نشرت جريدة " جمهورية " التى تصدر فى بومباى بالهند سلسلة مقالات حول الخلافة الاسلامية فى تاريخها وتنظيم شئونها وتحدثت عن احقية جلالة ملكنا سعوذ الاول المعظم لها ، وقد تناقلت المجلات والصحف ومن بينها مجلة المنهل الغراء هذه المقالات ، وحيث ان هذا البحث في غاية المناسبة لملائمته للحياة الفطرية كما ذكرت المقالات ، ولكون البحث فى محله اردت ان ادلى بدلوى فى الموضوع بتذييله بكلام القاضي ابى بكر بن العربي في " احكام القرآن " حول الموضوع ، قال في تفسير قوله تعالى " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس " بعد ذكر الاقوال فى تفسير " قياما للناس " ما نصه : " وفائدة ذلك وحكمته ان الله سبحانه خلق الخلق في الجملة اخيافا يتقاطعون تدابر واختلافا ، ويتنافسون في لف الحطام اسرافا لا يبتغون فيه انصافا ولا يأتمرون فيه برشد اعترافا ، فأمرهم الله سبحانه بالخلافة وجعل فيها المملكة وصرف أمورهم الى تدبير واحد يزعهم عن التنازع ويحملهم على التآلف من التقاطع ، ويردد الظالم عن المظلوم ، ويقرر كل يد على ما تستولي عليه حقا ويسوسهم فى احوالهم لطفا ورفقا ، واوقع فى قلوبهم صدق ذلك وصوابه ، وأراهم
بالمعاينة والتجربة صلاح ذلك فى ابتداء الامر وما به ، ولقد يزع الله بالسلطان مالا يزع بالقرآن فالرياسة للسياسة ، والملك نفى للمهلكة وجور السلطان عاما واحدا ، أقل أذاية من كون الناس فوضى خطة واحدة ، فانشأ الله الخليفة لهذه الفائدة . . . والمصلحة على الملوك والخلفاء ، وكلما بان خليفة خلفه آخر وكلما هلك ملك ملك بعده غيره ليست به التدبير وتجرى على مقتضى رأيه الامور ويكف الله سبحانه وتعالى عادية الجمهور ، فاذا بعث نبيا سخر الله سبحانه له المهلك فى وقته ان كان ضعيفا فكان صغوه اليه وعونه ، كما فعل بدانيال وامثاله ، وان بعثه قويا يسر له الاستيلاء على الزمان واهله ، واعرى ارض السلطان عن ظله ، وجعل له الامر فى الدين واهله ، كما فعل بموسى ، ولما اراده الله من التيسير على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، والتقديم له والتشريف لقومه اسكن اباه اسماعيل البلد الحرام حيث لا أنس ولا انيس واستخرج فيها ذريته وساق اليه من الجوار من عمرت به البلاد والد ياروجرد هم عن الملك تقدمة لرياسة الملة وكانوا على جبلة الخليفة وسليقة الآدمية من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر والسلب والغارة والقتل والثارة ، ولم يكن بد
فى الحكمة الالهية والمشيئة الاولية من كاف يدوم مع الحال ورادع يحمد معه المثال فعظم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام لحقه ، واوقع في نفوسهم هيبته لحكمته وعظم بينهم حرمته لقهره فكان من لجأ اليه معصوما به ، وكان من اضطر محميا بالكون فيه ، ولذلك قال تعالى " أو لم يروا انا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " بيد انه كان موضعا مخصوصا لا يدركه كل مظلوم ، ولا يناله كل خائف ، جعل الشهر الحرام وهي المسألة السابعة ملجأ آخر فقرر فى قلوبهم واوقع فى نفوسهم حرمة الاشهر الحرم ، كانوا لا يروعون فيها سربا ، ولا يطلبون فيها ذنبا ، ولا يتوقعون فيها ثارا ، حتى كان الرجل يلقى قاتل ابيه وابنه واخيه فلا يؤذيه وقطعوا فيها ثلث الزمان ، ووصلوا منها ثلاثة متوالية فسحة وراحة ، ومجالا للسياحة فى الامن والاستراحة وجعلوا منها واحدا مفردا في نصف العام ، دركا للاحترام ثم يسر لهم الالهام ، وشرع على ألسنة الرسل الكرام للهدى والقلائد فكانوا إذا اخذوا بعيرا أشعروه دما ، وعلقوا عليه نعلا روى ابن القاسم عن مالك - وهى المسألة الثامنة - ان القلائد حبل يفتله ، ونعلان يقلدهما والنعل الواحد جزء ، ولذلك روى ابن وهب عن ابن
عمر انه كان يقلد نعلين ، وربما قلد نعلا واحدا ، فاذا جعل الرجل ذلك في فى بعيره او في نفسه لم يرعه ذلك حيث لقيه وكان الفصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه ، حتى جاء الله بالاسلام وبين الحق بمحمد عليه السلام فانتظم الدين في سلكه ، وعاد الحق الى نصابه وبهذا وجبت الخلافة هدى ، ومنع الله الخلق ان يتركوا بعد ذلك سدى فاسندت الامامة اليه وانبنى وجوبها على الخلق عليه ، وهو قوله سبحانه وتعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليببدلنهم من بعد خوفهم امنا " الآية
انتهى كلام القاضي ابى بكر بن العربى ، وانت ايها القارئ ترى انه قد ابان في حديثه ضرورية الخلافة للبشر ، شرعا وفطرة . . حتى انه جعل تعظيم الناس للكعبة وللاشهر الحرام ، وللقائد من الادلة على ذلك . ومن اقوى الادلة على الخلافة قول الله تعالى " انى جاعل فى الأرض خليفة ، واهتمام الصحابة بها قبل دفنه صلى الله عليه وسلم . . واما احقية ملكنا " سعود " بها فى هذا العصر فاشهر من نار على علم ، واوضح من الشمس فى رائعة النهار.
