التربية الإسلامية هي تلك التي تعنى بتنشئة الفرد تنشئة إسلامية حرة يهتدى الفرد فيها إلى معرفة خالقه فيعبده ويعمل وفق أوامره ويتجنب نواهيه ويتعلم أن يعيش عيشة تضمن له السعادة فى الدارين الدنيا والآخرة .
وها نحن فيما يلى نحاول أن نعدد أهم العناصر الاساسية التى يتكون منها نظرنا الفكر التربوي الإسلامي :
الشمول : وهو يعني درس الكون ومحتوياته ومنه الإرتقاء إلى معرفة خالق الكون وقدرته وعلمه ورحمته وهدايته . إنه يتناول درس الخليفة من بدايتها إلى نهايتها ودرس حياة الإنسان ونشوئه الفردى والإجتماعى ودرس النفس ظاهرها وباطنها . ودرس القوانين التي يسير بموجبها الكون من قوانين فلكية رياضية إلى قوانين فيزيائية وكيماوية إلى قوانين حياتية ( بيولوجية ) إلى قوانين أخلاقية وإجتماعية . ثم تعيين المسؤولية الفردية ليس بين الأديان والفلسفات التي نعرضها ما هو أشمل وأوسع وأعمق مما جاء به الفكر التربوي الإسلامي .
التوحيد : وهو الترابط والتوازن بين عناصر الكون فعناصر الوجود تتفاعل فيما بينها ولابد من رؤية الوحدة في الكل ودرس الكل إذا شئنا معرفة الحقيقة . فالفصل والإنشطار والإنفصام بين عناصر الوجود يمنعنا من رؤية * العلاقة ورؤية " الهيأة . فالتربية الإسلامية تربية " توحيدية تكاملية" لا إنشطار ولا إنفصال بين مقوماتها . من أهم المعضلات التي بليت بها الحياة .
المعاصرة معضلة الإنشطار والفصل بين الدين والدولة وبين الفكر والعمل وبين الأخلاق والسياسة وبين المرأة والرجل وبين الأبيض والأسود وبين من ينتمي إلى دين أو مذهب وآخر وبين الغني والفقير . فالانشطار والجدلية التي منيت بها المدنية الغربية يحل محلها التوحيد والتكامل فى الفكر التربوي الإسلامي .
التغير والديمومة : كل ما في الوجود يتغير بإستثناء خالق الوجود . فالكون حادث وهو في تطور مستمر وهذه الحياة الدنيا تعقبها حياة أخرى هي دار القرار . فالمطلوب من التربية أن تحسب حساب التطور والتغير فى الوجود وتتوقع الطوارىء وما ليس بالحسبان . كما أن عليها أن تعنى بالحياة الدنيا وتعد للحياة الآخرة " فإن ما تزرعه اليوم تحصده غداً " . أى أنها تعمل بالقول المأثور : أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً وأعمل لآخرتك كأنك تموت غداً " .
كرامة الإنسان : إن الإنسان فى الفكر التربوي الإسلامي يحتل المركز اللائق به فى الخليقة بفضل ما منحه الله من قابليات وإستعداد للتعلم . فقد فضله الله على كثير من المخلوقات فالإنسان ليس بالآلة المتحركة الصماء التي لا إرادة لها ولا حرية كما تعامله بعض الأنظمة السياسية الغاشمة كما أنه ليس إلهاً ليتفرعن . إن مشكلة البشرية كانت وما تزال عدم تقديرها الصحيح لإنسانية الإنسان ولذلك ففي العالم اليوم عبيد وأسياد ومستضعفون وجبابرة . إن بعض العلماء الماديين ينكرون وجود الروح فهم يعترفون بأن الإنسان كائن حى يشارك الحيوانات العليا في العديد من وظائفها العضوية وقد يسمو عليها بالفكر والإبداع والإختراع ولكنهم لا يرون ضرورة للتدين مع إن التدين الصحيح هو أسمى مقومات الإنسانية . فالإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يستطيع أن يسمو بنفسه على نفسه ليرى الكل وخالق الكل . وبذلك يتحرر الإنسان من العبودية لأي مخلوق . ويرتدع عن الفرعنة والغرور والكبرياء . فالله أكبر ! فرعون من جهة والشيطان من جهة أخرى يمثلان ألد أعداء الإنسانية . فالله سبحانه خلق الإنسان وجعل منه " خليفة "
العقل وحرية المعتقد : إن الدين الإسلامي يمتاز بإهتمامه بإستعمال العقل فى الحياة ويؤكد حرية المعتقد . ولذلك يفرض على الإنسان تحمل المسؤولية الفردية . ولما كانت السلطوية والإستبداد يحجران على الإنسان إستعمال عقله بحرية فهما ليسا من الإسلام فى شئ .
