الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

تطور العقيدة عند أهل السنة

Share

العقيدة الاسلامية كما تبدو واضحة فى القرآن الكريم غير معقدة ، تتلخص فى الايمان بالله وحده لا شريك له . والايمان برسله وملائكته وقضاء الله وقدره ، ويوم البعث الذى يجازى الله فيه عباده عن اعمالهم بدون أن يظلموا شيئا .

والرسول عليه السلام لم يأمر الناس بأكثر من ان يعتقدوا بما جاء فى القرآن . وحرمت الشريعة الاسلامية الجدل فى الدين ، والكيف ، والجهة وأنه تعالى كما وصف نفسه ، سميع ، عليم ، بصير ، متكلم ، الى آخر الصفات الكمالية المذكورة فى القرآن .

وبقى المسلمون يعتقدون بدون أن يجادلوا ويسلمون كما امروا . حتى جاء القرن الثاني ، قرن المدارس الكلامية والفقهية وترجمة التراث اليونانى وتأثر العلماء به فى بعض آرائهم . ثم وجود احزاب سياسية وصبغها بصغة دينية ثم الدعاء اليها ، الامر الذى دعا علماء الحديث أن يتركوا كل حديث جاءهم من صاحب هوى أو نحلة كما كانوا يسمون .

ففي البصرة ملتقى الاجناس الشرقية الداخلة فى الاسلام ، نشأت فكرة كان لها خطرها فى تاريخ الفكر الاسلامى ، الا وهي فكرة الاعتزال ، الذى اختلف فى شرحها مسلمون ومستشرقون . لكن الظاهر والاقرب هو ما يتبادر منها للذهن أولا ، وهو : الابتعاد . اى ابتعاد أبى حذيفة واصل بن عطاء عن حلقة استاذه الحسن البصرى ، والتفاف بعض من كان على رأيه حوله . هذا هو الاقرب فى تسميتهم ولمزهم ( بالمعتزلة ) . الا ان هؤلاء الاول ، لم يذهبوا بعيدا فى آرائهم عن أهل السنة ، اللهم الا في اثبات الواسطة أو المنزلة بين المنزلتين ، كما انهم لم يجدوا لارائهم انصارا ذوى خطر يذكر ، وان كان قد انضم لهم بعض الزهاد العباد كعمرو بن عبيد الذى قال فيه الخليفة أبو جعفر :

كلكم يمشى روييد         كلكم طالب صيد         غير عمرو بن عبيد

كذلك نجد اثارا لمقاومة آرائهم الاولى فى كتب الادب ، من ذلك ما روى عن هجاء بشار لواصل بعد ان كان مدحه لفصاحته وبلاغته الخطابية التى لا نظير لها .

وقام مرتجلا تغلى بداهته       كمرجل القين لما حف باللهب

ثم هجاه ووصفه بعنق الزرافة ، والقصة فى كتب الادب فمن شاء فليطالعها .

وبمجيء المأمون تعززت مدرسة الاعتزال بانتسابه اليها ، وقويت شوكة المعتزلة وظهر خطرهم في المشرق والمغرب وحمل الناس لا سيما العلماء منهم على قال المأمون وأخويه المعتصم والواثق من بعده : الا وهى القول بخلق القرآن ، وانكار الصفات والقول بالحسن والقبح المعنويين ، وخلق العباد لافعالهم ، وايجاب العدل على الله الى آخر أقوالهم

فكان من علماء السنة فى هذا العهد ، ان اقتصروا على الوعظ الخفى ومقاومة آراء الاعتزال التى تبنتها الدولة مقاومة سلبية ، تارة بالمناقشة وأخرى يتحمل الاذى من سجن وقتل دون أن يشهروا على الخلفاء أو الولاة الذين حملوا علماء ولاياتهم على أن يعتقدوا ما اعتقده الخليفة وباذن منهم وعلى رأس هؤلاء المقاومين السلبيين الامام أحمد بن حنبل

وجاء نصير السنة المتوكل كرد فعل لما صدر من اسلافه خلفاء الاعتزال ، فكان الرد عنيفا عند أهل السنة الا انه رد لم يتجاوز الميدان العلمي المنطقى وكان أهل السنة بموقفهم هذا أنبل وأكرم من هؤلاء الذين يحملون الناس على أن يعتقدوا بالسوط والسيف وأعنى بهم المعتزلة .

