الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

تعقيبات

Share

(( أى سماء تظلني ، وأى ارض تقلني ، إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم ))

اطلعت فى العدد الصادر بجمادى الثانية ١٣٧٣ من مجلة الحج الغراء ، على مقال تحت عنون (( تعقيبات )) كتبه الاستاذ الاديب احمد محمد جمال ، حول موضوعى تحريم النبيذ وجواز نكاح الكتابيات ، وقد كان يعقب فيه على آراء ابداها الدكتور فروخ فى الموضوعين معا . .

وقد بدا لى أن أعقب على المعقب ، بكسر القاف - وعلى المعقب - بفتحها احقاقا للحق ووضعا للامور الشرعية فى ميزانها الصحيح تقول (( كل مسكر

وها أنذا أبدأ ببحث النبيذ ، وسأعقبه ان شاء الله ببحث نكاح الكتابيات . . وما توفيقى الا بالله ، عليه توكلت واليه انيب .

فأقول : اما تحريم النبيذ فهو بنص القرآن فقد اطلقت اللغة والشرع صيغة الخمر . . والاشتقاق يساعد على ذلك ، فان اصل مادة الخمر هو التغطية فكل ما غطى العقل والتمييز فهو خمر ، كما تدل عليه عبارات ايمة اللغة ، كابن دريد فى (( جمهرته )) والجوهرى فى (( صحاحه )) وابن سيده

فى (( محكمه )) والزمخشرى فى (( فائقه )) والقاضى عياض فى (( مشارق الانوار )) والراغب فى (( مفرداته )) وقد سبقهم الى هذا التفسير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحين ما نزلت آية تحريم الخمر ، فهموا منها تحريم النبيذ ، ولم يختصوا الخمر بالمتخذ من ماء العنب ، بل انهم اجمعوا على ما يقتضيه اشتقاق الكلمة ، وبينت السنة ذلك تبيينا منوعا ، فتارة حرام )) وتارة (( كل مسكر خمر )) وهذا  كله تبين من الرسول صلى الله عليه وسلم للخمر بانه المسكر مطلقا سواء كان نبيذا او غيره ، وقد خطب عمر رضي الله عنه على المنبر بمحضر جميع الصحابة الموجودين كبارا وصغارا . . فقال فيما حدثنا به البخارى فى الجامع الصحيح ( انه قد نزل تحريم الخمر وهى من العنب والتمر والحنطة ، والشعير والعسل ، والخمر ما خامر العقل ) وتتابع الحفاظ على الاستدلال بهذا شرعا ولغة . . فقال القاضي ابو بكر بن العربى المالكى فى تفسير

سورة البقرة في كتابه (( الاحكام )) ( المسألة الثانية فى تحقيق اسم الخمر ومعناه ، وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين احدهما ان الخمر شراب يعتصر من العنب خاصة ، وما اعتصر من غير العنب كالزبيب والتمر وغيرهما يقال له نبيذ ، قاله ابو حنيفة وأهل الكوفة الثاني (( انه كل شراب ملذ مطرب ، قال اهل المدينة وأهل مكة ، وتعلق ابو حنيفة باحاديث لا فيها خطم ولا ازمة ذكرناها فى شرح الحديث ومسائل الخلاف فلا يلتفت اليها . . والصحيح ما روى الايمة ان أنسا قال : حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الاعناب الا قليل ، وعامة خمرها البسر والتمر ، خرجه البخارى . . واتفق الائمة على ان الصحابة اذ حرمت الخمر لم تكن عندهم يومئذ خمر عنب ، وانما كانوا يشربون خمر النبيذ ، فكسروا دنانهم وبادروا الى الامتثال لاعتقادهم ان ذلك خمر ، وصح عن عمر رضى الله عنه انه قال على المنبر (( ان تحريم الخمر نزل وهى من خمسة : العنب والتمر والعسل ، والحنطة ، والشعير . . والخمر ما خامر العقل )) . .

وقد استوفينا القول في المسألة فى مسائل الخلاف ، اشتقاقا واصولا وقرآنا واخبارا . .