فذكرإنما أنت مذكر . لست عليهم بمسيطر . " لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي " .
" العلم " و"الحكمة" إن الفكر التربوي الإسلامي يحض على طلب العلم . " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة " وقل رب زدني علماً" . . قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون . . والقرآن الكريم يرفع منزلة العلماء إذ يقول : . يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتو العلم درجات . ولكن العلم وحده لا يكفى بل لابد من إقترانه بالحكمة والحكمة تعنى رؤية العواقب وحسن التصرف فى الأمور فهى تتطلب البصيرة وبعد النظر . وقد قال تعالى : " ويعلمكم الكتاب والحكمة " وقال : " يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً . " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي أحسن ...."
الشورى : إن الفكر التربوي الإسلامي يشجع التعارف والتعاون بين الناس ويدعو إلى الأخذ بمبدأ الشورى فى معالجة القضايا العامة كما يوصى بالنظام والطاعة . فالفوضى والغوغائية ليستا من الإسلام فى شئ . قال نعالي : " وشاورهم في الأمر " و " أمرهم شورى بينهم " و " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم .
الأخلاق : الفكر التربوي الإسلامي يعنى بالأخلاق . لقد وصف الله نبيه بقوله : " وإنك لعلى خلق عظيم " وقال عليه الصلاة والسلام : " إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق" .
ثم إن الفكر التربوي الإسلامي يتضمن الإرتقاء الأخلاقي للإنسان . " فالنفس الأمارة بالسوء " قد ترتقي إذا أدركتها رحمة الله . فا ارتقت فإنها قد تصبح " النفس اللوامة " ، فالنفس اللوامة تردع الفرد من ارتكاب المعاصي . فإذا أتجهت النفس اللوامة إلى فعل الخير وأعتادت فعل الخير فإنها قد تصبح مطمئنة . فالنفس المطمئنة هى التي ترجع إلى ربها راضية مرضية وهى تمثل أرقى مراحل الصعود الأخلاقي
الهداية والوقاية : الفكر التربوي الإسلامي يفترض أن التربية الإسلامية هى هداية ووقاية . فهي هداية من الله تعالى لمن يطلب الهداية ويسير في الصراط المستقيم . فنحن نرى أنفسنا طالبين الهداية من الله حين
نتلو في صلاتنا : " إهدنا الصراط المستقيم " وهي وقاية للذين تضل عقولهم وتزل أقدامهم فيقعون فى هوة الأثم . ولذلك فالتربية الإسلامية تشجع المسلم على طلب الهداية من الله تعالى وتردعه عن الشر فتؤمن له الوقاية .
العمل والجهاد : الفكر التربوي الإسلامي يحض على العمل : " وقل اعملوا فيسرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " و العمل الصالح " يلي الإيمان ويقرن به في العديد من الآيات القرءانية : " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فى سورة العصر وفي سورة أخرى : " من آمن وعمل صالحاً " ثم إن التربية الإسلامية تؤكد الإستعداد والجهاد فى الحياة . و " أعدوا لهم ما أستطعتم من قوة " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " .
الفروق الفردية : إن الفكر التربوي الإسلامي يعترف بالفروق الفردية وبالتفاوت في المواهب والقابليات بين الناس . فقد قال تعالى ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتيكم " . و لا يكلف الله نفساً إلا وسعها " .
مسؤولية التربية : إن المسؤولية عن التربية في التفكير التربوي الإسلامي تقع على عاتق الوالدين والمجتمع معاً. فالوالدان هما اللذان يربيان الطفل . " وقل رب أرحمهما كما ربانى صغيراً " . والمجتمع بدوره مسؤول عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو واجب كل مسلم . إذن فكل مسلم يرب أخاه المسلم قصد ذلك أم لم يقصد .
