ان ثورة العصر الحقيقية هى ثورة علمية . فالانسان الحديث باكتشافه الطريقة العلمية المضبوطة والدقيقة واستخدامه اياها مستعينا بالآلات البصرية والتحاليل والتجاريب المحققة استطاع أن يتعرف على القوانين الطبيعية وينمي الثروة العلمية فى حقول الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة بسرعة متزايدة . والى جانب ذلك قام الانسان الحديث باكتشافات جغرافية وتعرف على طبيعة الكرة الارضية وما تحويه من كنوز . والتقنية عبارة عن تطبيق هذه القوانين العلمية وهذه الاكتشافات تطبيقا عمليا ووضعها في خدمة الانسان فى حقول الصناعة والزراعة والطب والهندسة والمواصلات ووسائل الاعلام ووسائل الرفاه ووسائل الفتك والدمار . وقد كانت أوربا سباقه فى هذا المضمار فى العصر الحديث تبعتها الولايات المتحدة الامريكية فاليابان فالاتحاد السوفيتى
ان العلوم المضبوطه وما ادت اليه من تقنيات واختراعات اكسبت الانسان قوة ورفاها ليس لها مثيل فى التاريخ . ولكن هذه القوة المادية المتعاظمة لم ترافقها قوة موازيه فى حقلى الاخلاق والروحيات . قلت : موازية ولم أقل متلاحمة ، ذلك لان اوربا عامة تفصل بين العلم والدين . ونتيجة طغيان القوة الماديه كانت سيطرة الانسان على اخيه الانسان وعم الاستعمار معظم الاقطار الاسوية والافريقية . ورافق الاستعمار الحروب التى أهلكت الملايين من البشر وذلك بفضل اختراع الاسلحة الفتاكة والسير فى تطويرها وجعلها اكثر فتكا بدون هوادة ولا توقف
كانت التربية وما تزال هي المسؤولة الأولى عن كل هذه التطورات الخيرة منها والشريرة . فهى التى انجبت العلماء والمخترعين وهي التى غذت
عقول الساسة والعسكريين بحب المغامرة والفتوحات . ولذلك كانت التربية تحمل التناقض فى الأهداف . فهى من جهة تؤدى الى ازدهار العلوم والتقنية بحيث تصبح وسائل للتنمية وتعمل على تحقيق صحة الانسان وسعادتة ورفاهه وحريته واخائه وبعبارة أخرى تحقيق انسانيته . وفي الجهة الأخرى انها بتقصيرها فى الحقل الروحى ، الاخلاقي توجه الانسان توجيها هداما ، مدمرا وذلك باستخدامه خيرات الارض وثروات البشر فى التدمير والتفقير بدل الرفاه والتعمير
اذن فالتحدى الكبير الذى تجابهه التربية فى عصرنا هذا هو ان كانت قادرة على توجيه العلوم والتقنيات لتكون وسيلة تنمية ورفاه للانسانية بدون ان تكون وسيلة افناء ودمار . وسيلة تقارب وتفاهم بين البشر لا وسيلة نشر للغرور والتعصب والانانية ؟
بالعلم المضبوط وبالتقنيات ساد الغرب وفرض هيمنته السياسية والاقتصادية والحضارية على شعوب العالم الثالث . وبها اشعل الغرب حربين عالميتين فى النصف الأول من هذا القرن . حربين جلبتا الويلات على البشر فى كل أنحاء المعمورة . ولذلك قام مفكرون سياسيون واجتماعيون يدعون الى السلام على أساس الحرية والاخاء والمساواة بين الشعوب ونادى رئيس الولايات المتحدة الامريكية ويلسن بعد الحرب العالمية الاولى بحق تقرير المصير لشعوب العالم أجمع . فمن معجزات هذا القرن ان معظم الشعوب الاسيوية والافريقية التى كانت ترزح تحت الاستعمار البريطانى والفرنسى والهولندى والبلحيكى والاسبانى والبرتغالي حققت استقلالها السياسي وها هى اليوم تبحث عن طرق النهوض وتعلم حق العلم ان العلوم المضبوطة والتقنيات هى الوسيلة الناجعة للنهوض . ولكنها تجابه فى سبيل الحصول على العلوم والتقنيات مشاكل عديدة وعقبات داخلية وخارجية لا بد من التغلب عليها لتحقيق النهوض المنشود . وها نحن فيما يلى نشير الى نماذج من هذه المشاكل
