تعرض أحمد شوقي في ديوانه لمواضيع وأغراض عديدة ومختلفة منها ما يدخل في باب المدح والرثاء على النحو المعروف فى تاريخ الادب العربى ، ومنها ما يتعلق بالمناسبات الظرفية كقصائد التهنئة أو التى كان ينظمها اثر أحداث اجتماعية وثقافية تشهدها بلاده ، ومنها ما يتصل بتاريخ مصر القديم والحديث ، وبالتقلبات والاطوار السياسية التى عاشها الشعب المصرى فى أواخر القرن التاسع عشر ، وفي مطلع القرن العشرين ، أيام كان فى صراع مع الاستعمار البريطانى وهيمنته
وليس من شك فى أن هذه الاغراض الاخيرة ، أى التى تتعلق بالاحداث السياسية وبتاريخ مصر القديم والحديث ، هي التى تشكل عنصر التجديد والطرافة في ديوان أحمد شوقي ، بالقياس الى الاغراض التقليدية المطروقة المعروفة ، مثل المدح والرثاء ، واللهو ، وشعر المناسبات ، بحيث أن تلك الاغراض هى التى تعرف - أكثر من غيرها - بشخصية الشاعر وبنظرته الى وظيفة الشعر ومفهومها عنده .
وان حاولنا احصاء القصائد التى تشتمل فى أهم محتوياتها على مواضيع متصلة بالتاريخ والسياسة ، وهي التى تفتح للشاعر مجالا للتعبير عن أفكاره وعن مواقفه الشخصية ، فانا نجد فى الجزء الاول من الشوقيات (1 )أربع
قصائد فى تاريخ مصر القديم : وهى " كبار الحوادث بوادى النيل - و ابو الهول " - و " توت عنخ آمون " - و " ذكرى كرنارفون " . ونجد فى الجزء الثاني قصيدة أخرى بعنوان : " أيها النيل " ، وجميع هذه القصائد وهي طويلة ، تتحدث فى معظمها عن الحضارة الفرعونية
أما تاريخ مصر الحديث ، فان الشاعر قد تعرض له فيما لا يقل عن خمس وعشرين قصيدة بغلب عليها الطول وغزارة المعانى ، كما انه تعرض بالاشارة ويكثر من الاشارة ، للاحداث التى عرفتها بلاده ، فى القديم والحديث ، فى كثير من شعره الاجتماعى وفي مراثيه ، وحتى فى المقطوعات التى نظمها للاطفال وتلاميذ المدارس وجعلها على السنة الحيوانات .
الا ان هذا الشعر كله بما بحويه من المعاني ، جاء مشتتا فى الاجزاء الاربعة من الديوان ، بل هو على غير ترتيب أو تبويب يعتمد النسق التاريخي ، وهو يفتقر إلى بيان كاف يحدد بالتدقيق الظروف التى قيلت فيها كل قصيدة بحيث أنه ليس في متناول القارىء للديوان في طبعته الموجودة ، أن يتبين بما يستحسن من الوضوح والانسجام وجوه تفكير الشاعر وتطور احساسة ومواقفه ازاء تاريخ بلاده وما عرفته من أحداث مصيرية .
والسؤال المطروح هو : ما كانت وظيفة الشعر فى نظر أحمد شوقي ؟ وهل كان يمير الشعراء " لا يخرج فى نهاية الامر عما هو معروف عند الكثيرين من أغراض المدح والرثاء ، واللهو وشعر المناسبات ، ويدخل فى ذلك ما قاله في التاريخ والسياسية ؟ أم هل جاء بمفهوم جديد لوظيفة فنه ، وباتجاه جديد في تصور دور الشاعر في مجتمعه ؟ وهل يمكن أن نخرج برأى واضح في هذا الشأن من اطوار حياته ؟
ولتحديد محال البحث عما يقابل هذه التساؤلات من الاجوبة ، فانا نسوق هذه المقطوعات ، وقد قالها شوقي في فترات مختلفة من حياته ، وفيها اشارات الى أفكاره ومواقفه الشخصية ازاء ما جد فى بلاده من احداث
يقول الشاعر في الفترة الاولى من حياته - أى فى عهد شبابه وقبل ان يسافر الى فرنسا لطلب العلم - انه :
شاعر العزيز ( 2) وما بالقليل ذا اللقب
ويخاطب الخديوى وآل بيته قائلا :
انتم الظلال لنا والمنازل الخصب
لو مدحتكم زمني لم اقم بما يجب
كان أحمد شوقي في الايام التى قال فيها هذه الابيات ، قد أتم دراسا الحقوق فى مصر ، والتحق بقسم الترجمة ، وعرف بأنه شاعر الامير ، والابيات تدل على انه أصبح شاعر القصر ، وانه انقطع لمدح الامير وآل بيته ، يعتز بذلك ويفتخر ويعيش فى ظل الامير و " يستلم أذياله " كما يقول شوقى ضيف ( 3 ) .