هذه هي بعض العناصر التي تمثل الفكر التربوي الإسلامي . والقرآن الكريم يزخر بالآيات التربوية التي تغذى الفكر التربوي الإسلامى . ولذلك فلنرجع دائماً إلى القرآن .
الفكر التربوي الإسلامي وتطبيقاته :
( فى صدر الإسلام : جاء الإسلام هادياً ومربياً للناس يهديهم إلى الإيمان بالله ، يهذب أخلاقهم ، يحضر على طلب العلم ، يحملهم على العمل الصالح . وقد عمل المسلمون الأوائل على نشر العقيدة والفضيلة فى كل مكان حلوا فيه فعملوا على توجيه الإنسان نحو الحياة الفضلى فى الدارين الدنيا والآخرة .
وإن التربية الإسلامية في صدر الإسلام أكدت على حفظ القرءان الكريم والحديث الشريف كما أكدت على تعلم الفرائض الدينية وممارستها بما في ذلك الجهاد في سبيل الله . كما أكدت على ممارسة الآداب الاسلامية والتحلي بالفضائل الإنسانية وذلك عن طريق الإقتداء بسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وسيرة الصحابة الكرام . فالمنهج التربوي كان حياً والأسلوب التربوي كان عملياً واقعياً تطبيقياً .
عصر التفتح والإزدهار : ولما بدأت الفتوحات الإسلامية وأتصل المسلمون بالحضارات السائدة آنذاك كاليونانية والفارسية والهندية والسريانية كانوا متفتحين إزاءها أقتبسوا ما وقع عليه أختيارهم من فلسفات وعلوم وصناعات وفنون . وشجع الخلفاء نقل هذه الثقافات إلى اللغة العربية كما توجهت العناية إلى علوم اللغة والحديث والفقه والكلام . ونبغ رجال ونساء في العلوم الدينية والتشريع والفلسفة والتاريخ الطبيعى والرياضيات والفلك والموسيقى والأدب يعتبرون من مفاخر التاريخ الحضاري . أما الفكر التربوي في هذه الحقبة فقد تناوله فلاسفة ومربون من أمثال : ابن سينا والفارابي والجاحظ والغزالي وأخوان الصفا وابن خلدون والزرنوجى وابن سحنون والقابسي وغيرهم وغيرهم . قد تميز الفكر التربوي فى هذه الحقبة بالميزات التالية :
( أ ) لما كانت محتويات العلوم ثابتة نسبياً ومحدودة كان فى وسع الطالب أن يكون موسوعياً فيدرس اختصاصات متعددة فقد يكون فيلسوفاً وطبيباً وأديباً وعالماً دينياً فى الوقت ذاته .
(ب) كان أساس التربية وهدفها دينياً مهما كان اختصاص الطالب ومهما كانت المهنة التي يتعاطاها . فلا فصل بين العلم والدين فى التربية . والعلوم الدينية تكون القاسم المشترك لذوي الإختصاصات المنوعة إن لم تكن هي المحور لثقافة كل انسان مسلم
( ج ) كان باب الإجتهاد مفتوحاً وكانت حرية البحث وحرية الرأى محترمة .
كان الطالب يطلب العلم لأجل العلم ذاته وفي سبيل الله فلم تكن الشهادة أو الوظيفة أوالمنفعة المادية هي الدافع الرئيسي للدراسة
(ه) كان التعليم يمتاز بالحرية : حرية الطالب فى اختيار الدرس والمدرس والرفاق في الدراسة . وفي الحقيقة إن الحرية الواردة في حياة طالب العلم هي من مفاخر تراثنا التربوي .
(و) لم تقيد الدراسة بأيام معدودة محددة ولا بإمتحانات رهيبة . فكان الطالب يدرس حتى يكمل العلم ويتقنه طال الزمان أم قصر . فالطالب يسير في الدراسة بالسرعة التى تناسبه فلا يكلف الله نفساً الا وسعها .
كان الاستاذ هو الذى يمنح الاجازة للطالب بعد ان يدرس عليه ويكمل الدراسة
(ح ) إن مواضيع الدراسة التي يدرسها الطالب لم تكن عديدة فهى عادة مادة واحدة أو مادتين فى الوقت الواحد وقلما تتجاوز الثلاث . والطالب يتقن مادة الدرس عادة ويهضمها ويتمثلها لأنه بعد الإنتهاء منها يدرسها لمن هو دونه من الطلاب . وليس أفضل من تدريس المادة طريقة لاتقانها .