اذاك استقرت المذاهب السنية ، فكان الحنفى قد غلب على العراق يزاحمه فى البصرة المالكى والحنبلى فى بغداد . والتف حول الشافعى انصاره فى مصر وتوضحت المذاهب ، فكان لابد لهم من تقنين العقيدة التى كانت تتطور بتطور فكرة الاعتزال . فكان كلما قال المعتزلة بقول ، الا وناقضهم أهل السنة حتى اذا اكتملت مدرسة الاعتزال وقالت كل ما عندها أن تقوله اكتملت فكرة العقيدة السنية وصارت كقانون لاهل السنة يدينون الله بها . واول عقيدة وصلتنا هي عقيدة الامام الشافعي مروية عنه بالاسناد كما رواها ابن الاهدل وهى هذه :

قال : هذه وصية الامام ابى عبد الله محمد بن ادريس الشافعى رضى الله عنه . اوصى انه يشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له ، وان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم . وان صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين . وان الله يبعث من فى القبور . وان الجنة حق وان الله يجزى العباد باعمالهم . عليه أحيا وعليه أموت ، وعليه ابعث ان شاء الله . واشهد ان الايمان قول وعمل ومعرفة بالقلب يزيد وينقص ، وان القرآن كلام الله غير مخلوق . وان الله عز وجل يرى فى الاخرة ينظر اليه المؤمنون عيانا جهارا ، ويسمعون كلامه . وانه فوق عرشه ، وان القدر خيره وشره من الله عز وجل لا يكون الا ما اراده تعالى وقدره وقضاه . وان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الامة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنها أجمعين . أتولاهم واستغفر لهم ولاهل الجمل وصفين والقاتلين والمقتولين .

وجميع اصحاب النبى ء صلى الله عليه وسلم ، والسمع والطاعة لاولى الامر ما داموا يصلون . والولاة لا يخرج عليهم بالسيف ، والخلافة فى قريش . وان قليل ما اسكر فكثيره خمر .

والمتعة حرام . واوصى بتقوى الله عز وجل . ولزوم السنة والاثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه . وترك البدع والاهواء واجتنابها فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وأنتم مسلمون . فانها وصية للاولين والآخرين . وانه من يتق الله يجعل له مخرجا ويررزقه من حيث لا يحتسب فاتقوا الله ما استطعتم . وعليكم بالجمعة والجماعة ولزوم السنة والايمان والتفقه فى الدين . من حضرنى منكم فليلقننى قول لا اله الا الله لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم . وتعاهدوا الاظفار والشارب قبل الوفاة ان شاء الله تعالى . واذا حضرت وفاتى وكانت عندى حائض فلتقم . وتطيبوا وتدخنوا حول فراشى .

هذه عقيدة الامام الشافعي رضي الله عنه . وهى كما تبدو فيها من آرائه ومن آراء شيخه الامام مالك بن أنس . فقوله : والولاة لا يخرج عليهم بالسيف هو قول مالك فيما رواه عياض عن بعضهم أنه سمع مالكا والليث بن سعد يقولان : سلطان جائر سبعين سنة خير من امة سائبة من نهار أكثر بكثير مما يحصل لان ما يحصل للامة اذا كانت سائبة ساعة من نهار أكثر بكثير مما يحصل لها من خسارة فى الارواح والارزاق اذا كان لها سلطان جائر ، ولو بقي على جوره سبعين سنة . وهو رأى تبناه أصحاب العقيدة الاشعرية وصار من قوانينها . كذلك قوله : الخلافة في قريش فهو قول أهل المدينة . وقول مالك أن ما اسكر كثيره فقليله حرام ، والمتعة حرام عند مالك خلافا لابى حنيفة . وكراهية مالك لاصحاب الاهواء والبدع وهو قول الشافعي وباقى الايمة . ولكن الشافعى يخالف شيخه مالك بن أنس في قوله : الايمان يزيد . وسكت عن النقص وحجة مالك في ذلك هو قوله تعالى : ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم . وليس هناك من نص يعبر عن النقص ، فقاس الشافعى النقص على الزيادة ، وقال بانه يزيد وينقص . والدعاء لاهل الجمل وصفين والاستغفار لهم فهو رد على الشيعة الذين يكفرونهم وكذلك الخوارج . وابو حنيفة ومالك يريان الاستغفار لهم والتوقف فيما شجر بينهم وقال الشافعى بقالتهم . وقوله ان القرآن كلام الله غير مخلوق هو رأى الايمة الاربعة الذى ضرب فيه الامام أحمد بن حنبل وهو هنا رد على المعتزلة . كذلك قوله فى مسألة الرؤيا والاستواء والقضاء والقدر فهو من جهة رد على المعتزلة ومن اخرى رد على الجهمية القائلين بانه فى كل مكان ( 1 ) ورأى الشافعى هنا ، الاقرب ان يكون لاحمد بن حنبل كما هو واضح فى رسالته فى الرد على الجهمية .