وقال الخطابى ( زعم قوم ان العرب لا تعرف الخمر الا من العنب ، فيقال لهم ان الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا ، عرب فصحاء فلو لم يكن هذا الاسم صحيحا لما اطلقوه . . )

وقال الحافظ ابن حجر العسقلانى فى فتح البارىء ( قال ابن عبد البر قال الكوفيون ان الخمر من العنب لقوله تعالى (( اعصر خمرا )) فدل على ان الخمر هو ما يعتصر لا ما ينبذ . . قال ولا دليل فيه على الحصر . .

وقال اهل المدينة وسائر الحجازيين وأهل الحديث كلهم : كل مسكر خمر وحكمه حكم ما اتخذ من العنب ، ومن الحجة لهم ان القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم الصحابة ، وهم اهل اللسان ان كل شىء يسمى خمرا يدخل فيه ، فأراقوا المتخذ من التمر ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب ، وعلى تقدير التسليم فاذا ثبت تسمية كل مسكر خمرا من الشرع كان حقيقة شرعية ، وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية

واقول : ان التفرقة بين الحقيقة اللغوية والشرعية عند من يقول عن الالفاظ الواردة في الشرع انها غير مستعملة فى معانيها الاصلية ، وهذا قول لا يرتضيه القاضى ابو بكر بن العربى فى (( احكام القرآن )) حيث يقول فى بيان الاحكام المتخذة من قوله تعالى " الذين يكنزون الذهب والفضة " الآية . . ونحن لا نقول : ان الشرع غير اللغة ، وانما نقول انه تصرف فيها تصرفها فى نفسها . . . بتخصيص بعض مسمياتها ، وقصر بعض متناولاتها من الاسماء كالقارورة والدابة ، وفي بعض العقار والدواب

أقول : ولا تصرف هنا للشرع فى هذا اللفظ ، بل تركه على موضوعه اللغوى ، قال القرطبى فيما ينقله عنه

الفتح : ( الاحاديث الواردة عن انس على كثرتها وصحتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بان الخمر لا يكون الا من العنب ، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ، ولا يتناوله اسم الخمر وهو قول مخالف للغة العرب والسنة الصحيحة ، وللصحابة لانهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الامر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وما يتخذ من غيره بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه ، ولم يتوقفوا ولم يستفصلوا ولم يشكل عليهم شئ من ذلك ، بل بادروا إلى اتلاف ما كان من غير عصير العنب ، وهم اهل اللسان ، وبلغتهم نزل القرآن ، فلو كان عندهم تردد لتوقفوا عن الاراقة حتى يكتشفوا ويستفصلوا ويتحققوا من التحريم لما كان تقرر عندهم من النهى عن اضاعة المال ، فلما لم يفعلوا ذلك وبادروا الى الاتلاف علمنا انهم فهموا التحريم نصا ، فصار القائل بالتفريق سالكا غير سبيلهم ، ثم انضاف الى ذلك خطبة عمر رضي الله عنه ، بما يوافق ذلك ، وهو من جعل الله الحق على لسانه وقلبه ، وسمعه الصحابة وغيرهم ، فلم ينقل عن احد منهم انكار ذلك ، واذا ثبت ان ذلك يسمى خمرا الزم تحريم قليله وكثيره وقد ثبتت الاحاديث الصحيحة فى ذلك . . ثم ذكرها . . وقال ( واما الاحاديث عن الصحابة التى احتج بها المخالف فلا يصح منها شىء ، على ما قال عبد الله بن المبارك واحمد وغيرهم ) وقال الامام الحجة ابو جعفر النحاس