1 ) ان عهود الاستعمار حرمت بلاد العالم الثالث عامة من انتشار التعليم على اختلاف انواعه ودرجاته ولا سيما نوع التعليم الذي يحقق القوة فى حقل العلوم المضبوطة والتقنيات . فالتعليم القليل الذي رعاه المستعمر تغلب على مادته الصبغة الادبية والإكاديمية . وتغلب على طريقته صفة الحفظ الأصم والتقليد . اما البحث العلمى فى المختبر وفي الحقول ، أما حب المغامرة في
سبيل اكتشاف خيرات الأرض واسرار الطبيعة والمجتمع البشرى فيكاد يكون غائبا عن التربية التى خلفها لنا المستعمر
ان نوع التعليم الذى نشأنا عليه فى مدارسنا يمكن ان يوصف بالتعليم " المعلب " فهو أشبه بالغذاء الذى يتناوله الانسان من العلب لانه لم يتصل بالطبيعة وبالحياة . انه يقتصر على درس الكتب وحفظ النصوص أما الغذاء " الطازج " فقلما يتيسر فى معاهدنا التعليمية ولذلك يندر الابداع ويعز الاختراع . إننا " نقولب " الطلاب أى ندخلهم فى قالب واحد مهما اختلفت قابلياتهم وتنوعت مواهبهم وبذلك نوقف نموهم فى مواهبهم الخاصة ونطمس عبقرياتهم
ان التربية التى درجنا عليها تقتصر على جلوس الطالب خلف القمطر بيده القلم وامامه الكتاب والدفتر من دون اتصال بالحياة وبالواقع ومن دون تعب الفكر والجسم معا وبدون استعمال اليد والعين فى المختبر وفي المصنع وفى الحقل .
2 ) هناك مشكلة اجتماعية ورثناها من عهود التخلف وهي ان العديد من الشبان والشابات يفضلون الدراسات التى تساعدهم على الانخراط في سلك الوظيفة الحكومية ويبتعدون عن الدراسات التى تتطلب العمل المضنى في المختبر او فى الحقل او فى المصنع . فالوظيفة الحكومية مهما صغر شأنها تستهوى الشاب لانها حسب الظاهر تضمن الراحة النسبية وتضمن " سلطة الكرسى " فيصبح الشاب من أصحاب " الياقات البيضاء " . وبذلك تصبح المدرسة وكأنها وسيلة للهروب من الاعمال الزراعية والصناعية وتحرم الريف من الايدى العاملة فى الزراعة . فلا عجب اذا كان العديد من بلاد العالم الثالث لا ينتج ما يكفيه من الغذاء . اتذكر أن نحو ألف طالب تقدموا لدخول كلية الحقوق فى بغداد فى سنة من السنوات فى اواسط الثلاثينات من هذا القرن ولم يتقدم للتخصص فى العلوم والتقنيات سوى أفراد يعدون على الاصابع .
ان الوف الطلاب فى بلاد العالم الثالث يؤمون المدارس والمعاهد العليا لغرض الحصول على الشهادة بقطع النظر عن درجة الاستفادة . انهم يريدون الشهادة احيانا من دون ان يتعبوا أنفسهم فى الدرس وفي العمل . وبعد الحصول على الشهادة وعلى عمل فى دائرة حكومية انهم يطالبون بالرقى السريع فى المناصب بقطع النظر عن درجة نموهم فى حقل اختصاصهم انهم مستعجلون ! على حساب الكفاءات والجدارة
3 ) ان النفر القليل من شبابنا وشاباتنا الذين يحصلون على مستوى رفيع فى العلوم او التقنيات ويعودون الى أوطانهم من الخارج قد لا يجدون التقدير والتشجيع الذي يستحقونه . فهم قد يصبحون من المتذمرين لانهم يقعون تحت امرة رئيس هو دون مستواهم العلمي . والبعض منهم قد تستهويهم المناصب الادارية او السياسية فيتركون حقول اختصاصهم فى العلوم او التقنيات وينصرفون الى الادارة او السياسة . والبعض منهم قد يتيسر له الهروب من أوطانهم الى الغرب او الى المنظمات الدولية . والنتيجة خسارة للبلاد التى انجبتهم والتى تنتظر عودتهم ليشاركوا فى تحقيق النمو والازدهار فيها .
