الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

تعريب التعليم

Share

الوضع الطبيعى للتعليم ان يكون بلغة الامة ، هذه قضية لاينبغى المماراة فيها . ولكن ما يثار ببعض اوساطنا الثقافية من دعوة الى الجرأة فى اصلاح التعليم ودعوة الى الحذر فى تعريبه يوجب على رجال التعليم بهذه البلاد ان يعاودوا القول فى هذه القضية ، حتى يتبين للجميع هل لدعوة الحذر هذه ما يبررها من العوامل والاسباب ، او هى من باب الخوف والاحتياط المبالغ فيه

التعريب بصفة عامة من مقومات استقلالنا ، فنحن امة - او جزء من امة عربية تحررت من الحكم الاجنبى ، ومن اهدافنا القومية الاكيدة ان نركز استقلالنا ، ونجسم شخصيتنا ، ونجلوها فى ذاتية روحية ومادية متحررة من كل عوامل التبعية للغير . وهذا ما يدفعنا الى مضاعفة السعى لتعريب مصالحنا الادارية ومؤسساتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ويدفعنا الى العمل على ان نجعل من لغتنا اداة تعبير عن كل ما نمارسه من علوم وفنون وصناعة ، وعن كل ما نطمح ان ننشئه من حياة ومدنية وحضارة ؛ فاذا قام فينا من يدعو الى الحذر فى تعريب التعليم - والتعليم اشد العناصر مساسا بكيان الامة واكثرها تعرضا لعبث الاستعمار وكيده - اذا قام فينا من يدعو الى الحذر فى تعريب هذا العنصر الهام ، فان من حسن الظن به ان نلتمس فى دعوته هذه بواعث غير تلك البواعث التى كانت تحمل رجال الاستعمار على استنقاص العربية ، ورميها بالعجز عن مسايرة ركب الحياة ، وبالقصور عن التطور واداء رسالة العلم فى هذا العصر الحديث

لقد كانوا يفعلون ذلك لانهم يرون ان حياة اللغة لاصحابها ، وان فى استنقاصها استناقاصا لهم ، وان فى الاقرار بالعجز فيها اقرارا بمركب النقص فيهم . واى سلاح أنفع للاستعمار فى المحافظة على امتيازاته من تكوين الشعور بمركب النقص فى الشعب ، وتكوين الشعور بمركب الكمال فى فئته الحاكمة وايديه الباطشة ؟

فالداعون الى الحذر فى تعريب التعليم من اخواننا المواطنين نربأ بهم عن هذه البواعث الاستعمارية ، اذ نقدر فيهم انهم معنا يدركون ان تعريب التعليم هو عود به الى وضعه الطبيعى ، وانهم معنا يعتبرون ان العربية قد اجتازت محنة الاعتراف بها فى هذه البلاد لغة رسمية ، كما اجتازتها فى بقية البلاد 46 446

العربية التى تحررت من الهيمنة الاجنبية ؛ واذ نقدر فيهم انهم درسوا العربية او ألوا بها على الاقل ، وعرفوا ما تمتاز به من مرونة وصلاحية لان تكون لغة العلوم فى عصرنا هذا ، كما كانت لغة العلوم فى عصور ازدهارها الماضية وهؤلاء الداعون الى الحذر قدر بأوا هم بانفسهم عن تلك البواعث ، فعللوا دعوتهم بان بلوغ الغاية من العلوم العصرية لايكون الا باستقصاء المراجع الاصلية ، والمراجع العلمية الاصلية غير عربية اللغة ، وبان كثيرا من الامم الشرقية تفكر في تدريس العلوم باللغات الاجنبية ، بعد ان جربت تدريسها بلغتها القومية ؛ فمنشأ حذرهم اذن هو الحرص على بلوغ الغاية من العلوم العصرية في التعليم ، ومن ثم يكون من المفيد ان ننظر الى مراحل التعليم والي الغاية من كل مرحلة مرحلة ، لنعلم هل ان التعريب مما يعطل ويضر حقا بغاياتنا المرجوة من العلوم العصرية ؟

ان الغاية من التعليم العام تكوين المواطنين الذين يستطيعون القيام بواجباتهم الفردية والاجتماعية ، ويباشرون الحياة بارادة واعية ، تستغل ما يتاح لها من فرص متكافئة ، وتستخدم ما انمته فيها وسائل التربية والتعليم من خبرات ومواهب وقرائح

