذكر أن عبد الحميد الكاتب " استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسي فحولها الى اللسان العربي " (1) وما أثبته شوقي ضيف بشئ من التفصيل لا يغنى شيئا فى كتابه الفن ومذاهبه فى النثر العربى عندما قال : " وخصائص عبد الحميد جميعها واضحة ... فيها لازمة الحال وفيها جودة التقسيم ودقة المنطق وفيها الطباق ومقابلاته والصور وألوانها وخاصة لون الاستعارة ، وفيها الازدواج والترادف الموسيقى الذي يتيح لعباراته فنونا مختلفة من الايقاعات والموازنات الصوتية " .
ولكن أية لغة فارسية هذه وأى طور من أطوارها يعنى ؟ هل هى اللغة الفارسية القديمة المندثرة أو لغة الزند التى تطورت فيما بعد الى الفهارية أو لغة الفردوسى أصل الفارسية الحديثة . وكلها لها خصائصها ومميزاتها وهى من أصل هند أوروبي واللغة العربية من فرع سامي . وكلا الفرعين لا يلتقيان إلا فى القليل النادر . ذلك أن الفارسية فى أطوارها المختلفة لم تتغير فى جوهرها
إد بقيت في هيكلها آرية ولم يبدل منها العنصر الأجنبي لا أشكالها ولا نحوها وهو ترجمان الشخصية اللغوية .
فكيف امكن لهذه اللغة أن تؤثر في العربية والحال أن لغتنا بقيت أيضا فى نحوها عند عبد الحميد الكاتب وابن المقفع وعند بشار وأبى نواس هى هى بينما يقول بلات فى دائرة المعارف الاسلامية : " يجب ألا ننسى أن تعريب كيليلة ودمنة يمكن أن يعد أول صرح للنثر البسيط وأن الأدب ( الكبير والصغير) الذي يمثل أساس الأدب الوضعى النثرى هو حصيلة التأثير الايرانى" .
ولكن هذه الحقائق التى أصبحت بديهية يرددها الباحث بعد الباحث والتى لا يمكن أن يشك في صحتها أحد عندما يقارن بين نثر عبد الحميد وابن المقفع ونثر من قبلهما وبين شعر بشار وأبى نواس ومن سبقهما هل أتى ما يدعمها بصفة موضوعية علمية ؟
لا أظن ، لأن غاية ما أكده الباحثون وبينوه فى إسهاب إنما هى الثروة الفكرية التى أتت عن طريق المولدين من حيث المعانى والاتجاهات الفكرية ولكنهم لم يحددوا بالضبط تأثير اللغة الفارسية فى الجملة العربية المولدة .
وهذا يستدعي ضبط خصائص اللغة الفارسية التى كان يحذقها هؤلاء المولدون ومقارنتها باللغة التى كتبوا بها مع حصر الفوارق الموجودة بين نثر المولدين وشعرهم وإنتاج من سبقهم . وبطبيعة الحال فان عملا مثل هذا يستدعي جهودا جامعية متعددة عارفة بالعلوم اللسانية الحديثة ولها مخابر تحت تصرفها .
ولكن في إنتظار هذا العمل الجبار يمكن أن نكتفى بالافتراضات ونتساءل معا عن الروافد التى أمكن لهؤلاء المولدين من أصل فارسي أن يطعموا بها العربية ونقول أن اللغة الفارسية المعنية من فرع هند أوروبي ولابد أن يكون عبد الحميد الكاتب وابن المقفع قد تأثرا بخصائصها وغيرا شيئا ما هيكل الجملة العربية السامية الاصل بالانطلاق من لغتهما الأم .
هل غير ابن المقفع من الناحية الصوتية الجملة العربية أى هل أحال طغيان الحروف الصامتة على الحركات وهي سمة من سمات اللغة العربية ؟ إن هذا لم يقدر عليه لا ابن المقفع ولا غيره لأنه يكاد يكون الهيكل العظمى للغة الضاد بينما الحركات هي اللحم والدم ؟
وهل أشاع فى الجملة العربية التركيب المزجى المعروف فى اللغات الاخرى الهند أوروبية ؟ لا نجد اثرا لذلك .