ومن أقدم العقائد السلفية ، عقيدة أبى حنيفة النعمان الذي رواها له أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الازدى الطحاوى ( 2 ) احد ايمة الحنفية وهي : هذا بيان ذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبى حنيفة النعمان بن ثابت الكوفى وأبى يوسف يعقوب بن ابراهيم الانصارى وابى عبد الله محمد بن الحسن الشيبانى رضى الله عنهم اجمعين وما يعتقدون من اصول الدين ويدينون به رب العالمين . نقول فى توحيد الله تعالى معتقدين بتوفيق الله : ان الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له ، ولا شئ مثله ، ولا شىء يعجزه ، ولا اله غيره . قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء ، لا يفنى ولا يبيد ، ولا يكون الا ما يريد . لا تبلغه الاوهام ، ولا تدركه الافهام ، ولا يشبهه الانام . خالق بلا حاجة . رازق بلا مؤونة . مميت بلا مخافة باعث بلا مشقة ، ما زال بصفاته أزليا ، كذلك لا يزال عليها ابديا ليس منذ خلق الخلق استفاد الخالق ، ولا باحداثه البرية استفاد اسم البارى له معنى الربوبية ولا مربوب . ومعنى الخالقية ولا مخلوق . وكما انه احيا الموتى بعد اماتتهم ، استحق هذا الاسم قبل احيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل انشائهم . ذلك بانه على كل شئ قدير ، وكل شئ اليه فقير وكل أمر عليه يسير ، لا يحتاج الى شئ ليس كمثله شئ وهو السميع البصير . خلق الخلق بعلمه ، وقدر لهم اقدارا وضرب لهم آجالا لم يخف عليه شىء قبل أن يخلقهم وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته وكل شئ يجرى بقدرته . ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد الا ما شاء لهم . ( ردا على المعتزلة ) فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . يهدى من يشاء ويعصم ويعافى فضلا ، ويضل من يشاء ويخذل ، ويبتلى عدلا وكلهم يتقلبون في مشيئته وعدله ، لا راد لقضائه ، ولا مانع لعطائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا غالب لامره . امنا بذلك كله وايقنا ان كلا من عنده . وان محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى وانه خاتم الانبياء وامام الاتقياء ، المبعوث بالحق والهدى صلى الله عليه وسلم . . . ثم يعدد قوانين العقيدة فصلا ، فصلا . فيقول : ان القرآن كلام الله غير مخلوق ، وان من قال عكس ذلك فقد شبه كلام الخالق بكلام المخلوق . ومن قال انه كلام البشر . فقد كفر . وقد ذمه الله تعالى وعابه وأوعده عذابه حيث قال : سأصلية سقر . ثم ان الرؤية لاهل الجنة حق ( ردا على المعتزلة فى نفيهم الرؤية ) . والمعراج حق ، وقد اسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة الى السماء ثم الى حيث ما شاء الله من العلى .