ثم ان الشاعر سافر الى فرنسا وأقام فيها مدة لطلب العلم ، واذا به بعد رجوعه منها أصبح يتغنى بمجد مصر القديم فى عهد الفراعنة ، مثل قوله
وملكنا فالمالكون عبيد والبرايا باسرهم اسراء
قل لبان بني فشاد فغالي لم يجز مصر فى الزمان بناء
أجفل الجن عن عزائم فرعون ودانت لباسها الآناء
أين كان القضاء والعدل والحكمة والرأى والنهى والذكاء
ويخاطب وطنه معبرا عن عاطفة جياشة :
احبك مصر من أعماق قلبي وحبك فى صميم القلب نام
وهبتك غير هياب يراعا وحبك فى صميم القلب نام
ليس من شك في أن الشاعر اصبح بعد رجوعه من أوربا يتغنى بنفس جديد ويعبر عن احساس جديد لم يصدر عنه أيام كان منقطعا للمدح .
وأقام شوقي فترة فى مصر وكانت له مواقف وطنية بمناسبة أحداث عرفتها البلاد في صراعها مع المستعمر البريطانى ، حتى آل به الامر الى أن قضى عليه بالخروج الى المنفي ، واذا به يقول فى أول قصيدة ينظمها بعد رجوعه :
ويا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشبابا
ولو انى دعيت لكنت ديني عليه أقابل الحتم المجابا
ويقول أيضا فى قصيدة عنوانها " أبو الهول "
اليوم نسود بوادينا ونعيد محاسن ماضينا
ويشيد العز بأيدينا وطن نفديه ويفدينا
وهكذا يبدو واضحا من المجموعات الثلاث التى أوردناها أن شوقي كان فى الفترة الاولى من حياته شاعر الامير يتكسب بمدحه ويعيش فى برج عاجي تحت ظله ؛ ثم انه ظهر فى شعره نفس جديد بعد رجوعه من فرنسا ، حيث اصبح بلهج بمجد مصر ويعبر عن احساس وطني قوي ؛ وتأكد ذلك النفس الحديد ونما بعد عودة الشاعر من المنفي ، فاذا هو يهب قلمه لبلاده ويشيد بماضيها ويدعو لبناء مجدها من جديد
ولعله يكون من المفيد أن نسعى في ايجاز كبير الى توضيح الاسباب التى عملت في تطور نظرة شوقي الى وظيفة الشعر ، وان نتبين بأي العوامل تأثر الشاعر في هذا التطور معتمدين فى ذلك على الاغراض الكبرى التى تعرض لها فى أهم قصائد ديوانه
لم يكن أحمد شوقي في الفترة الاولى من حياته ، أى عندما كان يدرس الحقوق فى مصر ، ثم لما التحق يقسم الترجمة ولما عين بعد ذلك موظفا فى خدمه المعبة السنية " الا شاعرا مداحا ، دامت به الحال على ذلك حتى الى سنة 1887 ، سنة سفره إلى فرنسا لطلب العلم ؛ ولم يخطر له على بال طيلة تلك المدة كلها ، أن يسمو بمطامحه الى أعلى من أن يتخذ الشعر سبيلا للتقرب من الخديوى ، رغبة فى كسب المال والجاه والمنزلة والسعة فى الحياة ، وينطبق
عليه بالضبط ذلك الحكم الذي قرره هو بنفسه في مقدمة ديوانه ، حيث يقول : انه " اتخذ الشعر تجارة اذا شاء الملوك ربحت ، واذا شاؤوا خسرت " .