4 ) ان مفهوم التنمية عندنا غير واضح وغير متفق عليه احيانا . فهو عند البعض منا تقليد بلد من البلاد الغربية الراقية ونقل ما فيها الى بلادنا بينما برى البعض الآخر هو ان تكون التنمية ذاتية تنبع من بيئتنا وتلائم ظروفنا المادية والاجتماعية وهذا هو الرأى الصحيح فى نظرنا وهو ما نرجو ان تأخذ له البلاد الغنية بمواردها النفطية خاصة .
5 ) ان تحقيق التنمية يتطلب اعداد الاخصائيين فى شتى حقول العلوم والتقنيات ولذلك فلا بد من وجود تخطيط للتنمية يعد على ضوئه العدد المطلوب لكل اختصاص وهذا ما لم يتوفر بعد فى معظم بلاد العالم الثالث ولذلك فمعظم بلاد العالم الثالث تفتقر الى العمال الماهرين فى صناعات الميكانيك والكهرباء مثلا بينما فيها العدد الوافر من المحامين والادباء والصحفيين فى بعض الحالات
6)( ان تحقيق التنمية يتطلب تحقيق الامن والسلام السياسي والاجتماعى فى البلاد . اما حيث تحدث التقلبات والانقلابات فى الحكم كما هو الحال فى العديد من بلاد العالم الثالث فليس من السهل تحقيق التنمية . فخطط التنمية التى تضعها حكومة ما اليوم سوف تهمل غدا . والخبير الذى أعددناه فى حقل من حقول الاختصاص قد يزاح عن حقل اختصاصه أو يودع السجن وبذلك نكون قد عطلنا عملية التنمية وخسرنا ثمرة التربية .
7 ) قد تعوزنا الموارد فلا نستطيع اقتناء الآلات والأوات المطلوبة للتنمية ولمختبرات العلوم والتقنية . وقد نكون اغنياء فنجلب منها الكثير الغالى الثمن ولكننا لا نحسن استعمالها أو العناية بها وقد تبقى مخزونة فى الصناديق لمدة طويلة لأننا لم نهيئ لها ما يلزم من مبان . ثم اننا قد لا نحسن اصلاح
الاجهزه ادا اصابها عطب ولذلك فقد تبقى معطلة مهملة . ويصدق هذا بصورة خاصه على الاجهزة والآلات الكهربائية والالكترونية . ان مبدأ " الصيانة ( Maintenance ) لم يجد التقدير الذى يتطلبه فى معظم بلاد العالم الثالث بينما هو فى البلاد المتقدمة يحظى بالأولوية
8 ) من العوائق في طريق حصولنا على العلوم المضبوطة والتقنيات سياسه الدول المصنعة ولا سيما التى كانت تستعمرنا بالامس القريب فالدول المصنعة لا تشجع الدول النامية بل وقد تتعمد حرمانها من الاضطلاع والاخد باسرار العلوم والتقنيات . اتذكر جيدا ان مدرسة الصناعة في بغداد ( فى الثلاثينات من هذا القرن ) وكان يرأسها مدير بريطاني قلما خرجت اناسا صناعيين بل انها خرجت فعلا عددا من الكتبة لدوائر الحكومة وبعض الاكادميين . عبثا حاولنا اقناع الانكليز ان يأتونا بصناعيين ماهرين ليعلموا طلابنا المهارات الصناعية . اضطررنا الى استدعاء خبير الماني في التعليم الصناعى ليرشدنا الى نظام ناجع فى التعليم الصناعي فعلمنا منه ان المدرسة الصناعية كانت تعلم نظريات الصناعة ولم تعن العناية المطلوبة بالتمرين والتدريب . ثم عرفنا فيما بعد ان نظام التعليم الصناعي في انكلترا كان يترك امر التدريب الصناعي الى المصانع . والمدرسة لا تهئ الطالب لان يكون صناعيا ماهرا بل انها تهيئه لدخول المصانع حيث يكتسب المهارة الصناعية