فابناؤنا اذ يزاولون تعلمهم الابتدائى والثانوى والعالى مقدر فيهم تحقيق هذه الغاية العظمى من التعليم ، كما يقدر فيهم تحقيق غايات جزئية تقصد من كل مرحلة مرحلة من التعليم

فمرحلة التعليم الابتدائي يهدف فيها الى تهيئة النشء الى التعليم الثانوى ؛ ومرحلة التعليم الثانوى يهدف فيها الى تخريج الاطارات المتوسطة التى يحتاج اليها فى الميادين العامة ، والى اعداد الطلاب الى التعليم العالي ؛ وفى مرحلة التعليم العالي تكون الاطارات العليا للدولة ويهيا لها ما تتطلبه من اختصاصيين في التعليم والادارة والقضاء والاقتصاد والصحة . .

ونسبة المتعلمين تجرى عكسيا مع مراحل التعليم ، فالعدد الكثير منهم بالمرحلة الابتدائية والقليل منهم بالمرحلة العليا ، وحصص العلوم العصرية التى يتلقونها بهذه المراحل حصص نسبية ، ولكن من الواضح ان ما يتلقونه منها بالمرحلتين الابتدائية والثانوية لا يحتاجون فيه الى بحث الموسوعات الكبرى والى امهات التأليف ، والاستقصاء من المصادر الاصلية فى اللغات الاجنبية فهم مهما ارتفع مستواهم فى دروسهم الرياضية والطبيعية ، او فى تطبيقاتهم الصناعية ، ليسوا مهتمين بغير ما تطالبهم به البرامج التى يجب ان تعين لهم كتبا مدرسية تتلاءم ومستواهم العقلي ، وتساعدهم على تأدية واجباتهم المدرسية

فتعريب التعليم فى هاتين المرحلتين لا يقوم مشكلة من حيث فقد المصادر الاصلية لهذه العلوم فى العربية ، كما لا يقوم مشكلة من حيث بلوغ الغاية من هذه العلوم ، اذ ان الغاية منها لا تحصل الا فى مجال الاختصاص وفى باب الاجتهاد وميادين الدراسات والبحوث العالية ، وهذه طبعا لاتكون الا فى مرحلة التعليم العالى ، ولا تكون ايضا الا اذا صنعت البلاد وانشئت بها المشروعات الاقتصادية الضخمة التى تتطلب الخبرة العلمية ، والعمل الفنى والكفاءة الاختصاصية ، والتجهيز الآلى

ففي المرحلة العليا من التعليم يمكن ان ننظر الى التعريف كمشكلة من حيث المصادر الاصلية للعلوم العصرية ، اما فى المرحلة الابتدائية والثانوية فالمشكلة فى نظرى - ان صح ان نطلق عليها انها مشكلة - تقوم على قلة الاساتذة الذين يمكنهم تدريس هذه العلوم باللغة العربية ؛ وتقوم على قلة الكتب المدرسية التى توضع بايدى الطلاب اثناء دراستهم . والمصطلحات العلمية فى هاتين المرحلتين امرها هين اذ يمكن تفسيرها بالعربية مع الاحتفاظ بوضع رموزها العالمية بين قوسين

فلو نظر الداعون لاصلاح التعليم الى هذه الحقائق لكان من واجبهم ، عوض ان يحذروا من العودة بتعليمنا الى وضعه الطبيعى ، ان يدعوا المثقفين وخاصة من يحسن اللسانين ، الى الانكباب على تأليف وترجمة الكتب المدرسية التى تقرب لناشئة البلاد العلوم والفنون ، وتزيل بعض حاجتنا الى هذه العلوم التى اصطلحنا على تسميتها بالعصرية ، والتى نقر جميعها بانها ليست وليدة اللغات الاوروبية وحدها او وليدة الفرنسية على الخصوص ، وليست العربية بعيدة عنها ، بل انها هى التى امدت اللغات الحديثة بجذورها الاولى ، وشاركت فى ازدهارها حقبة من الزمن ، يعترف لها بالفضل فى ذلك كل منصف ونزيه .