ويوضح شوقي هذا الحكم فى نفس المقدمة فيقول :
" انى قرعت أبواب الشعر وأنا لا أعلم من حقيقته ما أعلمه اليوم ، ( أى سنة 1898 ، وبعد رجوعه من فرنسا بست سنوات ) ولا أجد أمامى الا دواوين للموتى ، لا مظهر للشعر فيها ، وقصائد للاحياء ، يحذون فيها حذو القدماء والقوم فى مصر لا يعرفون من الشعر الا ما كان مدحا فى مقام عال ، ولا يرون غير شاعر الخديوى صاحب المقام الاسمى فى البلاد ، فما زلت أتمنى هذه المنزل وأسم اليها . . . حتى وفقت اليها بفضل الله " (4).
وهكذا فان شوقي - باعترافه الشخصى - لم يقل شيئا من الشعر فى هذه الفترة من حياته الا وهو من مثل ما وصفه ، حتى عرف بلقب شاعر الامير يمدحه وينتصر له ، ويعيش فى نعمة ظله و يستلم أذياله " ؛ بل انه لم يلتفت طيلة تلك المدة الى أحوال شعبه ، لا في حاضرها ، ولا فى ماضيها والحال أن تراث مصر القديم قد اكتشف منذ عهد غير قليل ، اثر غزوة نابوليون بونابرت ، وأقبل عليه العلماء والباحثون ، وبرزت حضارة مصر الفرعونية ساطعة من طلاسم المعابد والاهرام والمصطبات ، ومن نقوشها وتصاويرها الرائعة المذهلة ؛ هذا من جهة ، ومن جهة اخرى ، فان تدخل الدول الاوربية فى الشؤون السياسية المصرية قد اتسع فى عهد شباب شوقي وتفاقم أمره الى درجة أن بريطانيا وفرنسا قد فرضتا على السلطان العثماني عزل الخديوى اسماعيل سنة 1879 ، وتنصيب ابنه توفيق مكانه ؛ وضجت مصر بذلك ، وتجمعت مقاومة الشعب المصرى للاستعمار البريطاني حول زعامة عرابى باشا ، فاندلعت الثورة العرابية وآلت الى خيبة مرة ، حيث هزم عرابى باشا فى معركة التل الكبير سنة 1882 ، ونفي هذا الزعيم الوطن الفذ ، وفرضت بريطانيا حمايتها على مصر ، وعينت " اللورد كرومر " مندوبا ساميا لها يتصرف في سياسة البلاد كما شاء فى الداخل والخارج
ولا مناص حينئذ من أن نستخلص مما سبق أن شوقي كان قبيل سفره الى فرنسا سنة 1887 قريب العهد بهذه الاحداث الجسيمة الماسية بمصير بلاده
وكان يعرف أن مولاه الخديوى توفيق هو نفسه الذى رضخ للحماية البريطانية ورضى بها ؛ وكذلك فانه لا يعقل أن لا يكون شوقي مطلعا - قليلا أو كثيرا - على ما برز الى النور فى الصحف والمتاحف ومختلف المنشورات من نثراث مصر القديم ومجدها التليد ، وبالرغم من كل ذلك فإنه لم يكن يفهم للشعر وظيفة ولا يجد له وحيا ، الا فى المدح والرثاء واللهو والمناسبات ، مثل عبد ميلاد الامير ، وعيد جلوسه على العرش وما شاكل هذا ، وان التمسنا له عذرا فلا نجد له شيئا من ذلك الا فى حداثة سنه ، التى لم تكن آنذاك تزيد على العشرين
سافر شوقي الى فرنسا لطلب العلم وأقام فيها خمس سنوات ، واذا به يقول عن هذه الفترة من حياته . فى مقدمة الطبعة الاولى لديوانه :
" ثم طلبت العلم في أوربا ، فوجدت فيها نور السبيل من أول يوم ، وعلمت اني مسؤول عن تلك الهبة التى يؤتيها الله ولا يؤتيها سواه ، وأتى لا اؤدى شكرها حتى أشاطر الناس خيراتها التى لا تحد ولا تنفد ....)