وان الحوض حق الذى أكرمه الله به غياثا لامته . والشفاعة التى ادخرها لهم حق . والميثاق الذى أخذه الله تعالى

من آدم عليه السلام وذريته حق . وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة والنار جملة واحدة ، فلا يزاد في ذلك العدد و لا ينقص منه شئ . وكذلك افعالهم فيما علم منهم أن أن يفعلوا ، وكل ميسر لما خلق له ، وصائر لما خلق له . والاعمال بالخواتم . والسعيد من سعد بقضاء الله تعالى ، والشقى من شقي بقضاء الله تعالى . وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ، ولا نبىء مرسل ، والتعمق والنظر فى ذلك ذريعة الخذلان ، وسلم الحرمان ودرجة الطغيان ، فانحدر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة . ( وهذا أيضا من أعنف الردود على المعتزلة فى قولهم بأعمال العقل فى العقيدة وتحسين ما حسنه العقل وتقبيح ما قبحه ) ويستمر الطحاوى فى الرد عليهم قائلا أن من استعمل العقل فقد رد حكم الكتاب . ( وهو رأى ابن المقفع في التشريع ( 3 ) أن من شرع بعقله فلا دين له . ) وأن الايمان يثبت بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود . أى اعمال العقل طلب لعلم مفقود ، لا يصل اليه الانسان مهما اجهد نفسه ويقول الطحاوى عن طالب هذا العلم المفقود بانه كافر  .

فصل اللوح والقلم : يقول فيه الطحاوى ( ملخصا ) نؤمن بجميع ما فى اللوح قد رقم ، وأن لو اجتمع الخلق على أن يجعلوا شيئا غير كائن وهو كائن فى اللوح لم يقدروا عليه .

والعرش ، حق والكرسي حق كما بينه سبحانه وتعالى فى كتابه ، وهو جل تعالى مستغن عن العرش فما دونه ، وقد اعجز عن الاحاطة خلقه .

الايمان بالانبياء والملائكة والكتب - نقول : ان الله تبارك وتعالى اتخذ ابراهيم خليلا وكلم موسى تكليما ، ايمانا وتصديقا وتسليما . ونؤمن بالملائكة والنبين والكتب المنزلة على المرسلين ، ونشهد انهم كانوا على الحق المبين . ونسمى أهل قبلتنا مسلمين ، ما داموا بما جاء به النبيء معترفين . ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب لم يستحله ، ولا نقول لا يضر مع الايمان ذنب ( رد على المرجئة والجهمية ) ونستغفر للمسيئين من المسلمين ولا يخرج العبد من الايمان الا بجحود ما ادخله فيه . وأهل الكبائر لا يخلدون فى النار اذا ماتوا وهم موحدون .

ونرى الصلاة خلق كل بر وفاجر من أهل القبلة ( 4 ) . ونصلى على من مات منهم . ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا . ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ، ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شئ من ذلك

ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الا على من وجب عليه السيف ، ولا الخروج على أيمتنا ( وهو رأى مالك كما تقدم )

وندعو لهم بالصلاح والمعافاة . ونتجنب الشذوذ والخلاف والفرقة . . . ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أولا لابي بكر رضي الله عنه ، تفضلا له وتكر بما وتقديما على جميع الامة ثم لعمر بن الخطاب رضى الله عنه ثم لعثمان ( ردا على الزيدية والامامية فى الاولين وعلى الخوارج فى الاخرين ) ثم لعلى رضي الله عنهما . والعقيدة طويلة ، هذا أهم ما فيها ملخصا . ومن هنا يتضح أن تقنين العقيدة كان قد سبق أبا الحسن الاشعرى رافع لواء مدرسة النقض على المعتزلة .

وهنا يخطر ببالنا سؤال . وهو : لماذا لم يتخذ أهل السنة هذه الآراء للرد على المعتزلة . لا سيما أن الرد على عقيدتهم كان معروفا ، فقد رد مالك على مسأله الجهة وابن حنبل على خلق القرآن والحهة كذلك ، والشافعي على البعض من آرائهم وانتظر أهل السنة قرنا آخر ليتفقوا على عقيدة أبى الحسن الاشعرى وليتخذوها قانونا يردون بها على المعتزلة ويدينون الله بها ؟