ولكن مالنا ولحديث التاريخ ، مالنا لاننظر الى الواقع فنعتبر بتجربة تدريس العلوم باللغة العربية ؟ ! وانى لا اتحدث عن تجربة الاقطار الشرقية لتدريس العلوم بلغاتها ، ولا احب ان اناقش ما يقال عنهم من انهم يفكرون في العودة الى تدريس العلوم باللغات الاجنبية ؛ لا احب ان اخوض فى هذا لان الامانة العلمية توجب على من ينقل هذا ان يكون على صلة متينة بتجربة هذه الاقطار ، وان يوضح فعلا ما هى الاقطار التى كان فيها ذلك ، واى مراحل تعليمها وقعت فيها التجربة ، وما هى الغايات التى جعلتها تفكر فى العودة بتعليمها للعلوم باللغات الاجنبية .

ولكن هناك تجربة واقعة فى بلادنا ونحن على اتصال بها متين ، هى تجربة تدريس العلوم باللغة العربية فى المعاهد الثانوية الزيتونية ، وخاصة بصفوف طلبة الشعبة العصرية ، هذه التجربة التى قام بها اساتذة تونسيون فى مدارس تونسية ، اسفرت عن نتائج لها حظ من الاعتبار ، يبرهن عنه اكتساب خريجى الشعبة مستوى فى هذه العلوم يوازى مستوى من فرض عليه الاستعمار ان يتلقاها باللغة الاجنبية ، وفى هؤلاء الخريجين من قصدوا الجامعات فتمكنوا من اتمام تعلمهم العالى بنجاح ، ولهؤلاء الخريجين ان يذكروا هل ان العربية كانت عائقا لهم عن المهارة فى العلوم ، او هل ان العربية فى شكلها الحالى يمكن ان تكون لغة صالحة لنعليم العلوم

ان حاجتنا الى المصادر الاصلية فى العلوم العصرية حاجة اكيدة لاهل الاختصاص من طلبة التعليم العالى ، ولكن ايكفى ذلك حجة للدعوة الى الحذر فى تعريب التعليم بجميع مراحله ؟ انغلب حاجة عشرات او مئات من طلبة الاختصاص فى التعليم العالي على الآلاف المؤلفة من التلاميذ الذين سيندمجون في الحياة العامة من نهاية تعلمهم الثانوى او الابتدائى ؟

ان التعريب لا يضع لنا مشكلة ، فانه يواجهنا بصعوبات منها ان الطلبة فى تعلمهم العالى يحتاجون الى حذق اللغات الاجنبية التى بها مصادر العلوم العصرية ، ولكن هذه الصعوبة يمكن تذليلها بطريقة سليمة ، تزيد فى قوة تعليمنا ولا تضر بمركز لغتنا القومية فى سائر مراحل التعليم ، هذه الطريقة هى توجيه طالب الاختصاص ، فى نهاية مرحلة تعلمه الثانوى ، الى زيادة العناية بلغة البلاد الاجنبية التى سيرحل لطلب العلم فيها ، او التى سيحتاج الى استقاء مصادر العلوم بها ، وماذا يضير لو زدنا لطالب الاختصاص قبل التحاقه بالتعليم العالى سنة او سنتين من عمره المدرسى ليزيد حذقا باللغة الاجنبيه التى يحتاج اليها ؟ ! وسيجد نفسه فى غالب الاحوال محتاجا الى غير الفرنسية لان فرنسا لم تعد الآن من الدول المتفوقة فى العلم

وبعد فهذه الكلمة لا تكفى لبيان ما ينبغى ان تتحدث به عن كل شؤون تعريب التعليم ، ولكن مهما كان الامر فانى ارى على العكس مما يراه دعاة الحذر في التعريب ، ارى ان نتمسك بالجرأة فيه كما نتمسك بالجرأة فى جوانب الاصلاح الاخرى ، واقدر ان الجرأة فى الجوانب الاخرى قد تنتج مالا نرغب فيه ، اما الجرأة فى التعريب فاقل ما ينتج عنها القضاء على ازدواج الثقافة ، ومحق التاثير الروحى للاستعمار ، وتطويع لغتنا القومية للعلوم ، واشعار ناشئتنا ان لسانهم لا يعوقهم عن التطور والتقدم واللحاق بركب الامم الناهضة

اشترك في نشرتنا البريدية