وحين اوفدنا طلابا الى المصانع البريطانية لم يسمح لهم آنذاك بالاطلاع على دقائق الصناعة حتى ان الطلاب هناك انهالوا ضربا على طالب عراقي حين حاول التوغل فى الاطلاع على عملية " سبك " للفولاذ
ان الاحتفاظ بالاسرار العلمية والتقنية عند الامم المصنعة من الامور المعروفه والمألوفه ولم يستطع الاتحاد السوفيتى الحصول على اسرار القنيلة الذرية لولا لجوئة الى التجسس وشراء الضمائر . فهل لنا ان نطالب البلاد المصنعة والانسانية فى كل مكان بأن تكشف عن اسرار العلم والتقنيات فتضعها تحت تصرف الانسانية قاطبة بدون تمييز سياسي او حضاري او عنصرى أو اقليمي ؟
ومن المفيد جدا ان نتعرف على الطرق التى استطاعت بفضلها اليابان ان تقتبس من الغرب ما عنده من أسرار علمية وتقنية
دور التربية فى النهضة العلمية التكنولوجية
ان المهام الرئيسية التى تقع على عاتق التربية ( بمعناها الشامل ) تتلخص فى اعداد التربية الاجتماعية لغرس البذور الصالحة واروائها ورعايتها حتى تثمر المصالح . وها نحن نذكر بعض هذه المهام على سبيل المثال لا الحصر
التوعية وتهياة المناخ :
ان المجتمعات في البلاد النامية عامة تغلب عليها " الامية التكنولوجية " . فجل ما عندنا من ثمار العلوم والتقنيات هو انتاج الجهد الغربي . ومهما طاب للعديد منا ان ينادى بضرورة الاخذ بالعلم المضبوط والتقنية فنحن ما زلنا متخلفين في ذلك . نحن لا نعرف اى بلد عربى او اسلامى وضع لنفسه خطة فعالة ومتكاملة للأخذ بالعلوم والتقنيات وتطبيقها على الحياة . فما زالت صناعة الكلام عندنا تطغي على صناعة الآلة وحرث الارض . وشبابنا يقبل بكثرة على درس الحقوق والآداب والاجتماعيات واللغات والفلسفة اكثر من اقباله على درس الميكانيك والكهرباء والالكترونيات والفلاحة وطبقات الارض والكيمياويات . اذن فنحن في حاجة الى تجديد أفكارنا التربوية وتفتح نظرتنا الى الحياة بحيث نتخلص من المركبات والترسسباب النفسية التى تجعل البعض منا يفضل صناعة الكلام على صناعة البحث العلمى والتطبيق الآلى . وهذا يتطلب توعية عامة تقوم بها التربية للحاكمين وللشعوب فى بلاد العالم الثالث . لا بد من توعية الجميع الى ضرورة الأخذ بالعلوم المضبوطة والتقنيات وايجاد الحماس لديهم في جو ملؤه الطموح والامل ، جو تسوده الحرية المسؤولة والدمقراطية بمعناها الانسانى الرفيع المعنى الذى يحترم العقل ويضمن كرامة الانسان على أساس الاخوة والهدف المشترك . ففي هذا " المناخ " تنمو العلوم وتزدهر التقنيات . وهذا يتطلب قيادة حكيمة قيادة تتحلى بالعلم وبالحكمة وبالتجرد من العصبيات والانانيات
اعادة نظر جذرية فى برامج الدراسة وتكوين الانسان الجديد :
ان التربية التى تحقق التنمية على اسس العلم المضبوط والتقنية ينبغي ان تحقق فى نظرنا ما يأتي
تعنى باشاعة اوضاع نفسية ) Attititude ) ومتفتحة ، أوضاع نفسيه تقبل على العمل اليدوى وتفخر به وتعطى العامل والمفكر والباحث