(ط)كان السفر لأجل طلب العلم إلى مراكز العلم الشهيرة وإلى العلماء القادة من الأمور الشائعة آنذاك كما هو الحال اليوم .
في عصر الركود :
لما بدأ التنازع على الملك وتفرق المسلمون إلى مذاهب وطوائف وأصبح الإستبداد فى الحكم من الأمور المألوفة جمد الفكر التربوي وتحجر وأصبح الحفظ الببغائى هو الأسلوب السائد وتغلبت العناية بالألفاظ على العناية بالمعاني . دب التعصب المذهبى في العديد من الأقطار الإسلامية وسد باب الإجتهاد عند أكثرية المسلمين . وأصبحت دور العلم تعنى بالقضايا الفرعية الجدلية المذهبية على حساب القضايا الكبرى التي عليها يتوقف تقدم البلاد ورقى الأمة . فلم يعن بصناعة الآلات ولا بالعلوم الطبيعية والحياتية بقدر ما كان يعنى بالأمور المذهبية وأصبح التقليد أساساً للتربية الدينية . يرافق ذلك أسلوب أدبى يتصف بالمجاملات والمبالغات . وكان تعليم الشعب يقتصر في الغالب على حفظ القرءان الكريم حفظا لفظياً من دون تدبر معانيه يضاف إلى ذلك تعلم الفرائض الدينية وممارستها . وللقرءان الكريم ولاداء الفرائض الدينية الفضل العميم في المحافظة على الأخلاق العامة ونور الإسلام
في قلوب المسلمين . فالإيمان بالله ومخافة الله كانا وما يزالان عاملين أساسيين من عوامل الضبط الأخلاقي والمحافظة على الذاتية الإسلامية التي أصبحت عاملاً جوهرياً فى بقاء الأمة فى أحلك أيام الإستعمار . وفي الكفاح فيما بعد للتخلص من الإستعمار الغاشم . إذن فللتربية الإسلامية حتى في عصور الركود فضل لا ينكر على الحياة الإسلامية .
وفي الوقت الذى بدأ الجمود والركود يستوليان على العالم الإسلامي بدأت الحياة والنشاط يدبان في العالم الغربي فمن نهضة علمية إلى إختراعات صناعية إلى إكتشافات جغرافية كل هذه جعلت الغرب يفكر في الفتوحات وفي الإستعمار . وبدأ يطمع تدريجياً فى الإستيلاء على الأقطار الإسلامية القطعة تلو القطعة ! تيقظ الفكر التربوي الإسلامي لدى العديد من المفكرين والمصلحين في العديد من أقطار العالم الإسلامي وأخذوا يدعون إلى ضرورة اقتباس نظم وبرامج تعليمية من الغرب تضمن للعالم الإسلامى النهوض على أسس علمية إسلامية حديثة . انشئت مدارس حديثة على الأسلوب الغربى هنا وهناك . وسافر عدد من العلماء والطلاب الى ديار الغرب . ولكن هذه الجهود جاءت متأخرة والإستعمار الغربى أناخ بكلكله على معظم أقطار العالم الإسلامي . وحتى الدولة العثمانية التي كان يرأسها " خليفة المسلمين" تقلص ظلها وضعف شأنها حتى صارت توصف " بالرجل المريض . الإستبداد السياسي والإنقسامات الداخلية والفساد في المجتمع أدت إلى جمود الفكر التربوي وتقصيره . وأسئ فهم القول المأثور : النجاة في الإتباع في الإبتداع " فأصبح هذا القول عائقاً لقبول كل جديد حتى ولو كان صالحاً ومفيداً وبذلك كرس الجمود . كل هذه الأحوال مهدت السبيل لمجيء المستعمر واستيلائه على معظم الأقطار الإسلامية
فى عهد الإستعمار :
لم يعن المستعمر برفع المستوى العلمي والتربوي للبلاد التي استولى عليها لا بالدرجة التي تخدم مصالحه وأهدافه . فلم يحصل على التربية الحديثة من أبناء المسلمين إلا نفر قليل نسبياً . ولم تكن عند المستعمر نية لجعل التعليم يتناول أبناء الشعب جميعهم . والبعض الذين تحصلوا على الثقافة الغربية إنما فعلوا ذلك على حسابهم الخاص أو انهم أعدوا من قبل المستعمر ليستخدموا في جهاز الحكومة كموظفين وكتبة ومترجمين ومعلمين . والقليل منهم امتهن الطب والمحاماة . أما الاتجاه إلى العلوم الطبيعية أو الهندسة أو التقنيات فقد كان نادراً. هذا وقد شجع المستعمرون في العديد من البلاد الإسلامية .