فى كتابه (( الناسخ والمنسوخ من القرآن )) بعدما ساق حديث عمر المتقدم باسناد ذكرانه أصح أسناد ، واورده مرفوعا لكن بلفظ (( ما خمرته فهو خمر )) فهذا توقيف فى الخمر انها من غير عنب ، وفيه بيان الاشتقاق وانه ما خامر العقل ، مشتق من الخمر وهو كل ما وارى ، من نخل وغيره ، فقيل خمر ، لانها تستر العقل ، ومنه فلان مخمور قال : هذا فيما كان من عصير العنب وغيره ، لا فرق بينهما ومافيهما الا مايريد الشيطان ان يوقع بينهم العدواة والبغضاء ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فالقليل من هذا ومن هذا واحد ، فهذا اصح ما قيل فى اشتقاقها ، واجل اسنادا وبه قال عمر رضى الله عنه ، على المنبر بحضرة الصحابة . . واما سعيد بن المسيب فروى عنه انه قال : انما سميت الخمر خمرا لانه صعد صفوها ورسب كدرها . . قال ابو جعفر : اشتقاق هذا ايضا على ان الصفو ستر الكدر . .

وذكر ابو جعفر النحاس عن ابن عمر انه سئل عن نبيذ ينبذ بالغداة ويشرب بالعشى ، قال للسائل : انى انهك عن قليل ما أسكر كثيره ، وانى اشهد الله عليك فان اهل خيبر يشربون شرابا يسمونه كذا ، وهى الخمر . . وان اهل مصر يشربون شرابا من العسل يسمونه البتع وهي الخمر .

وذكر عن عائشة انها لما سئلت عن عصير العنب قالت : ( صدق الله ورسوله ، سمعت رسول الله صلى الله

عليه وسلم يقول : (( يشرب قوم الخمر يسمونها بغير اسمها )) . . قال ابو جعفر : ( فلم يزل الذين يروون هذه الاحاديث يحملونها على هدا عصرا بعد عصر ، حتى عارض . فيها قوم فقالوا : المحرم الشربة الاخيرة التى تسكر . )

وقال القرطبي في (( الجامع لاحكام القرآن )) بعد ذكر حديث ابن عمر المتقدم : ( وهذا ابين ما يكون فى معنى الخمر ، يخطب به عمر بالمدينة بحضرة جماعة من الصحابة ، وهم اهل اللسان ، ولم يفهموا من الخمر الا ما ذكرنا . . )

وقال الحافظ ابن حجر فى (( الفتح )) فى شرح حديث عمر نفسه ايضا : (( هذا الحديث اورده اصحاب المسانيد والابواب فى الاحاديث المرفوعة لان له حكم الرفع عندهم ، لانه خبر صحابى شهد التنزيل أخبر عن سبب نزوله ، وقد خطب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم ، ولم ينقل ان احدا منهم انكره ، وقد اراد عمر التنبيه على ان المراد بالخمر فى هذه الآية ليس خاصا بالمتخذ من العنب ، بل يتناول المتخذ من غيره ، ويوافقه حديث انس السابق ، فانه يدل على ان الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر ))

واقول تعليقا على ما ذكر ان ذلك ما رواه ابو جعفر النحاس من طريق احمد بن شعيب عن ابن عباس (( من سره ان يحرم ما حرم الله ورسوله فليحرم النبيذ )) كما ان ابا جعفر روى فى (( الناسخ والمنسوخ )) من طرق متعددة اصحها ما رواه احمد بن حنبل

عن يونس بن محمد عن حماد بن زيد ، عن ايوب عن نافع عن ابن عمر قال (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام )) وقد قال ابو جعفر : قال ابو عبد الله : هذا اسناد صحيح ..

فان قيل وما المانع من حمل قوله عليه السلام (( كل مسكر خمر )) على انه مجاز ، اى كالخمر . . فالجواب انه يمنعه ما تقدم من اجماع الصحابة وأئمة اللغة على ان ذلك خمر حقيقة لا مجازا . . وقد رد العلماء على من قال عكس ذلك . . قال القاضى ابو بكر بن العربى ، كما فى الفتح : (( والاصل عدم التقدير ولا يصار اليه الا للحاجة . .

فان قيل : احتجنا اليه ، لان النبى عليه الصلاة والسلام لم يبعث لبيان الاسماء . . قلنا : بل ان بيان الاسماء من جملة الاحكام . .

قال (( وايضا لو لم يكن الفضيخ ونادى المنادى حرمت الخمر ، لم يبادروا الى اراقتها ولم يفهموا انها داخلة فى مسمى الخمر ، وهم الفصح اللسن . .