والمفهوم من هذه القولة أن شوقي تأثر بالمحيط الفكرى والادبى الذى وحده فى فرنسا ، وانه تأثر على وجه التدقيق بالثقافة الفرنسية وببعض رجال الادب الفرنسيين الذين كان صيتهم ذائعا فى ذلك العهد ، فأصبح واعيا بمسؤولية خاصة لا تنفصل عن مهية الشعر ، وأصبح موقنا بأن له رسال يجب أن يؤديها نحو شعبه
ويتعين ههنا أن انسعى للتعرف على العوامل التى أثرت فى نظرة شوقي الى وظيفة الشعر وجولت اتجاه موهبته الشعرية نحو خدمة الناس ليشاطرها خيراتها الجزيلة
- يقول شوقي انه اثناء اقامته بفرنسا ، قد شغف الشغف كله بثلاثة شعراء فرنسين على الخصوص وهم : لامرتين ) Lamartine ) وموسى ( Musset وهوفو ) Hugo ) - وانه كاد يفنى فيهم على حد قوله ؛ وقد قيل عنه ان كان بحفظ الكثير من أشعارهم ، ويحفظ حفظا على وجه التخصيص مجموع قصائدة العصور " ) 5 ( ل زعيم الحركة الرومنطيطيكية
وقد كانت الصحف والنوادى والتآليف الادبية زاخرة بشعر " هوقو " ويأفكاره واتجاهاته الادبية ، وبسائر آثاره ، اذ لم يمض على موته الا بضع سنوات عندما حل شوقي بفرنسا ، فليس من شك فى انه قد اطلع على أطوار حياة " هوفو " وعلى آرائه فى الشعر والادب ، وعلى أهم آثاره الشعرية والمسرحية والروائية ، وانه تأثر بما قرأ وشاهد الى حد كبير حيث أنه يقولوا انه " وجد نور السبيل . .
والمعروف عن الشاعر الفرنسي الكبير - هوفو - أنه كان يعتقد اعتقادا قويا أن الشاعر الموهوب يضطلع برسالة نحو البشر ، اذ هو " الصدى الرنان " لما يحدث فى عصره ، باعتبار أنه يحس بما لا يحس به عامة الناس ويرى مالا يرون ، ويتسع ذهنه وخياله لما لا يخطر لهم ببال ؛ ورسالة الشاعر الموهوب تتمثل فى أن يكون " المنار " الذى يهدى الناس سبيلهم ، وان يكون رائدهم نحو الجمال والنبل والرقى فى الحياة . وعملا بهذا المفهوم ، فقد عمد " هوفو الى نظم ملحمته الواسعة التى سماها :أسطورة العصور " ، وحاصلها فى اجمال كثير أن الشاعر الفرنسي كان يعتقد أن البشرية سائرة الى رقي . مستمر ، وانها لم تزل من قديم العصور ترتقى الى ما يحقق لها المزيد من الحزية والعدالة ، والازدهار والتقدم والتحضر ؛ فتخير من تاريخ مختلف الحضارات التى عرفتها البشرية أعظم الاحداث التى تمثل هذه المسيرة المستمرة نحو التقدم ، وانتخب أكبر رجالاتها وراح يمجد كل ذلك ويشيد به ويتغنى ويضربه أمثالا للاجيال المقبلة ، ويعبر عنه بما أوتى من البراعة الفائقة والعبقرية الفذة
ثم ان هو " كان قبل منتصف القرن التاسع عشر رجل نظام ومحافظة ، وبلغ به ذلك الى مناصرة حزب نابوليون الثالث والدعوة له ولكن ، عندما تبين له أن الامبراطور الفرنسي قد سطا على النظم السياسية المتحررة ، وأقام محلها حكمه المطلق ، فانه خرج الى المنفي ، وأصبح من منفاه حامل لواء الحرية ، يندد فى شعره بالنظام الامبراطورى الجائر ويدعو الى الثورة عليه والاطاحة به . وليس من شك فى أن ما تقدم التذكير به من شخصية " هوفو " يمثل بالتحديد " نور السبيل " الذي يقول شوقي انه وجده فى أوربا ، وأن فى ذلك تكمن الرسالة التى أصبح يعتقد أنه مسؤول عن تأديتها بدليل انه بعد عودته من فرنسا أصبح يلتفت الى تاريخ بلاده ومجدها ، والى الاحداث السياسية والمظاهر الحضارية التى عرفتها مصر فى الماضي والحاضر
فيستوحى من ذلك ما يهدى به الناس ويضرب لهم به الامثال ، ويدعوهم الى بعثه وتجديد صرحه
رجع شوقي من فرنسا سنة 1892 ، ولم يلبث أن ظهر فى شعره ذلك النفس الجديد ، وعلى وجه التحديد فى قصيدته الشهيرة : كبار الحوادث بوادى النيل .