المبشرن أو الجمعيات الدينية أو السياسية الغربية على تأسيس عدد من المدارس فى هذا البلد أو ذاك .
إذن فالفكر التربوي الإسلامي ظل في عهد الإستعمار مجمداً ومحصوراً حتى تسير لمعظم البلاد الإسلامية قادة محررون دعوا إلى الأخذ بعناصر القوة المتوفرة في الدين الإسلامي الداعية إلى تفتح الأذهان والأخذ بالعلوم الحديثة من جهة والجهاد في سبيل التحرر السياسي من الجهة الأخرى . بدأت معظم الشعوب الإسلامية تكافح الإستعمار بين الحربية العالميتين . وقد هيأت الحرب العالمية الثانية الفرصة لتحرر معظم البلاد الإسلامية من ربقة الإستعمار السياسي . وها هى البلاد الإسلامية المحررة اليوم تريد اللحاق بالعالم المتقدم والتخلص من وصمة التخلف بأسرع وقت ممكن وهذه رغبة منتظرة ومحمودة .
العهد الحاضر :
إن البلاد الإسلامية اليوم تقتبس من الغرب نظمها وبرامجها التعليمية مع شئ من التحوير والتكيف . ولكنها وهي تستعجل السير - قد تقع فى مزالق يصعب النهوض منها فيما بعد - وذلك ينتج عن عدم حستابها بالدقة ورؤيتها بوضوح عواقب إقتباس نظم تربوية وأهداف قومية غريبة قد لا تتلاءم وظروف وإمكانيات وإحتياجات مجتمعاتها .
ليس من الإنصاف أن نتجاهل الدور الإيجابى والبناء الذي تقوم به العديد من نظمنا التربوية الحديثة وفي الوقت نفسه ليس من المصلحة فى شىء أن نتغاضى عما يعتورها من نقائص وأخطاء يمكن تلافيها سلفاً. ومن هذه المزالق نذكر ما يلى :
(أ ) تقليد النظم الغربية في الشكل وفي المظهر وعدم الأخذ باللب والجوهر . نحن نأخذ ما يقوله الباحث الغربي عادة ونكتفى بحفظه واجتراره وكأنه حقائق منزلة . نحن لا ننكر أن فى الغرب علماء يتحلون بالصفات العلمية المطلوبة ولكنهم مهما بلغوا من العلم والنزاهة تبقى نظرتهم إلى الأمور التي تتعلق بناء نابعة من تربيتهم ومن بيئتهم ومن مصالحهم وهذا يصدق بشكل خاص على كل ما يتعلق بتاريخنا وحضارتنا وديننا ولغتنا وأدبنا . فالمربون المسلمون يحسنون صنعا لو وقفوا هنيهة فأكتسبوا من الغلب الأساليب العلمية المضبوطة وأهتمامه بالقيم الإنسانية الخالدة ورفضوا كل ما هو معتل ومشبوه . والقيم الإنسانية الخالدة تتمثل في القيم الإسلامية في حضارتنا بينما الغرب
يجدها فى حضارتي اليونان والرومان . ولذلك فلم تؤيد دعوة المرحومين الأستاذ أحمد سامح الخالدي ) عميد الكلية العربية فى القدس سابقاً ) والدكتور طه حسين ) فى كتابه مستقبل الثقافة في مصر ( إلى إدخال اللغتين اللاتينية واليونانية في مدارسنا الثانوية . نحن ندعو إلى اقتباس ما ينفعنا وما نحتاج إليه من الغرب ولا نرى ضرورة التقمص بالروح الغربية وتقليد الثقافة الغربية تقليداً كاملاً .