الظاهر كما مر فى عقيدة أبى حنيفة والشافعى أنهما لم يتناولا كل فروع عقيدة الاعتزال بالنقض والتفصيل ، وان كان أحمد بن حنبل فى رده على الجهمية قد تطرق الى اراء لهم كثيرة ولم يتوسع . كما انه لم يخصص لهم ردا . ولا نعرف أكانت رسالته هذه قبل محنته أم بعدها . وعلى كل فيبدو أن أهل السنة لم يشهروا حربهم على المعتزلة كما شهرها أبو الحسن الاشعرى واجتنابهم هذا لخصومهم لعله عن دافع ديني وهو تحريم الجدل في الدين الذي قال به مالك بن أنس ، ويراه أحمد بن حنبل . وكان هذا الرأى قد انتشر فى أوساط السنة . فتجنب الامام أحمد لهم اما أن يكون بهذه الفكرة الدينية : لا جدال فى دين الله . وهو الاقرب . واما ان يكون عن اجتناب فتح أزمة مع الخلفاء الذين تولوا الدفاع عن مدرستهم .

اذا نظرنا الى هذا العصر وجدنا أن المدارس الفقهية قد تكونت والتف حولها أنصارها ، بل ربما كان بعض معتنقى هذه المدارس يتعصب لآراء امامه ولا يريد بها بديلا . فاذا جاء حنفي بعقيدة ما ، لم يتبعه عليها المالكي ولا الشافعى أو قل حتى الحنبلى ، والعكس يصح . فانتظر جميعهم مجئ هذا المنحدر من الصحابى الجليل أبى موسى الاشعرى ، الذى ساعد نسبه على أن يجعل أهل عصره ينظرون اليه نظرة اكبار ورضى . كما أنه خريج مدرسة الاعتزال البصرية ، ولربما كان من أكابر تلاميذها ورجوعه عنها باجتهاد منه وتجرده على نقدها والرد عليها وهو الاعرف بها من سواه . زد على ذلك انه لم يترك كبيرة ولا صغيرة من آراء مذهبه القديم الا فنده او نقده ... متخذا فى ذلك آراء وسطا كانت فيما يعتقد أهل القبلة من سنيين ومعتزلة ، الامر الذى أبكت خصومه من معتزلة وجهمية وحشوية مجسمة ولم نجد لهم ردا على آرائه فيما نعلم . اقتنع أصحاب العقائد السلفية من مالكية وحنفية وشافعية وبعض فضلاء الحنابلة على حد تعبير

الاشاعرة ، قاصدين بذلك ابن فورك (5) . قلنا اعتنقوا العقيدة التى يعتبر أبو الحسن أول من وضعها كاملة بعد أن بلغ المذهب المعتزل أشده وصار واضحا . كما أتم تلاميذه الذين جاؤوا بعده مثل أبو بكر البقلاني وابن فورك والقاضى عبد الوهاب والحاكم النيسابورى والقابسي وابن ابى زيد ما حدث بعد وفاته من مشكل الاعجاز الذى أثاره الجاحظ وأبو الحسن الرمانى ( مات سنة 386 ه 996 م ) . وعملوا على نشر وتطوير العقيدة فى المشرق والمغرب والدفاع عنها وعن آراء الباقلانى فى مشكل الاعجاز . .

هناك عامل مهم آخر فى اعتناق أغلبية أهل السنة للعقيدة الاشعرية هو انهم وجدوا فيها اراء أيمة السلف متفقة مع الكتاب والسنة . وقد أرادوا أن يتفقوا هذه المرة بعد أن أعياهم التعصب المذهب وأضر بهم .

فكانت العقيدة الاشعرية ملتقى أكثر السنيين من نيسابور الى افريقيا . .