وقد أنشدها بمناسبة انعقاد مؤتمر المستشرقين فى جونيف سنة 1894 وأرادها بدون أى شك أن تكون أغنية ملحمية تخلد تاريخ مصر ومجدها وكبار الاحداث التى عرفتها ، من أبعد العصور القديمة الى عهد الخديوى توفيق وعهد الاحتلال البريطاني ، ويبلغ عدد أبياتها 290 بيت ، وهذه أهم خاصياتها :
حافظ الشاعر في هذه القصيدة على النسق التاريخي ، فاستعرض كل أطوار تاريخ مصر القديم والحديث ، وانتخب من كل طور أبرز الاحداث التى شهدتها البلاد ، ان تكن خيرا ويمنا وعزا ، أو تكن شرا وبؤسسا وتدهورا وعمد إلى صوغ ذلك في قصيد ملحمي بديع ، وانطلق يشيد فيه بكل ما يحدث عن مجد مصر ، لا سيما فى عهد الفراعنة ، ويباهى بما نجم عن ذلك العهد من المعالم والمنشآت الحضارية ، وكذلك الشأن عندما وصل الى ذكر فتح الاسكندر " ذى اليد البيضاء والى الفتح الاسلامي على يد عمرو بن العاص ، والي بطولات الايوبيين فى تصديهم للحروب الصليبية ، والى عهد محمد علي وأعماله العمرانية وعنايته العظيمة ببعث عهد جديد لمصر . . .
ويتخلل عصور العزة والمجد والحضارة المزدهرة المتألقة الانوار ، عصور مظلمة قاتمة توالت فيها النوائب على مصر ، فيتوج لذلك الشاعر ، ويندد بالمعتدين ، ويظهرهم في مظهر التوحش والقساوة الضارية ، مثلما يبدو ذلك عند ذكر زحف الهيكسوس " وهم " شعوب الرعاة " الذين هجموا من آسيا على مصر فى أواخر الدولة الفرعونية الاولى .
" واذا مصر خير شاة لراعي السوء "
كما يظهر ذلك في الحديث عن غزو قمييز المشؤوم " ملك الفرس ، سيما وان هذه النكبة حلت بمصر بعد أن استعاد رمسيس الثاني وحدة وادي النيل
ثم ان محمد عبده توفى سنة 1905 ، وكان على ما عرف به من زعامة الحركة الفكرية الاصلاحية التى انتشرت فى مصر وفى العالم العربى والاسلامى ، ولم يرثه شوقي الا بثلاثة أبيات يغلب عليها التكلف والابتذال
ومن ذلك ايضا أن حادثة نشبت بين أهل قرية دنشواى وبعض الضباط الانقليزيين ، فمات من بينهم ضابط واحد ، وكان رد فعل " اللورد كرومر " أن شدد القمع والتعسف على أهل تلك القرية ، بما فى ذلك التعذيب والاحكام بالسجن والشنق ؛ وضحت مصر بذلك ، وانتشرت أخبار هذه الحوادث على الصحف العالمية ، ولكن شوقي لم يقل فى ذلك الا قصيدة * ذكرى دنشواى " نظمها سنة 1907 ، بعد مرور عام على أحداث القمع ؛ وهي قصيدة قصيرة يتوجع فيها الشاعر على الاموات ويتأسى بحال الناس وليس فيها من اشارة الى طغيان الاستعمار البريطانى الا فى هذا البيت :
" نيرون " (7 )لو ادركت عهد " كرومر "
لعرفت كيف تنظم الأحكام
* وغادر اللورد " كرومر ، منصبه فى مصر بقرار من الحكومة البريطانية سنة 1907 ، ولا يجد شوقي ما يقول عنه سوى مثل هذا البيت فى قصيدة عنوانها " وداع كرومر " :
يا مالكا رق الرقاب ببأسه هلا اتخذت الى القلوب سبيلا
.وأخيرا فان عباس حلمي عمد فى سياسته الخارجية الى التقرب من الدولة العثمانية سنة 1914 ، وهي سنة نشوب الحرب العالمية الأولى وكانت الدولة العثمانية حليفة المانيا ، فقررت بريطانيا عزل عباس حلمي وتعويضه بالسلطان حسين كامل . وهذا موقف شوقي من مثل هذه الاحداث :
الملك فيكم آل اسماعيلا لا زال بيتكم يظل النيلا
يا أهل مصر كلوا الامور لربكم فالله خير موائلا ووكيلا
جرت الامور مع القضاء لغاية وأقرها من يملك التحويلا
والحاصل مما تقدم أن شوقي في هذه الفترة الثانية من حياته قد حاول أن يكون " الصدى الرنان لعصره ، وأن يكون المنار الذى " يهدى الناس سبيلهم " ، ولكن ذلك لم يكن منه الا فى حدود ما يرضى سيده الخديوى ولا يغضب الدولة الحامية ؛ وبالرغم من هذه الحيطة وهذه التقية فان البريطانيين لم ينسوا له قصيدة " وداع كرومر " التى شبهه فيها " بنيرون " الامبراطور الرومانى السفاح ، والتى يزدرى فيها بسياسة " كرومر " :
قالوا جلبت لنا الرفاهة والغنى جحدوا الاله وصنعه والنيلا
وحياة مصر على زمان محمد ونهوضها من عهد اسماعيلا
هل من نداك على المدارس انها تذر العلوم وتأخذ الفتبولا
فحكموا عليه بالنفي فغادر مصر واستقر في اسبانيا ، وسيكون لهذه المحنة أثر قوي فى نفس الشاعر وفى نتاجه .