الإهتمام بالدراسات النظرية والإهمال النسبى للعلوم المضبوطة والتقنيات . إن التعليم الحفظي اللفظى هو ما يطغي على الحياة التربوية فى معظم البلاد الإسلامية .
أما البحث والتحرى ( فى المجتمع وفي الطبيعة ) وأما التجارب والقياسات في المختبر وأما الإشتغال في الحقل أو المصنع وإستعمال اليد والفكر معاً ثم حب المغامرة والإكتشاف فهي نادرة فى التربية الإسلامية المعاصرة .
( ج ) إن الإستعجال في نشر التعليم في بعض البلاد الإسلامية قد يضر بالكيفية من أجل الكمية . فالمدارس الضخمة والصفوف وألاقسام المزدحمة قد تحرم الفرد من العناية التي يحتاج إليها في تربيته والعمل على تنمية مواهبه الخاصة وقابلياته . والنتيجة تكون تربية آلية سطحية والمدرسة تصبح وكأنها فابريقة تنتج بضاعة موحدة الشكل والنوع .
إن نشر التعليم يتطلب إعداد المربين أولاً وهو أمر يتطلب الجهد والوقت فإيداع الطلاب إلى مربين تعوزهم المؤهلات المطلوبة يجعل البناء التربوي رخواً وضعيفاً وهو أمر لا يخلو من الخطر على كيان المجتمع .
(د) المركزية المفرطة في إدارة التعليم وهى ناشئة عن عدم الإعتماد الكافي على من يتولون شؤون التربية عادة ، وهذه المركزية تكبل يد المربي وعقله في بعض الحالات فيصبح أداة ميكانية تطبق حرفية النصوص الموكل إليه تعليمها . بينما المطلوب من المربي أن يكون قادراً على التكيف والخلق والإبداع في التدريس الأمر الذي يستدعي الثقة التامة فيه والإعتماد عليه لاتخاذ كل ما يراه صالحا ومناسباً لتربية من هم بعهدته من الطلاب مراعياً احتياجاتها الفردية وظروفهم المحلية والمعاشية .
(ه) فصل الدروس عن الحياة وفصل بعض نواحي الحياة عن البعض الآخر فما يدرسه الطالب في المدرسة قد لا تكون له علاقة بحياته واحتياجاته . ثم الخطر كل الخطر ينجم عن فصل العلم عن الدين وفصل الدين عن الأخلاق وفصل العلم عن العمل وفصل الأخلاق عن العلم . فان العلم بلا دين وبلا أخلاق وبلا عمل قد يكون عقيماً وقد يكون ضرره أكثر من نفعه . إن اهتمام بعض المدارس فى العالم الإسلامي بالدروس النظرية وإهمالها النسبي للأخلاق والآداب والتدين وابتعادها عن العمل المنتج لمن أخطر المزالق التي تقع فيها نظم التعليم فى العالم الإسلامي اليوم .
(و) تضارب الفلسفات والعقائديات في داخل المدرسة الواحدة أحياناً وفي المحيط الإسلامي بصورة عامة . فقد نجابه فوضى فكرية عقائدية والبعض من العقائديات قد تغذى البغضاء والصراع الطبقي أو المذهبى أو الجنسي بين أبناء الشعب الواحد فبعض التيارات الفكرية المستوردة تدعو إلى الفوضى والعنف وأخرى تدعو إلى العدمية واليأس وأخرى تبرر التحلل الخلي والإباحية في العلاقات الجنسية عازفة عن القيم الأخلاقية المعترف علمياً بصحتها وسلامتها .
(ز)إعتبار الوسيلة غاية نهائية : لا شك في أن الوسيلة قد تكون غاية في حد ذاتها حتى تتحقق ومتى تحققت فإنها تصبح وسيلة لغاية اسمى فلا يجوز الوقوف عندها . ولنوضح ذلك بمثال : أنا أشتغل لكسب المال . فالمال غاية ولكنه غاية وقتية . إذ إنه أي المال هو وسيلة لادامة حياتي وحياة أسرتي . فيجب أن ينظر إلى المال كوسيلة لتحقيق الحياة الفضلى للإنسان لا أن يعبد كما عبد العجل الذهبي . الامتحانات والشهادات العلمية والمهنية هل هى وسائل غايات ؟ لا شك فى أنها وسائل لغايات أسمى ولكن كثيرون هم المعلمون والطلاب وأولياء الطلاب الذين يتخذون من الامتحانات والشهادات غاية فبإجتياز الإمتحان ونيل الشهادة ينتهي كل شئ حتى ولو كان الإمتحان خاطئاً أو مزوراً . أما الاستفادة الحقيقية من التربية سواء في كسب المعلومات أو اتقان المهارات أو بناء الخلق الكريم والسجايا الفاضلة فإنها قد تصب منسية إزاء اجتياز الإمتحان ونيل الشهادة !