فان قيل : ان هذا اثبات اسم بقياس . . قلنا : انما هو اثبات اللغة عن اهلها ، فأن الصحابة عرب فصحاء فهموا من الشرع ما فهموه من اللغة ومن اللغة ما فهموه من الشرع . . ))

واقول تعليقا على ما تقدم : ان هذا هو مذهب المحدثين قاطبة ، ومذهب اهل الحرمين ، ومذهب المحققين من الشافعية . . وقد رد ابن الرفعة على الرافعى نقله عن اكثر الشافعية ان

الخمر مجاز فى غير المتخذ من العنب ، بما نقله عن المزنى وابن ابى هريرة واكثر الاصحاب ان الجميع يسمى خمرا حقيقة ، وايده فى ذلك الحافظ ابن حجر العسقلانى فى (( فتح البارى )) بقوله ( ونقل ابن المنذر عن الشافعى ما يوافق ما نقلوا عن المزنى فقال ممن قال ان الخمر من العنب ومن غير العنب : عمر وعلى وسعيد وابن عمر وأبو موسى وابو هريرة وابن العباس وعائشة ، ومن التابعين سعيد بن المسيب ، وعروة والحسن وسعيد بن جبير وآخرون وهو قول مالك . . . والارزاعى والثورى وابن المبارك ، والشافعى واحمد واسحاق وعامة اهل الحديث . .

وبعد فهذه نقول أئمة اللغة والشرع من الصحابة وغيرهم تصرح يكون النبيذ نوعا من أنواع الخمر ليس للخمر نوع أولى منه بتلك التسمية ، والنصوص النبوية بينت غاية التبيين مدلول الكلمة والعجب من الاستاذين يكتبان عن القرآن وينفيان وجود شئ منه من غير استناد الى لغة ولا الى شرع وكيف يمكن التساهل فى مراجعة هذه الامهات وهل هذا الا هجوم على القرآن بالرأى ؟ وهو منهى عنه فى الحديث ، فلو راجع الدكتور فروخ كتب اللغة وكتب مفردات القرآن ومفردات الاحاديث بل ومغزى القرآن وشرح الحديث لما امكن له ان يحكم بأن القياس هو اساس تحريم النبيذ ولعلم الدكتور ان القياس ما

ذكروه هنا لكونه اساس التحريم بل لقطع خطة الخصم من جميع الجهات ، والاحاطة به من كل جانب كما يدل عليه قول القرطبى في الجامع لاحكام القرآن ( والعجب من ابي حنيفة واصحابه رحمه الله فانهم يتوغلون فى القياس ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلى المقصود بالكتاب والسنة واجماع صدور الامة لاحاديث لا يصح منها شئ على ما قد بين عللها المحدثون فى كتبهم وليس فى الصحاح منها شئ ) فكلام القرطبى هذا يدل على ما قلنا بل ارفع أنواع القياس ما وافق النص والى ذلك أشار القرطبى فى الجامع . . وهذا القياس هو ارفع انواع القياس لان الفرع فيه مساو للاصل فى جميع اوصافه . . ثم ذكر ما تقدم من كونه معضودا بالكتاب ، فيما يذكره احكام الحافظ أبى بكر محمد جمال لو راجع المصادر المذكورة لما سلم نفى تحريم النبيذ بنص القرآن حتى يحتاج الى جعل السنة المبينة للآية أصلا فى التحريم فان السنة على ما تقتضيه المصادر على قسمين أحدهما ان تكون مبينة للاصل والثانى ان تكون متضمنة لحكم غير ظاهر في الكتاب فهذه تعد اصلا بالنسبة الى ادراكنا نحن وأما بالنسبة الى الواقع فالسنة كلها بيان كما يدل عليه قول ناصر السنة الامام الشافعى فيها يذكره احكام الحافظ أبى بكر البيهقى : ( فليست تنزل لاحد نازلة الا وفى كتاب الله الدليل على سبل الهدى

اشترك في نشرتنا البريدية