قضى أحمد شوقي ما يقرب من خمس سنوات بالمنفي ، وقل انتاجه فى تلك المدة ، ولم يكن شأنه شأن " هوفو " الذى رفع راية الحرية من منفاه وتمادى على التنديد بنظام الامبراطور الفرنسى نابليون الثالث ؛ بل سكت شوقى عن سيطرة الاستعمار البريطانى على بلاده ، وعما كان الشعب المصرى يعانيه من جراء ذلك ؛ وليس الا أنا نذكر له قصيدتين يعبر فيهما عن حبه لوطنه وحنينه اليه .
فالاولى يعارض فيها نونية ابن زيدون ويقول عن مصر انها :
أرض الأبوة والميلاد ، طيبها مر الصبا في ذيول من تصابينا
ويعارض فى الثانية سينية البحتري
وسلا مصر هل سلا القلب عنها أو آسي جرحها الزمان المؤسى
وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتنى اليه فى الخلد نفسي
ثم رجع الشاعر الى وطنه سنة 1920 ، واذا به يعلن أن حبه لبلاده أصبح راسخا فى نفسه رسوخ العقيدة الدينية ، ويعود الى التغنى بأحداث تاريخها القديم والحديث .
فأما الاحداث القديمة فان شوقي لم يكد يزيد شيئا على ما أورده من المعاني وعدده من المفاخر والمناقب فى قصيدة " كبار الحوادث بوادى النيل " وراح بضرب الامثال للشباب يدعوه بها الى تجديد عزة وطنه وحضارته التليدة ومما يقول عن الفراعنة
فكانوا الشهب حين الارض ليل وحين الناس جد مضللينا
مشت بمنارهم في الارض روما ومن أنوارهم قبست أثينا
الى أن يقول
شباب قنع لا خير فيهم وبورك في الشباب الطامحينا
وأما الاحداث المعاصرة للشاعر ، فانه ينبغي قبل التعرض لما قاله فيها أن تشير الى أمرين
الاول : هو أن شوقي ابتعد عن قصر الامير من يوم رجوعه من المنفي وانقطع للشعر والادب ، ذلك انه تأثر تأثرا عميقا بالاحتفال العظيم الذي أقيم له عند وصوله الى مصر راجعا من المنفي ؛ فأحس فى عمق نفسه بأن الرسالة التى هو مسؤول عنها ، انما هو مدين بها للوطن وللشعب لا للامير
والثاني : هو أن المدة التى فيما بين 1920 وبين 1932 تاريخ وفاة الشاعر ، كانت زاخرة بالاحداث السياسية ، والبارز منها هو ثورة سعد زغلول على الاستعمار البريطانى ، وعلى سلطة الملك فؤاد الذي لم يكن قابلا للنظام النيابى ؛ فكان الشعب المصرى فى وضع تمرد وثورة ؛ ودخل سعد زغلول في مفاوضات بوصفه زعيما لحزب الوفد ، مع بريطانيا ، ثم حكم عليه بالنفي ورجع بعد ذلك من منفاه منتصرا وكسب الانتخابات سنة 1923 ، وتواصل الصراع بين حزب الوفد والشعب المصرى وبين سلط الحماية البريطانية حتى الى ما بعد وفاة الشاعر
وفى هذه الفترة من حياته يمكن أن نوافق شوقي على قوله
(وهب بلاده قلمه " اذ انه لم يكد ينظم قصيدة ليس فيها ذكر قصير أو طويل للاحداث التى كانت تعيشها بلاده
ولم يشأ الشاعر أن ينضم الى صفوف حزب معين فيكون من دعاته وانصاره ، بل اختار أن تكون صلاته وثيقة بجميع الاحزاب والنزعات ، ودأب
يدعو مواطنيه الى الاتحاد والوثام والتضامن وتكاتف الجهود فى سبيل نصرة البلاد والنهوض بها .