وهل خرج بالزمان عن صوره البسيطة الموضوعية الى صيغ فيها ألوان من تصور الماضى والحاضر والمستقبل ؟ نعم . إن من يتتبع استعمال ابن المقفع للافعال وما يحملها من مدلولات الزمان وأصباغه وما يبعثه فى المصادر وصيغ الحال من رائحة الزمان وما توحى به أجزاء الجملة من تصرف دقيق ذاتي في تلوين الزمن يعتقد أن هذا الكاتب تصرف فى الجملة العربية تصرفا جديدا .
لنأخذ هذا المثال البسيط : " وأما ما يتخوف المتخوفون من نزواتهم ، فلعمرى لئن اخذوا بالحق - ولم يؤخذوا به - إنهم لخلقاء الا تكون لهم نزوات و نزقات " ولنحلل الناحية الزمانية فيه . إننا نجد تأرجحا بين الماضي والمستقبل وتموجا مقصودا فى الزمن يعطي للفكرة نفسها نوعا من الدقة والنفاذ والعمق . فهو يتحدث عن أهل الشام ويصل الى الحديث عما يتخوف الناس منهم ويقول وأما ما يتخوف المتخوفون من نزواتهم وهو يشير الى الحال الممكن ثم يتحول فجأة الى الماضى المفترض ( لئن أخذوا ) لينفيه فى الماضى القطعى ( ولم يؤخذوا به ) ويصل فى آخر الامر الى نفى الحال ( ألا تكون لهم نزوات ) .
بهذا المثال يمكن القول بأن الزمن تحول من أوقات ومظاهر للافعال الى المدة بأتم معنى الكلمة والى الحالات الزمنية المضبوطة التى يحياها ويعيشها الكاتب ذاتيا وليست مجرد ذرات زمنية . وهذا نجده بليغا عند ابن المقفع ، ورغم ذلك فان الزمن يبقى متعلقا بالجملة لا بالافعال فى حد ذاتها وإلا فان العربية يلحقها عند ذلك الضيم .
غير أن الذى يمتاز به ابن المقفع عن غيره من الكتاب الذين سبقوه هو هذا التصرف فى تركيب الجملة . إذ حولها من مجرد جمل معطوفة بسيطة الى جمل مركبة متشعبة تكاد لا تنتهى . ولعل هذا الذى لفت الانظار اليه اكثر من غيره . فجملة مثل هذه : " إن فى أهل العراق يا امير المؤمنين من الفقة والعفاف والألباب والألسنة شيئا لا يكاد يشك انه ليس فى جمع من سواهم من أهل القبلة مثله ولا مثل نصفه" تحتوى على ست جمل متراكبة متماسكة لا يمكن فصل بعضها عن بعض وهو من الدليل النادر فى النصوص العربية القديمة إلا فى المنتحلة منها . وهذه الجملة هي أقل الجمل تعقيدا إذ يمكن إيراد أمثلة أخرى تطول فيها الجملة أكثر مما ذكرت .
وإن المقام لا يدعو الى الدخول فى جزئيات فنية وارهاق القارىء بأمثلة يقع تقسيمها وبيان خصائصها إذ أن ذلك يوجب الاعتماد على نماذج عديدة من جمله ابن المقفع توضع على محك العلوم اللسانية العصرية وتحدد من خلالها مع مقارنتها بأمثلة أخرى وعند ذلك نستشف من وراء هذه التغيرات تأثيرات اللغة الفارسية التى تغذى بلبانها ابن المقفع وطبع بخصائصها ومميزاتها .
وليس من الغريب بعد كل هذا أن تزخر جملة ابن المقفع بمختلف المعاني وتتلون بعديد الاصباغ نظرا لسعة ثقافته التى لم تقتصر على التراث العربي ولقدرته البالغة على التصرف في العبارات واحلالها نظاما تتمثل فيه الطرافة والجدة والتحرر الكامل من القوالب القديمة .
وخلاصة القول فان دراسة الجملة العربية عند المولدين بالاستناد الى ما جد فى العلوم اللسانية أمر يحتمه واقعنا إذ به نتمكن من معرفة الطرق التى تمكن هؤلاء بواسطتها من أن ينهضوا بالعربية فى ذلك العصر وبه تتعرف الى السبل التى يمكن ان نسلكها لترقية لغتنا والتقدم بها حتى تواكب العصر وتقدر على التعبير عن أسراره ومستحدثاته العلمية واتجاهاته الفكرية المنسجمة معه .