المقام الاجتماعى اللائق به فى المجتمع . فلا تفضيل لمهنة على اخرى الا بما فيها من تعب واتقان وما تقدمه للامة من خدمات
نعنى بغرس سجايا اخلاقية ضرورية لتحقيق التنمية مثل : حب العمل ، الصدق والامانه ، الدقه فى القياس ، والصبر وعدم الضجر ، حب التنسق والتربيب ، والمحافظة على الاوقات والمواعيد ، عدم اضاعة الوقت بالعبث التعاون والانسجام مع الغير ، قبول الافكار الجديدة ، الغيرة على نجاح المؤسسة التى ينتمي اليها الخ
تعني بتنمية حب البحث والتحرى والاكتشاف فى الطبيعة وفي المختبر وفي تركيب الآلات كما تعنى بتنمية اليقظة الدائمة ودقة الملاحظة
تعنى بتكوين المهارات الامر الذى يتطلب رغبة صادقة عند الطالب بدفعة الى القيام بتمارين مستمرة حتى يتحقق الاتقان مع السرعة أى درجة عالية من الضبط وتجنب الاخطاء . لو نظرنا إلى ما تنتجه المطابع عندنا مثلا لوجدنا فى بعض المطبوعات اخطاء كان يمكن تلافيها فيما لو اعيد التصحيح مرة اضافية . وما يقال عن المطابع يصدق على استعمال الآلة الراقنة فقد عرفت راقنا عراقيا يطبع بمعدل 12 كلمة فى الدقيقة ( باللغة الانكليزية ) بينما عرفت رافنة فى الولايات المتحدة الامريكية تطبع حوالى الستين كلمة بالدقيقه . فالمسالة مسألة تكوين المهارة وهي تتطلب التمرين الذي ينقطع وفي اسلوب صحيح . والمهارة ذاتها تتجلى فى الالعاب الرياضية حيث يربح الفريق الماهر . وكذلك فى ساحات الحروب . وليس بعيدا عنا سقوط اربع طائرات عربية فى كل من لقائين مع الطائرات الاسرائلية فوق لبنان ولم تسمع عن سقوط طائرة اسرائية نحن لا نشك في ان للتدريب المستمر والمهارة الفائقه اثرها فى التغلب الاسرائيلى . ان البلاد النامية لا يحوز ان ترضى لنفسها مستويات واطئة وحتى متوسطة فى المهارات انها ينبغي ان تطمح الى السمو وان تحقق السمو وذلك بالمزيد من الجهد والمران والاتقان
تعني باكتشاف وتنمية واستثمار قابلية الابتكار والابداع والاختراع . من الامور المسلم بها ان قابلية الشعوب العربية فى الابداع والاختراع لا تقل عن قابلية ابناء الشعوب المصنعة . فعندنا نبغاء وموهوبون كما عندهم ولكننا قلما نعني باكتشاف مواهبهم وتنميتها واستثمارها بينما في البلاد المصنعه يكتشف العباقرة فيشجعون ويستثمرون . خذ المرحوم كامل الصباح مثلا . شاب من جنوب لبنان نزح الى الولايات المتحدة وبرز في
الكهرباء استخدمته شركة ( جنرال الكتريك ) فى سكنكتيدى فأنتج ما يزيد عن الثلاثين اختراع فى الحقل الكهربائى . والكثير منا سمعوا باسم الجراح الشهير فى جراحه القلب الدكتور " دبكى " هو لبنانى الاصل واسمه العربى " ديبغي " انه كان من اول البارزين فى جراحة القلب فى الولايات المتحدة الامريكية . والدكتور " اسعد نيازى " وهو عراقى هاجر الى اميركا كان من اوائل المكتشفين لطريقة تشخيص مرض السرطان في الولايات المتحدة الامريكية . ويمكن للمتتبع أن يعد العشرات من الاسماء العربية التى لمعت وانتجت فى الغرب . اما عندنا فيندر ان نسمع