ومثال ذلك ان الحكومة البريطانية عرضت على حزب الوفد وعلى سعد زغلول مشروعا اصلاحيا عرف " بمشروع هلنر " وكان ذلك سنة 1920 . وقوبل هذا العرض بالرفض لانه لا يمنح مصر الا استقلالا ذاتيا مقيدا . بشروط ؛ ويبدو أن شوقى مال فى أول الامر تجاه قبول المشروع كخطوة أولى :
ما بال قومى اختلفوا بينهم فى مدحة المشروع او ثلبه
من يخلع النير يعش برهة فى اثر النير وفي ندبه
ثم يتدارك الموقف سنة 1922 ، بعد أن عرضت بريطانيا مشروعا ثانيا ينقح السابق ، فيضم الشاعر صوته الى صوت الجماهير وصوت الاحزاب ويصف الهيمنة البريطانية بأن :
" . . . قيودها قد صرن من ذهب وكن حديدا "
والى جانب ذلك ، فان الشاعر استمر على نظم القصائد في الاعياد الوطنية والمناسبات السياسية والاجتماعية والثقافية ، وفي رثاء الزعماء ، أمثال مصطفى كامل زعيم الحزب الوطني الذي نال حقه فى هذه المرة ، والزعيم سعد زغلول زعيم حزب الوفد ، ولم يزل ينطق ويتغنى بما يشغل الجماهير ويتجاوب مع طموحات الشعب المصرى وآماله ، ويواكب نضاله وكفاحه ، فكان بذلك حقيقة يؤدى رسالته فى الشعر ، ويشكر الله على ما خصه به من الموهبة فيها حتى أنه لما أقيم له حفل التكريم بلقب امير الشعراء سنة 1927 ، فان سعد زغلول هو الذى أشرف بنفسه على ذلك الحفل ، وفي ذلك ما فيه من رمز للأكرام والتقدير ، وما أبعد أحمد شوقي في هذا المقام عن ذلك الرجل الذي كان يعتز ويفتخر بمنزلته فى قصر الامير ، يتكسب بالمدح ويعيش فى ظل سيده ؛ ويستلم أذياله .
عبد العزيز بن حسن
بعض المصادر والمراجع
المصادر : - تاريخ حياة أحمد شوقي ، كما تحدث عنها الشاعر في مقدمة الطبعة الاولى لديوانه سنة : 1898
- الديوان : الشوقيات - الطبعة الثانية بتقديم محمد حسن هيكل - 4 أجزاء - القاهرة 1951
المراجع : . في التاريخ القديم :
- تاريخ الشرق 1945 Historire)par LEON Home parus (
- تاريخ الحضارة المصرية Histoire de la civilisation Egyptienne par Gustave Jequier - Paris 1930 -
. وفي التاريخ الحديث :
- تاريخ الشعوب والدول الاسلامية لكارل بروكلمان - 5 أجزاء - بيروت - 1943 .
دراسات عن ديوان أحمد شوقي
- طه حسين : " حافظ وشوقى " - القاهرة 1933
- عمر فروخ : " كلمة فى أحمد شوقي " - بيروت 1950
- شوقي ضيف : " شوقي شاعر العصر الحديث " .- القاهرة 1953 .
- نازك سابا يارد : " أحمد شوقي لحن المجتمع والوطن " - بيروت 1968 .
- مجلة الهلال : عدد خاص بالذكرى المئوية لولادة شوقي - القاهرة - نوفمبر 1968 .
مراجع عامة :Maurice Le vaillant : ( L' oeuvre de Victor Hugo ) - Pari 1932