يعتقد استاذنا العلامة (BRUNSHVIG) ان اصول الفقه كان عاملا مهما فى حسم الخلاف المذهبى بين أهل السنة . وأعتقد أن العقيدة الاشعرية كانت قد سبقت الى هذا الميدان ، رغم أن اتفاقهم على اصول الفقه أكبر وان لم يكن لاختلافهم فى العقيدة بين حنفية وكثير من الحنابلة اثر يذكر . فحتى هؤلاء الذين لم يتفقوا مع أهل السنة فى أشعريتهم لم يخالفوهم الا كما يخالف الايمة الاربعة بعضهم بعضا فى مسح الرأس مثلا

وتطورت فكرة العقيدة لا سيما عند الصوفية الذين دافعوا عن عقيدة الاشاعرة ووضعوا اما شروحا لها . او تعاليق أو تصدوا للدفاع عنها . فمن هؤلاء الصوفى المغربى أبو عثمان سعيد بن سلام المغربي ( 6 ) الذي كان يعلم العقيدة لتلاميذه وقد حفظ لنا ابن الاهدل امتحانه لاحد تلاميذه حيث قال له : لو قال لك أحد أين معبودك ايش تقول ؟

فاجاب التلميذ : أقول : حيث هو الآن . يعنى أنه كان ولا مكان ، فهو الآن ، كما كان ، على ما كان فى الازل . وسئل أبو عثمان هذا عن الخلق . فقال : قوالب وأشباح تجرى عليهم أحكام القدرة . وهي عقيدة الاشاعرة كما جاء فى القرآن الكريم ( كل من عند الله . ) والله خلقكم وما تعملون .

) قل لن يصبنا الا ما كتب الله لنا . ( وعند الاشاعرة التسليم بقضاء الله وقدره .

وسئل الجنيد قدس الله سره عن التوحيد ، فقال : افراط الموحد بتحقيق وحدانيته وبكمال أحديته أنه الواحد الذى لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفؤا أحد . وقد لخص عقيدة الصوفية الامام القشيرى صاحب الرسالة بقوله : اعلموا رحمكم الله أن شيوخ هذه الطائفة يعنى الصوفية بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة فى التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تشبه ولا تعطيل ، عرفوا ما هو حق القدم ، وتحققوا ما هو نعت الموجود عن العدم ولذلك قال سيد هذه الطائفة الجنيد رحمه الله : التوحيد افراد القدم عن الحدث ( 7 ) ... وعند اصحاب الشاذلى لا سيما رأس الشاذلية المفكر عز الدين بن عبد السلام ( 8 ) الذي وضع عقيدتهم وهي الشعرية صرفة وهذا ملخصها : الحمد لله ذى العزة والجلال والقدرة والكمال والانعام والافضال . الواحد الاحد الفرد الصمد . الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد . ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر . ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ . ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الارض ولا السموات كان قبل أن كون المكان ودير الزمان ، وهو الآن على ما عليه كان . خلق الخلق واعمالهم وقدر ارزاقهم وآجالهم ، وكل نعمة فهى منه فضل . وكل نقمة فهي منه عدل . لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . استوى على العرش المجيد على الوجه الذى قاله ، وبالمعنى الذي أراده استواءا منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال . فتعالى الله الملك الكبير المتعال عما يقوله أهل الغي والضلال . لا يحمل العرش ، بل العرش وجملته محمولون بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته . أحاط بكل شىء علما ، وأحصى كل شئ عددا . مطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر . حى مريد ، سميع يصير ، عليم قدير . متكلم بكلام أزلى قديم ، ليس بحروف ولا صوت ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا فى الالواح والاوراق شكلا ترمقه العيون والاحداق . . . الخ وهي العقيدة الاشعرية بعينها ، لكنها محررة حسب اسلوب صاحبها . ومتأخرو الصوفية فى أشعريتهم يقلدون اسلافهم مشائخ الصوفية كالجنيد والقشيرى والغزالى كما هو واضح فى عقيدة هذا الاخير المذكورة في اول كتابه ( الاحياء ) . ولذا كان الرد عنيفا على المتصوفة الخارجين عن المحيط الاشعرى والسلفى كالحلاج وابن عربى فى الاواخر . وبقيت هذه العقائد الى اليوم الا انها تختلف فى انتشارها حسب المذاهب

والبلدان ، فعند المالكية والشافعية عقيدة الاشعري هي المعتمدة . وقد حررها كل حسب اسلوبه كما هى فى المنقذ من الضلال ، والاحياء وعقيدة ابن ابى زيد القيروانى والابانة والرسالة القشيرية .