هذه نماذج من المزالق التي قد يقع فيها الفكر التربوي الإسلامي في هذه المرحلة من مراحل تطورنا التربوي . والبعض منها تكاد تكون مشاكل عالم عامة فى التربية المعاصرة اليوم . فالفكر التربوي الإسلامي ما زال حائرا
معرضا للتجربة والخطأ في عصرنا هذا . ولذلك فنحن فى حاجة ماسة إلى علماء في التربية يجمعون بين معرفتهم العميقة للتراث التربوي الإسلامى من جهة وما استجد في عالم التربية والتعليم في البلاد الأجنبية من الجهة الأخرى .
وقد يكون من المفيد أن أنقل هنا نقدى للنظام التربوي في العراق في الثلاثينات من هذا القرن يوم كنت أحد المسؤولين المباشرين عنه . قلت :
لقد اقتنعت الآن إن فلسفة التعليم العراقي أكدت الناحية العلمية الضيقة أكثر من تأكيدها نواحي الأخلاق والروحيات . كما أكدت الناحية الحفظية اللفظية أكثر من تأكيدها على الفكر والعمل . وأكدت القومية الضيقة أكثر من تأكيدها الإسلامية والإنسانية . كما كانت التربية العراقية دكتاتورية أكثر منها دمقراطية . واتكالية أكثر منها استقلالية . وفردية أكثر منها تعاونية . وبإختصار انها لم تكن تربية ذات فلسفة حياتية شاملة ومتزنة "
وقد يصدق ما قلته عن تجربتى في العراق على معظم نظم التعليم السائدة في العالم الإسلامي اليوم .
نظرة مستقبلية :
( أ ) نرى ضرورة إعادة النظر جذرياً في الفكر التربوي الإسلامي المعاصر على ضوء العناصر التي يتكون منها الفكر التربوي الإسلامي الأصيل والتي أشرنا اليها فى بداية هذا البحث .
(ب) نرى ضرورة الإهتمام البالغ بإعداد من يتولى شؤون الأمة من قادة في مختلف مجالات الحياة على أن يتحلوا بالتقوى والعلم والحكمة والشجاعة .
(ج) نرى ضرورة العناية عناية خاصة بشؤون التربية وبتربية المربين على قواعد إسلامية تجمع وتوحد بين الإيمان والأخلاق والعلم والعمل .
(د) نرى ضرورة ملحة لتنشئة علماء ممتازين في كل نواحي الإختصاص ولا سيما في حقل العلوم المضبوطة والتقنيات . فالمأمول تكوين علماء مؤمنين يتمتعون بدرجة عالية من الأخلاق والنزاهة الفكرية .
وأخيراً نقول : إن العالم الإسلامي اليوم هو فى أمس الحاجة إلى زعامات أخلاقية ودينية وعلمية وتقنية وسياسية . فالمطلوب من الجامعات الاسلامية أن تعد أساتذة يجمعون بين المعرفة الدينية والإختصاص في حقل من حقول الحياة . أساتذة يحملون النظرة الفاحصة للآراء العلمية والفلسفية وللتيارات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة بحيث يوضحون للأمة ما تحمله هذه الآراء وهذه التيارات من حق أو باطل ومن غث أو سمين . فالمطلوب من هؤلاء الأساتذة أن يقودوا العالم الإسلامي في طريق البعث الروحي والأخلاقي والاجتماعي علاوة على التعب الفكرى والتقني . وأن يبرهنوا للعالم أجمع بأن الدين الإسلامي هو دين الحق والخير والإخاء والنظام للإنسانية كافة . وهذه أعظم مهمة يؤديها الفكر التربوي الإسلامي الأصيل استجابة لإرادة الله تعالى وخدمة لدينه !