عن مخترع أو مبدع فى حقل اختصاصه ( وقد يستثنى فى حكمنا بعض الفنانين في الرسم والأدب ) ذلك لان تربيتنا يندر ان تعنى عناية خاصة باكتشاف العبقريات . والعبقرى الموهوب قد يكون فى الريف او فى الصحراء . والبرامج الدراسية عامة تسمح بالتنويع والتجديد والابتكار . ان العناية باكتشاف الموهوبين وتربيتهم من الامور التى تعنى بها التربية الحديثة عناية خاصة . وقد عملت معظم الدول المصنعة الى تأسيس معاهد خاصة لتربية الموهوبين . وحتى اذا وجدوا فى معاهد عامة مع سائر أبناء الشعب فانهم قد يلقون عناية خاصة من قبل الاساتذة بحيث تنمى مواهبهم الخاصة وتستثمر
نعنى بتوفير " ثقافة تقنية " لابناء الشعب كافة فالحياة المعاصرة تتطلب من كل مواطن ان يلم بشئ من الحياة التقنية : من ادوات ميكانيكية الى وسائل كهربائية
ولذلك يحدر بواضعى البرامج الدراسية ان يعيدوا النظر اساسيا فى البرامج الموجودة فيدخلوا فيها نشاطا تقنيا لكل الطلاب يتبع ذلك توجيه لذوى المواهب الخاصة الى الاختصاص فى حقل من حقول التقنيات هذا وان " التربية التقنية " يمكن ان تبدأ فى البيت وفي رياض الاطفال من الطفولة المبكرة ( السنة الثالثة من العمر مثلا ) حتى سن الرشد . فالاطفال في السنوات الاولى من عمرهم يبدأون ( عن طريق مواد اللعب ) فى تفكيك وتركيب الاجهزة الميكانيكية البسيطة . كما أنهم قد يبتكرون فى لعبهم . بالطين او الرمل او البناء بالقطع الخشبية أو التفكيك والتركيب للأدوات الميكانيكية . وحين يبلغ الاطفال السنة الثانية عشرة من العمر يمكن حملهم على ممارسة اعمال منتجة صناعيا او زراعيا أو تجاريا أو فنيا أو حرف بحيث يمكن ان تصبح مورد رزق للبعض منهم فى المستقبل
أن نعنى بالاعمال اللاصفية : والاعمال اللاصفية أو ( اللامنهجية ) هي أعمال تربوية يقوم بها الطلاب خارج ساعات الدراسة الاكاديمية . ينصرف الطلاب كل حسب ميوله واختياره الى ممارسة نشاطات حرة كالميكانك او الكهرباء و التصوير أو صنع الراديو أو الطيران او الفلاحة او ادارة حانوت مدرسي او الفنون الادبية والجميلة ( كالشعر والموسيقى ) او الصحافة او الخدمة الاجتماعية او الفروسية أو اقتحام الجبال والبحار او الحياة الكشافية والرياضية الى غير ذلك . فالنشاطات الحرة هذه تظهر مواهب الطالب الخاصه وتعوده على المباداة فى الحياة الحرة كما تعلمه التعاون مع الغير مع تحمل المسؤولية
ان نعنى بتعليم التخطيط : فالتنمية الشاملة التى نريدها لحياتنا الخاصة والعامة ينبغى ان تؤسس على الحساب والقياس والتخطيط التعاوني في البيت وفى المدرسه وفي المجتمع وفى الدولة . فلا بد للتربية اذن من ان تدخل عملية التخطيط فى البرنامج المدرسي فتعلم الطلاب القيام بمشاريع تعاونية ووضع الخطط المضبوطة لها . ان " طريقة المشروع " المشهورة ( Project Method ) والتي تعتبر الهدف المشترك للطلاب محورا تدور حوله الدروس من الطرق المناسبة جدا للبلاد النامية . فالطلاب او جماعة منهم قد تخطط لغرس الاشجار فى بقعة جرداء او قد تقرر القيام بمشروع صحى مثل تنظيف البيئة من النفايات او بمشروع اقتصادى كانشاء حانوت تعاونى فى المدرسة او بمشروع اجتماعي ادبى كتنظيم حفلة مدرسية او تمثيل رواية أو القيام برحلة الى قطر مجاور او اصدار مجلة مدرسية الخ