والحنفية كلهم ما تريدية ( 9 ) ، وتستمد الماتريدية أصولها من اراء أبى حنيفة وأصحابه زفر بن الهذيل ، محمد بن الحسن الشيباني وابى يوسف الانصارى .

وهى تختلف اختلافا جزئيا فى فروع كلامية ، كما اظهرها تاج الدين السبكى فى نونيته .

ياصاح ان عقيدة النعمان    والاشعرى حقيقة الايقان ( 10 )

وجاء الحسن بن عبد المحسن المعروف بابى عذبة من اواسط قرننا الثاني عشر وجعل مقارنه بين أقوال الاشعرى والماتريدى أى عقيدة الحنفية ببلاد الهند والقوقاز والمشرق والمغرب . فاتضح من مقارنته أن ليس هناك خلاف جوهرى وأهم هذه الاختلافات ، هى : فى مسألة المشيئة فى الايمان ؛ إذا قال قائل أنا مؤمن ان شاء الله . لا يجوز الاستثناء عند الحنفية محتجين أن الاستثناء يدل على الشك . ولا يجوز الشك فى الايمان بل فى العقود .

وفى مسألة : السعيد هل يشقى واتشقى هل يسعد ؟ قال الاشعري : ان السعادة والشقاوة مكتوبتان على الانسان ، لا تتبدلان . فالسعيد لا يصير شقيا والشقى لا يصير سعيدا . وانما يعمل الشقي بعمل أهل الجنة فيسبق عليه الكتاب فيدخل الجنة ويعمل السعيد بعمل أهل النار فيسبق عليه الكتاب فيشقى ويدخل النار .

وقال الماتريدى وهو رأى أبى حنيفة قد يصير الشقى سعيدا والسعيد شقيا ويختلفان كذلك فى مسألة نعمة الكافر - هل انعم الله عليه أم لا ؟ يقول الاشعرى لم ينعم عليه لان هذه النعمة هى زيادة فى شقائه فى الاخرى لقوله تعالى : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون - متاع قليل ولهم عذاب مهين . والماتريدية يقولون أنعم عليه نعمة دنيوية . وكذلك يختلفان في الارادة والرضى - فألاشعرى يعتبر الارادة والرضى أمرين مختلفين . وعند الماتريدية هما متحدان .

الخامسة - ايمان المقلد . هل يصح أم لا ؟ عند الماتريدية وهو رأى ابى حنيفة يصح . وعند الاشاعرة لا يصح ولكل حجته .

مسالة الكسب - ( وهى دقيقة )

عند الاشاعرة ان الانسان اذا صمم عزمه فالله تعالى يخلق الفعل عنده والعزم أيضا فعل يكون واقعا بارادة الله . فلا يكون للعبد دخل فيه على سبيل التأثير ، وان كان له دخل على سبيل الكسب . فعند الاشاعرة الكسب تعلق القدرة الحادثة بالمقدور فى محلها من غير تأثير . وعند الماتريدية . هو صرف القدرة الى أحد المقدورين وهو غير مخلوق . لان جميع ما يتوقف عليه فعل الجوارح من الحركات وكذلك الترك التى هى افعال النفس من الميل والترك والاختيار بخلق الله تعالى ، لا تأثير لقدرة العبد فيه وانما محل قدر قدرته عزمه عقيب خلق الله هذه الامور فى باطنه .

مسألة اخرى : أيعذب المطيع أم لا ؟ اتفقا على عدم جوازه شرعا واختلفا عقلا .

وهناك اختلافات فى صفات الافعال لله تعالى . أقديمة هى أم حادثة ؟ كخلق العباد واماتتهم . وكلام الله هل يجوز ان يسمع أم لا ؟

هذه أهم نقط الخلاف بين الاشاعرة والماتريدية ، وهى تحتاج الى درس عميق وتعليقات طويلة ربما رجعنا اليها فى وقت آخر

أما عن عقيدة الحنابلة فليس لدينا سوى عقبة ابن بطة العكبرى التى كانت موضوع دراسة استاذنا ( LAOUST ) ولا شك ان للحنابلة ما لغيرهم من أهل السنة فى هذا الميدان من تآليف عدة

اشترك في نشرتنا البريدية