ان تعويد الطلاب على التخطيط التعاوني في الحياة يعودهم على المبادأة والابداع والتعاون مع تحمل المسؤولية . ان طريقة المشروع هذه من الوسائل الفعالة لجعل التربية تسير فى خدمة التنمية . وهي طريقة ان لم يكن الاقتصار عليها كليا فى وضع برامج الدراسة فيمكن الاستفادة منها الى حد معقول فى ربط حياة المدرسة بالبيئة وبالمجتمع
يعنى بتأسيس المعاهد والمعامل وارسال البحوث العلمية والتقنية الى البلاد المتقدمة : الى جانب اشاعة التعليم التقني في مراحل التعليم الأولى تنبغي العناية بتأسيس المعاهد التقنية على مستويات متصاعدة : مستوى نانوى ، مستوى عال ( قصير ) ، مستوى عال اختصاصي جامعي ، ومستوى اختصاص ممتاز بعد الجامعة . ولا بد لمن يتخصص فى التربية العلمية والتقنية
ان يحصل على قسط وافر من العلوم الانسانية بحيث يقدر القيم الانسانية التى نعيش بها ولها أمته . اتذكر انى زرت معهد كاليفورنيا التكنولوجي في " ياسادينا " سنة 1945 وتحدثت مع رئيس المعهد العالم الفيزيائى الكبير الدكتور " ميليكان " حول برامج الدراسة فى المعهد فاعلمنى ان ثلاثين فى المائة من دراسة الطالب تكرس للعلوم الانسانية . ذلك لان المتخرج من المعاهد التكنولوجية لا بد له ان يفهم المجتمع والعالم الذى يعيش فيه المشاكل والاهداف وان يكون عضوا عاملا فيه
يعنى بالحصول على اسرار العلوم المضبوطة والتقنيات : ربما كانت افضل طريقة للحصول على اسرار العلوم والتقنيات هي في تهيئة علماء وتقنيين فى اعلى مستويات الاختصاص . فاذا توفر نفر من المحصلين درسوا فى المعاهد الكبرى الشهيرة فى البلاد المتقدمة وزاملوا أبرز الاساتذة فيها ثم عادوا الى أوطانهم وصاروا يقومون بابحاث مبتكرة تجذب انظار العلماء فى البلاد المتقدمة اليهم فقد يبدؤون بتبادل الخبرات والاسرار العلمية والتقنية وهذا ما فعلته اليابان
وهناك طريقة أخرى معروفة وهي عبارة عن ذهاب نفر من شبابنا فيعيشون فى البلاد المتقدمة ويندمجون فى حياتها العلمية والتقنية بحيث يصبحون من كبار العلماء والمكتشفين ثم يجودون فيما بعد بهذه الاسرار على أبناء امتهم التى انجبتهم .
وصفوة القول : ان امام البلاد النامية عامة والبلاد العربية خاصة فرصة سانحة وحاجة ملحة لان تفكر تفكيرا ممعنا في تحقيق نهضتها الجديدة التى نرجو ان تكون نهضة مؤسسة على العلم والتقنيات المقترنة بالايمان وبالاخلاق الفاضلة . وذلك يتطلب التغلب على ما أشرنا اليه من عقبات ثم تخطيط منهج مرحل واقعى تصبح التربية فيه العامل الموجه فى حياة الشعب وتحقيق المستقبل الافضل على اساس الاخاء والتعاون النزيه والسير فى مدارج الرقي والازدهار والسلام العام للانسانية جمعاء
ومن الله التوفيق

